تعتبر الترجمة أهم وسائل نقل المعرفة والثقافة والفكر، من أجل تحقيق مستوى حضاري أفضل، فهي قنطرة للتلاقح بين ثقافات الشعوب، لذلك يمكننا القول إنها فن من فنون الحياة مع الآخر.. تعتمد الترجمة تحويل نص أصلي مكتوب من اللغة المصدر إلى نص مكتوب (النص الهدف)، ولعل أقدم الترجمات المهمة، ترجمة أجزاء من ملحمة »جلجامش« السومرية، إلى لغات آسيوية عدة، منذ الألفية الثانية قبل الميلاد.

 

عرف العرب قديما الترجمة كأداة للتواصل والحياة مع الآخر، منذ أن انفتحوا على العالم من حولهم، سواءً بسبب التجارة أو الترحال، وكانوا على صلة بالأحباش والفرس والروم، حتى أن الشاعر (الأعشى) عرف عنه تضمينه لكلمات فارسية أكثر من غيره.

وبعد الإسلام عرفت (الترجمة) المنظمة في زمن الدولة الأموية، حيث كان «خالد بن يزيد بن معاوية» على رأس منظمة نشطة في الترجمة. وفي العصر العباسي، راجت أكثر بسبب اتساع الفتوحات الإسلامية، فترجموا عن اليونانية علوم الطب والفلك والرياضيات والموسيقى والفلسفة وغير ذلك.

 

حرفة وفن

الترجمة لا تعتبر نقل كلمة من لغة إلى أخرى، لأن من يفهم الترجمة أنها مجرد نص ما بما يقابله في اللغة التي يترجم إليها، كلمة مقابل كلمة، قد ينتج نصا آخر مختلفاً، لأن هناك دلالة القواعد اللغوية، والدلالات اللفظية، والمعلومة التي تحملها الكلمة، وكلها على المترجم أن يرعاها. لذلك أصبح للترجمة نظريات ومدارس، منها نظرية «الثالوث»، التي قال بها «جورج ستاينر»، حيث وضع للترجمة ثلاثة طرق: الحرفية (أو الكلمة بالكلمة)، والحرة (الدلالة بالدلالة)، والترجمة الأمينة.

وقد اعتبر البعض الترجمة، فنا يعتمد على إبداع المترجم وثقافته مع حسه اللغوي، وعليه أن يجتهد في إبراز نقل المعنى (وليس نقل الكلمات نقلاً حرفيا)، ونقل الزمن (الماضي والحاضر والمستقبل) ومدلولات الزمن والنحو لتعزيــز المعنـــى، إضافة إلى نقل الأسلوب بشكل مستساغ ومفهوم.

 

أنواع والوان

توجد أنواع عدة من الترجمة، كالترجمة التحريرية، وهي ترجمة نص مكتوب إلى نص مكتوب بلغة أخرى، ثم ترجمة تتبعية، أي عندما يستمع المترجم للمتحدث، ويبدأ في إعادة ترجمة ما قاله، وهي الشائعة في المقابلات بين رؤساء الدول والمسوؤلين)، ثم الترجمة فورية، التي تمارس أثناء سماع المتحدث. أما ترجمة الأفلام، فهي نوع مختلف، تعتمد على ترجمة اللهجة العامية أو اللغة الدارجة للمتحدثين، لذلك تعتبر صعبة الممارسة، وفي حاجة إلى مترجم ذي مهارة خاصة.

وقسم البعض الترجمة، إلى ترجمة ضمن اللغة الواحدة، وهي إعادة صياغة مفردات ما في إطار نفس اللغة، مثل ترجمة الإشارات اللفظية بإشارات أخرى لإيضاح المعنى، كما في تفســـير القرآن الكريـــم، والترجمـــة من لغة إلى أخرى.

وهي ترجمـــة لإشــارات لفظيــة لإحــدى اللغات إلى إشارات لفظيـــة باللغـــة الأخرى، مع مراعاة المعنـى بدقة، والترجمة من علامة إلى أخرى، وهي نقل الرسالة من نــوع معين من الرمزية إلى نوع آخر، بدون استخدام الألفاظ، مثل الإشارات البحرية وطبول القبائل الإفريقية أثناء الحروب، وكلها لها دلالة لفظية.

