(أنا مؤمن بأن الأجيال القادمة ستكون أفضل منا).. هذا ما أكده الشاعر المصري فاروق شوشة، معربا عن ابتهاجه بالثورة التي قادها الشباب المصري، متمنيا أن تنتقل روح الثورة من الميدان إلى سلوكيات المصريين في كل أرجاء الوطن.. لافتا إلى حاجة لغة الضاد إلى ثورة أخرى؛ لتستعيد مكانتها بين أبنائها، مع ضرورة الحد من الاستخدام الغوغائي للمسميات الأجنبية في الشوارع والمتاجر والمؤسسات.. إلى التفاصيل.
كنت أحد الحالمين بثورة تستعيد كرامة الإنسان المصري.. فما الذي تعنيه بالنسبة لك ثورة الخامس والعشرين من يناير؟
- لا أبالغ إن قلت إنها من أهم ثورات مصر وأخطرها وأبعدها أثرًا في تاريخنا الحديث، فهي أول ثورة مصرية تقوم من أجل استعادة عزة الوطن والمواطن وكرامتهما، بعد أن غرقتا في مستنقع الفساد والعار والهوان، لم تعرف مصر في تاريخها كله ثورة ترفع شعارات الحرية والعدل والمساواة.
وترفع معها رؤوس أبنائها إلى عنان السماء كما في ثورة الخامس والعشرين من يناير، والتي أتمنى أن ينتقل صداها من ميدان التحرير إلى جموع الشعب في كل أرجاء الوطن. أتمنى أن تترجم هذه الثورة في سلوكياتنا، في شوارعنا، أسواقنا، في الصعيد والريف، وكل مكان على أرض الوطن.
يقال إن هذه الثورة أحيت لدى المصريين روح الانتماء.. باعتبارك أحد حراس اللغة العربية ما السبيل إلى عودة انتمائنا إلى هذه اللغة التي بدأ الاهتمام بها يتراجع؟
- مسار اللغة العربية هو مسار الإنسان العربي تعلمًا وثقافة، فاللغة في حد ذاتها كائن يعيش لحياة أصحابه، وأصحابه من المبدعين هم الذين يطورونه، فإذا هبط مستواهم هبطت لغتهم، وإذا ارتفعوا وتقدموا في سياق المزاحمة مع اللغات الأخرى وجعلوا لغتهم أكثر قدرة للتعبير عن العصر فهي بلا شك ترتفع..
ولا شك أن الثورة أحيت روح الانتماء لدى المواطن المصري ولدى كل الشعوب العربية المنادية بالحرية، ومن أهم روافد الانتماء والهوية هو اللغة العربية، فأول ما يصحو في وجدان الإنسان إحساسه بالانتماء والهوية، يصلح لغته، ولذلك كان الشعار الرئيسي الذي رفعه الثوار هو (الشعب يريد إسقاط النظام).. فهذه أربع كلمات سليمة نطقها الشباب بالصواب اللغوي.
فلا يمكن أن أهتف وأعلن: أنا وطني وأنا منتمٍ لهذا البلد وأريد حريته وخيره، ويكون تعبيري بلغة مهشمة؛ لذلك فإن المدخل لتعليم اللغة من جديد في العالم العربي، لابد أن يكون مدخلاً ثوريًا وطنيًا مرتبطًا بأن هذه الشعوب تستعيد حريتها وانتماءها وتستعيد لغتها الصحيحة.
باعتبارك أمين عام مجمع اللغة العربية.. ما مسؤوليتكم عن حالة التغريب التي يشهدها الشارع المصري خاصة والعربي عامة؟
- كل ما هو عناوين مكتوبة بلغات أجنبية لمحلات ومؤسسات وفنادق وقرى سياحية، لا يليق ولا يصح أن يكون في مجتمع يحترم هويته العربية، وقد كثرت العناوين وتضاعفت الأسماء الغربية على المتاجر والمحال والشركات بحجة أننا الآن منفتحون على العالم والسوق العالمية ومتطلبات الشركات الأجنبية.
