العلاقات الإنسانية معقدة بذاتها، وتصبح أكثر تعقيداً حين يكون الأشخاص عمياناً ولا يستطيعون التفاعل بصورة كاملة، على غرار الأشخاص العاديين. في مسرحية (الأعور هو الملك) يخبرنا الأديب المكسيكي كارلوس فوينتيس لماذا يحدث هذا ؟
ذاع صيت الكاتب كارلوس فوينتيس، بصفته كاتباً روائياً في المقام الأول، لكنه كتب كذلك للمسرح العديد من النصوص المسرحية التي لا تقل إمتاعاً عن نصوصه الروائية، التي باتت تشكل جزءاً لا يتجزأ من الأعمال الكلاسيكية في أدب أميركا اللاتينية والعالم. ومن بين تلك المسرحات تبرز عناوين مثل (الأعور هو الملك) وهي الأولى وكتبها عام 1970، و(سحلبيات على ضوء القمر) 1982، و(احتفالات الفجر) 1991، و(شجرة البرتقال) 1993، و(ديانا أو الصيادة العازبة) 1994، و(الحدود الزجاجية)، و(كل القطط واقفة)، وجميعها أعيدت طباعتها مرات وعرضت على خشبات المسارح مرات عدة.
للإضاءة على طبيعة هذه الأعمال المسرحية، سنأخذ (الأعور هو الملك) كعينة من شأنها أن تدخلنا إلى عوالم فوينتيس الأدبية، حيث تروي هذه المسرحية التي لم يطوها القدم، قصة الاستقلال والتعايش والاستحواذ، قصة حب عرضة للمرض بين شخصيتين رئيسيتين في العمل، دوناتا، سيدة المنزل، والدوق الذي نشأ وترعرع في كنف عائلة أصبحت تتكفل بها السيدة نفسها، في ظل غياب الزوج في رحلة تجارية في لاس فيغاس.
الدوق رجل أسمر اللون يرتدي عادة بنطالاً مخططاً وقميصاً بقبة على شكل حمامة وربطة عنق، ويمكن وصفه بأنه يرقى إلى مستوى العبد تقريباً للسيدة دوناتا، ذلك أنه في خدمتها وتحت تصرفها دائماً. أما دوناتا، فإنها سيدة تقدم بها العمر مـتأنقة وحسنة الذوق والمظهر والعادات دائماً.
أما الشخصيات الثانوية في المسرحية فهي شخصية زوج دوناتا، الذي يذهب في رحلة لمدة أسبوع إلى كازينوهات لاس فيغاس لجني بعض المال، ومارينا خطيبة الدوق، التي تعمل مرافقة سينمائية، وأخيراً زعيم عصابة اللصوص، الذي يقتل الدوق عندما يدخل لسرقة المنزل الذي يسكنون فيه.
مجريات الحكاية تبدأ بسرد تفاصيل المكان الذي تتطور فيه الحبكة، والمكون من صالون من نوع (سيغوندو إمبيريو)، أي الإمبراطورية الثانية، وهو صالون أنيق وفاخر فيه سرير زوجية، وقطعة أثاث للتزيين بلا مرآة، وكمودينا، وكرسي هزاز واحد. في حين تبدأ حبكة القصة مع الدوق، وهو يروي قصته، وهي قصة رجل معذب ومرعوب دوماً من حلم يراوده كل ليلة من غير أن يتمكن من التخلص منه.
يحلم بقصة نحات يصنح منحوتات بديعة، يعشقها حد العبادة، وبالتالي لا يبيعها قط من دون أن يأبه بموقف دائنيه الذين يهددونه كي يدفع لهم مستحقاتهم.
وفي محاولة يائسة للانتقام منه، يجبرونه على أن يرى نفسه في المرآة، كي يثبتوا له بأنه مجرد إنسان عادي من لحم ودم، الأمر الذي يثير حفيظته ويدفعه إلى تدمير تماثيله كلها.
من ناحية دوناتا، فإن قلقها وانشغالها الوحيدين يكمن في معرفة ما إذا كان زوجها قد كتب لها رسالة ما لتقرأها ولتشعر بأنها بصحبة شخص ما، لا سيما وأنها لا تطيق الوحدة، ما يتسبب بمشكلات تتعلق بالتعايش والشتائم والتحديات والمواجهات المستمرة مع الدوق، الذي يكرس اليوم بطوله لرعايتها والاعتناء بها ومتابعة أي شيء ينقصها وليس لديه الحق إلا بساعتين يومياً يكون فيهما حر نفسه، وذلك بأوامر من زوجها الزعيم (الباترون).
كما يثير وجودهما في مكان واحد وعزلتهما والتبعية والعناد في نفسية السيدة دوناتا رغبة شرهة لشرب المشروبات الكحولية، بيد أن أوامر الزوج تحظر على الدوق تقديمها لها، فتؤنبه دوناتا الغاضبة وتنهال عليه بالشتائم، وتطلب منه مغادرة المنزل وأن يذهب ليرتمي بين ذراعي خياطتها مارينا الغيورة، والتي يكن لها الدوق مشاعر الحب بحسب ما تعتقده هي.
العلاقة التبعية التي تبدأ بالتطور بينهما واضحة المعالم لا لبس فيها، وعندما تغضب السيدة، يعتذر هو ويبرر لها كل ما تفعله في حين يقبل طوعاً رفض المرأة وإزدراءها له.