 

ليست قوالب ثابتة

تواجه الترجمة والمترجم العديد من المشاكل والمعضلات المتجددة، إضافة إلى المشاكل التقليدية فيها، ومن تلك المشاكل؛ مشكلة التعريب، وهي تعريف مفردات الحضارة، أو تلك المسميات والمصطلحات المعرفية والتقنية التي تتجدد كل يوم، مع الثورة المعرفية الآن، وكمثال على ذلك تعريب «الموبيل» بكلمات «المحمول» «النقال» «الخلوي» وغيرها.

كما يلقى مترجم الكتب العلمية في الطب والفيزياء وغيرهما، مشقة مماثلة، وهو ما ينقلنا فورا إلى مشاكل المعاجم العربية، ففي ترجمة النصوص الطبية بوصفها مثلا عن كل العلوم، ويمكن القول إن كلمات مثل إيدز AIDS أو سارس SARS أو الزهايمر Alzheimer لم تعد مرفوضة في اللغة العربية، لأننا أصبحنا نستعملها بشكل دائم، لكن ذلك لا ينفي وجود كلمات ومصطلحـــات أخرى بعيدة كل البعـــد عن استعمالنا اليومي.

ولعلنا في هذا المقام نتذكر مقولـــة ورأى الدكتــــور طه حسين في قضية الترجمة، حين قال: «إننا نملك لغتنا العربية، كما امتلكها أجدادنا، ولنا أن نضيف إليها ونأخذ منها ما يناسب حياتنا، وكما فعل الأجداد».

لذا يرى الكثيرون من المتخصصين في فن الترجمة، أن أغلب مشاكل الترجمة ترجع إلى عجز المترجم في توصيل المعنى الدقيق، وهو ما يرجع إلى عدة عوامل، أهمهــا أن كل لغــة تحمل في طياتها العديد من المرادفات، التي تختلف في معانيهـــا اختلافـــاً طفيفــاً عن بعضها البعض.

كما أن كل لغة لها ثقافاتهــا، وبالتالي فإن المترجـــم قد ينقل الكلمة إلى لغة أخرى، ولكنه لن يستطيع أن ينقل ثقافـــة هذه الكلمة بشكل جيد، ولكل لغة طابع خاص في تركيب الجملة وترتيب مفرداتها (أي، القواعد)، فمثلاً، اللغة العربية تحمل في طياتها الجملة الاسمية والجملة الفعلية، بينما لا توجد الجملة الاسمية في اللغة الإنجليزية.

 

استعصاء

ولعل أصعب ما يمكن ترجمته هو الشعر، ربما بسبب خصوصيته، حيث الكلمة عادة ما تكون معبأة، بدلالات أكثر كثيرا من كونها مفردة في سياق، وهو ما تلاحظ معه أحيانا، أن تكون الترجمة لقصيدة أجمل من الأصل المترجم عنه.

ويلعب الغرض الشعري والبناء دوره، بحيث يكون من الأهمية أن يكون المترجم شاعرا، (كترجمة الشاعر أحمد رامي لرباعيات الخيام)، ويعد الشعر التعليمي أيسر في الترجمة لاتساق أفكاره، أما الشعر الغنائي فهو أصعب لكونه معبأ بالخيال والصور البلاغية.

 

القواميس وعصر التقنية

حديثا ظهرت في الأسواق أشكال من الأطالس متقدمة، وهي أجهزة وليست ورقية، أما لغوية عامة أو حياتية، وقد تعرض المفردات العربية في مقابل الإنجليزية، ومنها العربية والإنجليزية والفرنسية، أي بتوافر ثلاث لغات، أو قواميس متخصصة.

ونوع آخر هو جهاز يتضمن قائمه بأشباه الجمل الفعلية، وليست الكلمات، مع شرح لقواعد اللغة الإنجليزية، حيث يتضمن جمل المحادثة ولغة الحياة اليومية، وناطق.

أما القواميس المتخصصة فتتضمن المفردات الفنية، إضافة إلى قائمه بأشباه الجمل الفعلية، والتي غالبا تتداول في مجال التخصص هذا، وهي ناطقة. إضافة إلى أجهزة (قواميس) في مجال الطب لا تقتصر على الطب العام، بل يتوافر بها مصطلحات مجالات ذات علاقة، مثل الطب البديل، وطب الشيخوخة، والصحة العامة، فضلا عن توافر الصور التوضيحية.

