أجرت صحيفة «غارديان» اللندنية حواراً نادراً مع عملاق كتب الأطفال البريطاني ألان اهلبرغ مع وصول حصيلته من الكتب المصورة والدواوين الشعرية والقصص الموجهة للأطفال إلى 140 كتاباً أبدعها على امتداد خمسة وثلاثين عاماً، حيث أوضح أن الصدفة وحدها هي التي حولته من حفار للقبور إلى مبدع لحكايات الصغار، وأعرب عن اعتقاده أن الكتاب الموجه للأطفال تجربة تتحدى إمكانية الإكمال، وقال إن امنيته أن يواصل انجاز الكتب الموجهة للصغار رغم أعوامه السبعين. وفي ما يلي نص الحوار:
ينفتح الباب الخلفي لدار ألان اهلبرغ الأنيقة على حديقة وأرقة الظلال، ويفضي ممر متعرج في الحديقة إلى سقيفة ليست على القدر نفسه من التألق، ولكن المرء ما إن يخطو إلى داخلها حتى تفتنه جدرانها التي علقت عليها كتابات وصور ورسوم تختزل بامتدادها الهائل تاريخ خمسة وثلاثين عاماً قدم خلالها أكثر من 140 كتابا للأطفال، ابتداء من الكتب إلى دواوين الشعر وصولاً إلى القصص المخصصة لشرائح عمرية مختلفة من الصغار.
وهناك ملاحظات ورسوم وصور عائلية وألعاب قدمية دبت فيها الحياة في القصص والأرفف المليئة بالبروفات وصفحات الإخراج الفني، ويبادر ألان أهلبرغ بالقول: «لو أنني أعوزني الوصول إلى إجابة عن سؤال، فبوسعي أن أقرأ ما هو على الحوائط».
وعلى الرغم من أنه نادراً ما تعوزه الكلمات، إلا أنه يمد يده باستمرار إلى الحوائط للوصول إلى أدلة تدعم ما يقوله وتجسده، فيقرأ أبياتاً من قصيدة ينظمها ليدعم طرفة عن مسقط رأسه، أو يبرز صفحة من رسومات متداخلة لقصته المبكرة «بيبو» التي تعود إلى عام 1981، ليوضح كيف عكف هو وزوجته جانيت على الاشتغال على هذا الكتاب المصور.
ومن بين الكتب التي انجزها الفريق المؤلف من الزوج والزوجة فربما كان «بيبو» أكثرها شعبية بين الصغار، وقد كان ألان اهلبرغ في الثلاثين من عمره آنذاك، وقد تحول «بيبو» إلى كتاب كلاسيكي للأطفال الصغار في الشرائح الأولى من العمر، وذلك لأنه يضم نصا بسيطاً وإيقاعيا إلى حوار رسوم وفيرة عن حياة الصغار في الأربعينات من القرن الماضي.
ويقول ألان اهلبرغ وهو يستخرج نسخة ذات غلاف مقوي من كتاب «كتالوغ متاجر البحرية والجيش 1939 ــ 1940» مستعيداً ذكريات الماضي: «في الأيام السابقة لاختراع الكمبيوتر، كانت جانيت إذا أرادت رؤية شكل إبريق أو مكواة أسطوانية أو عصارة، فإن بمقدورها مراجعته في هذا الكتاب، وقد كانت تحبه، وتعكف على تأمله لوقت طويل، متطلعة إلى الأباريق وسخانات الخبز».
ويلاحظ أن الحرب، التي لم يرد ذكرها صراحة في النصف قط، يشار إليها بخفة في الصور التي أبدعتها جانيت، حيث نلمح مبنى قصف بالقنابل في البعيد، أو صندوق قناع واق من الغازات يتدلى من طرف أحد أركان سرير، أو الشجن الذي يهيمن على الأب الذي يرتدي زياً عسكرياً فيما هو يقبل وليده قبلة المساء في نهاية القصة.
وبالنسبة لأهلبرغ فإن هذا التوازن بين الكلمات والصور هو على وجه الدقة جوهر الكتاب المصور. وهو يقول في هذا الصدد: «عندما أعكف على تأليف كتاب مصور، فإنني أحدث نفسي تلقائيا: لست بحاجة إلى أن أقول ذلك، لأن الصورة ستقوله، أو سأقول هذا والصورة ستقول ذاك، وهو ما يناقضه».