في وقت لاحق يتعب ويغتاظ ويستنكر، ما يدفع السيدة إلى أن ترجوه البقاء وألا يتركها وأن يتحادثا وأن يمارسا الحب، تطلب منه كل ذلك تلميحاً وتصريحاً في دائرة مفرغة لا نهاية لها.
لكن حدثاً يطرأ على العرض ويدمغ الحكاية كلها، وذلك عندما تسرق السيدة دوناتا من خادمها الدوق زجاجة من النبيذ وبعض الخبز الذي كان يحتفظ بهما في مكان آمن في أحد الأدراج. وعندما يعلم الدوق بالأمر ينفجر غاضباً في وجهها، وينهال عليها بالشتائم مقسماً لها ومتوعداً بأنه سيغادر المنزل لا محال، فيتحول الوضع وينقلب ويأخذ منحاً عنيفاً، يتعاركان ويتجاذبان ويجبرها على رؤية نفسها في مرآة متخيلة.
هي تقاوم، لا تريد رؤية نفسها على حقيقتها، لا تريد أي مرآة داخل منزلها.. بعد ذلك يبدآن وهما قانطين باحتساء النبيذ بطريقة خشنة وفظة، يرقصان، يصرخان، يتمايلان، يدوران حول نفسيهما ويتدحرجان ويمارسا الحب ويستلقيان معاً أخيراً. في اليوم التالي، يعترف الدوق بحبه لدوناتا، ويقول لها إنه هو من كان قد كتب رسائل الحب التي كانت تتلقاها من طرف زوجها، وأنه لا يعيش إلا من أجل حبها وتوفير الحماية لها، كما يعترف لها بأنه أعمى.
في وقت لاحق، يحاول قتلها، لكنها تقول له إنه إذا ما قتلها، فإنه سيموت معها بكل تأكيد، فتتواصل حالة النقاش والجدل بينهما، وتطمئنه دوناتا وتطلب منه ألا يشغل باله، وأنها ستصطحبه معها في رحلة طويلة للتعرف إلى العالم، وأنها ستكون دليله ومرشده وعينيه اللتين يرى بهما كل ما يحيط به، لكن ومثلما يحدث في أي قصة من هذا النوع يتنهي بهما الأمر وهما يتجادلان من جديد، بعد أن تكون الوعود والعهود قد تبدلت فتقول له إنها ستتركه في الشارع بين السيارات وإن شاحنة ستصدمه هناك وسيموت.
في نهاية الحكاية، يغادر الدوق البيت ودوناتا تخرج في أثره. في تلك اللحظة يصل الزوج، وهو يقول إنه كسب الكثير من المال في لاس فيغاس وإنه أصبح يملك المال اللازم لتسديد ديونه، وعندما لا يتلقى رداً من أحد في المنزل، يبدأ بالهيجان وبالاغتياظ، ويصرخ يائساً على زوجته وعلى الدوق وما من مجيب.
يدرك ما حصل من الفوضى السائدة في المنزل ومن زجاجات النبيذ الفارغة المتناثرة هنا وهناك على الأرض، ومن الصحف المفتوحة والممزقة والمرمية على الأرض أيضاً ومن السرير الوسخ غير المرتب.
لكن ما كان بوسعه أن يفعله هو الانفجار في ثورة غضب، وحينها يصرخ فيهما ويبلغنا بكلمات حانقة أن دوناتا عمياء أيضاً. على حين غرة يسمع ضجيجاً.
فيظهر خمسة من رجال حرب العصابات مسلحين يتوجهون نحوه ويسألونه عما يفعله هناك، وهم يقولون له إن تلك المرأة ليست زوجته، فيرد عليهم بأنهم يرتكبون خطأ وإن زوجته وخادمه بوسعهما توضيح كل شيء، لكنهم يقتلونه.
الحل
القائد يعطي أمراً بأن يطلق رجال حرب العصابات الأربعة النار على الدوق، هو يصرخ كي يوضح خدامه كل شيء، يصوبون بنادقهم نحوه، ينهار ويسقط ميتاً.
القائد يضع البندقية الرشاشة على كتفه، يسير حتى مقدمة المسرح، يمسك بالستارة ويجرها ببطء، ظلام دامس كلي على خشبة المسرح، ما عدا ضوء مسلط على وجه القاتل الذي تطرف عيناه، ويضع إحدى يديه على وجهه في حين تغلق الستارة كلياً.يكتب فوينتيس حول العلاقات المسيطرة في المجتمع، وعن انقسام الطبقات والحقوق والواجبات الخاصة بكل فرد.
وفي هذه الحالة كان الدوق تابعاً بصورة كلية للسيدة دوناتا، التي تفعل ما يطيب لها مع خادمها.
العلاقات الإنسانية
كلمات كارلوس فوينتيس تعني في ما تعنيه تجسيداً لما هي عليه من صعوبة العلاقات الانسانية. التعايش بين شخصين على الأقل يتطلب صراعات لا غنى عنها.
والوضع يتعقد أكثر قليلاً عندما لا يتعلق الأمر بشخصين لا يتمتعان بقدراتهما الإنسانية المتطورة بشكل كامل، في هذه الحالة، العمى، الذي عقد حالة التعايش بين دوناتا والدوق، اللذين يعانيان من عدم قدرتهما على رؤية بعضهما بعضاً، ويعتمدان فقط على بقية حواسهما للتفاعل وتطوير العلاقة في ما بينهما.