وقد أتاحـــت الأجهــزة الحديثـــة إمكانيـــة توافـــر «كـــارت» ذاكرة، كما في أجهزة الكمبيوتر المعروف، مـــع توافر صور متحركة، وتوفر أكثر من لغة، تصل إلى 12 لغــة يمكن ترجمتها إلى العربية، وشاشـــة تعمل باللمس، وغيرها من الخصائص يبدو معها القاموس، وكأننا نتعامل مع جهاز ذات ميزات متعددة، ولا يقتصـــر على الترجمة فقط، فهوــ يتوافـــر على ميزات أخرى كألبوم صـــور، ومحدد لمواقيـــت الصـــلاة، وقارئ ملفات (أكروبات مثلا)، مع أنه ناطق.

ومع ظهور الحــواسب، جرت محـــاولات لاستخـــدام الحاســـوب في ترجمـة النصوص مــن اللغـــة الطبيعيـــة بالترجمـــة الآليـــة، أو لاستخدام الحاسوب كوسيلة مساعدة للترجمة.

وتقدم شركة «جوجل» على الشبكة العنكبوتية، برامج للترجمة، متعددة اللغات، منها من اللغة العربية إلى الانجليزية، ومن الإنجليزية إلى العربية، وكذلك الحال مع الفرنسية. ولم يقتصر الأمر على صفحات وورد فقط، بل ترجمة مواقع!

وهى خدمة جادة وهامة، ومع تجربتي الشخصية معها، تأكد لي ضرورة عدم الاعتماد عليها بالكامل، ويلزم بعض التدخلات من طالب الخدمة أو من متخصص في اللغة المترجمة، ربما بسبب الأسباب التي ذكرناها سلفاً، فضلا عن سوء الترجمة الشعرية بالكامل، أما النصوص النثرية، كالقصص فيمكن اعتمادها مع بعض التعديلات، لذا تعد خدمة في انتظار مرحلة قادمة أكثر حنكة ودقة، وتظل القريحة الإنسانية تبحث عن الجديد والمزيد، من أجل التواصل، والترجمة فن قديم وجديد ومتجدد في تلك المحاولات، من أجل التواصل بين البشر.

 

من طرائف الترجمة والمترجمين..

ذكر الدكتور حسام الخطيب، يقول: «من المواقف التي لا أنساها أبداً، حين كنت أعمل في الاتحاد البرلماني العربي، أنه في إحدى الليالي، بل في منتصف تلك الليلة، دق جرس الهاتف، وطلب مني رئيس برلمان عربي معيّن أن آتي إليه فوراً لتدارك مشكلة كبيرة. حين ذهبت وجدت أركان حرب المجلس مجتمعين في حالة وجوم. وسلموني ترجمة رسالة واردة من الكونغرس الأميركي (لجنة الشؤون الخارجية)، وطلبوا مني كتابة ردّ مباشر بالإنكليزية يكون حاسماً وقوياً.

وتقول الترجمة إن الوفد الأميركي إلى مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي في لندن (أوائل الثمانينات)، لا يوافق أبداً على الإجراء الذي اتخذه المؤتمر العام بقبول وفد المجلس الوطني الفلسطيني عضواً مراقباً في الاتحاد. ولا يعترف بذلك ولا يريد أن يعود إلى بحث هذا الموضوع.

قرأت الترجمة فوجدت فيها اضطراباً، وطلبت الأصل وقرأته فهالني كيف انقلب المعنى رأساً على عقب. كان النص الأصلي يقول: إن وفد الكونغرس الأميركي صوّت ضد قرار قبول البرلمان الفلسطيني في الاتحاد البرلماني الدولي.

ومازال عند رأيه في هذا الموضوع، ولكن بما أن القرار اتخذ بطريقة ديمقراطية فإن الشعبة البرلمانية الأميركية تعتبر الموضوع منهياً، ولن تعود إلى طرحه مرة ثانية. (في ذلك الوقت كان الأميركيون مازالوا يحتفظون بشيء من التهذيب في إملاءاتهم على الدول الأخرى).

وقالت الإعلامية الجزائرية «خديجة بن قنه»: «كان الدكتور عمر عبد الكافي يلقي محاضرة دينية في كندا باللغة العربية، وبعد أن انتهى سأل جَمْع تحلق حوله من غير الناطقين بالعربية عن الترجمة إن كانت وصلت لهم بدون تحريف؟، فرد أحدهم قائلا: لا لم تكن الترجمة أمينة يا شيخ، فقد ضحك الناطقون بالعربية ثلاث مرات ونحن ضحكنا مرة واحدة فقط».