وهناك قانون في مصر منذ عصر عبدالناصر بحظر استخدام الأسماء الغربية على المرافق والمتاجر، إلا أنه لم ينفذ ؛ وهذا يستلزم قرار سيادي من الحكومة، ومن يتحججون بضرورة وجود أسماء أجنبية لتسهل السياحة قلنا إنه من الممكن أن يكتب الاسم الرئيسي باللغة العربية ومن تحته ترجمة بالإنجليزية أو أية لغة أخرى.
وكيف ترى حال ثقافتنا العربية والقائمين عليها؟
لا أبالغ إن قلت إن مأساة ثقافتنا العربية في القائمين عليها، فهم يحفرون لها قبرًا في كل يوم؛ لأنهم لا يحسنون صنع المناخ المواتي للتنفس والتطور، ويتقاسم معهم المسؤولية القائمون على التعليم.. لكنني أتفاءل بالتغييرات التي تشهدها مصر وعدد من دول العالم العربي في أن تستعيد الثقافة العربية مكانتها الآفلة.
في هذا الصدد.. إلى أين وصل شعرك للمتذوق العربي؟
- أعتقد أن أي شعر يكتب في لغة الضاد شأنه أن يثير الاهتمام، خاصة إذا حمل قضايا ومواقف وعبر عن هموم الإنسان العربي المعاصر، وكلما اقتربت من هموم الإنسان كنت أكثر قربًا من حقيقة دور الشعر الفاعل في المجتمع العربي.. والشعر العربي بصفة عامة يمر الآن بمخاض .
كما هو حال الوطن العربي نفسه، وأعتقد أن قادم الأيام سيحمل الجديد والمتميز سواء للشعر أو للعرب. وأنا مؤمن بأن الأجيال القادمة ستكون أفضل منا، وهناك الآن من يكتبون شعرًا جميلاً ومتميزًا وسيبزغ من بينهم أسماء تنافس الشعراء المعروفين جميعًا.
وكيف ترى شعر النثر والشعر العامي.. وهل أضرا بقصيدة الفصحى؟
- شعر العامية هو الوجه الآخر لشعر الفصحى وكلاهما وجه لإبداع شعري حقيقي، أما النثر فهو نص يفتقد الموسيقى، ومن ثم هو بالنسبة لي فاقد التأثير، لكن قد يؤثر في الآخرين.
إذا سألنا عن المرأة في حياة شاعرنا.. ماذا يقول؟
- دائما ما أقول عن نفسي إنني تكونت في رحم امرأة، ثم عشت بعد ذلك في ظل أخوات، ثم صارت لي حبيبة وزوجة وبنات وحفيدات، ومن هنا فالأنوثة في حياتي فكرة دائمة ومتصلة، وبدونها تصبح حياة أي شاعر جافة وعديمة الخصوبة، أما الوطن فنحن مهمومون به منذ نعومة الأظافر، فأنا ابن قرية عانت كثيرًا من مظاهر الفقر والمرض وما زالت تعاني؛ لأن الريف بكل أسف لم يتقدم كما ينبغي أن يكون؛ لذلك أنا مسكون بالمعاناة، مسكون بهذا الشجن الذي هو موجود في وجدان كل مصري نتيجة تراكم طويل للمآسي عبر السنين.
ما وجه الشبه بين الوطن والحبيبة، وهل تؤثر وتتأثر علاقة أي منهما بالآخر؟
- الحبيبة وطن؛ لأنها تجعلك تنتمي وتتعلق بالتراب، وأيضًا الوطن حبيبة؛ لأنك تحبه وعندما تناجيه كأنك تناجي محبوبًا فتتمنى أن يكون سيد الأوطان كما تتمني لحبيبتك أن تكون سيدة المحبوبات.
ربة الشعر لا ترافق إلا من يعشقه ويتقنه، فإلى أي مدى رافقتك؟
- هي موجودة مع كل قصيدة أكتبها، ومن المستحيل أن أكتب إلا إذا كان هناك استعداد لتقبل هذا الإلهام وكتابته في اللغة الملائمة له، وعلى الرغم من أن (ربة الشعر) فكرة خيالية، إلا أننا نتكلم عن اللحظة المواتية التي يسميها البعض (شيطان الشعر) أو (ربة الشعر) أو (لحظة الإلهام)، المهم هو الاستعداد لاستقبال الفعل الشعري.