وهو يشبه نص الكتب المصورة بكلمات الأغاني، التي نادراً ما تكون بمفردها في الصفحة كقصائد. ويقول في هذا الصدد: «إن ما يبدعه بوب ديلان رائع، ولكنك تحتاج حقاً إلى سماعه يغني، تحتاج إلى الموسيقى. وبعضها يظل رائعاً على الصفحة وحده، ولكنه يفتقر إلى شيء ما».
وهذا وصف لأسلوب غير استعراضي للكتابة يعكس تواضع أهلبرغ فيما يتعلق بمواهبه. وهو يقول في هذا الصدد: «إنني بعيد تماماً عن أن أكون أفضل كاتب في العالم، وزوجتي جانيت كانت جيدة للغاية، ولكنها لم تكن أعظم مصورة في العالم أيضاً. ولكننا كنا توأما، بمعنى أننا كلينا أردنا أن تكون كتبنا جيدة. وهكذا فإن الأمر يبدو كما لو أننا أخذنا موهبتي المتواضعة وأخذنا موهبة جانيت المتواضعة وصببناهما في كتاب يضم 32 صفحة».
وبينما يمكن لأهلبرغ الآن أن يحدد مكونات الكتاب المصور الناجح، فإنه لم يخطر بباله وببال زوجته جانيت أن كتابهما «بيبو» سيحقق النجاح الذي أحرزه، فقد كانا أكثر انشغالاً بكتابهما التالي وبإطلاق الأفكار وكتابة المسودات للكتب العديدة التي جعلتهما مشهورين اليوم.
وهو يذهب إلى القول إنه ليست هناك مشروعات تخطيطية، ويوضح ما يعنيه في هذا الشأن: «لا يمكنك عادة بناء بيت من دون قيام مهندس معماري بإنجاز رسوم هندسية، فهناك قصد قبل وجود المبنى. ولكن الكتب تنجز مثل القلاع الرملية، فأنت تضيف المادة وتمحوها وتغيرها، وفي حقيقة الأمر فإنك لا تكون أولاً على علم بأنك تبني قلعة، وإنما تظن أنك عاكف على بناء مرآب، أو أنك بسبيلك إلى أن يكون لديك كهف، وبدلاً من ذلك فإنه يتحول إلى حديقة مليئة بالقواقع.
ويتذكر أهلبرغ في غمار حديثه عن طفولته: «في تلك الأيام كان معظم الناس يضربون صغارهم. وكان يقال لك إنه عندما يصل أبوك إلى الدار، فإنك ستضرب بالحزام. وكان معظم المدرسين يضربون الصغار بالعصي».
نشأ ألان أهلبرغ في دار لا تضم إلا عدداً محدوداً من الكتب، ولذا فقد اشترك في ثلاث مكتبات، لكي يتمكن من الحصول على دزينة من الكتب في وقت واحد، ولكن على الرغم من أنه قد حلم بأن يصبح كاتبا: «لم يكن بمقدوري أن أكمل جملة، دع جانباً أن أكمل صفحة. وأتذكر أنني قرأت عندما كنت شاباً كتاب (العودة إلى زيارة برايدزهيد) وحدثت نفسي: يا إلهي، لا يمكننني أن أكون كاتباً لأن الكتاب مليء بأوصاف الأشجار والزهور، وأنا لا أعرف أسماء أي منها».
لا يتذكر أهلبرغ أسماء الكثير من الأشجار أو الزهور في أولدبري، التي يصفها بأنها «هذا المكان القذر، الوضيع»، المليء بالمصانع والدخان، وسكانه «بيض كالفطر» بسبب طبقة الدخان والضباب التي تهيمن على المدينة، والتي تحول بينهم وبين الشمس. ومع ذلك فإنها تأخذ بتلابيب الكاتب، فنصف كتبه منذ «بيبو» حتى الكتاب الحالي الذي يعكف على انجازه تقع أحداثها فيها، وهو يقول عنها: «أولدبري هي الرقعة الوحيدة من الأرض التي تحظى بجاذبية عاطفية بالنسبة لي».
وقد التحق الكاتب بمدرسة القواعد المحلية في أولدبري، ولكنه تركها وهو في السابعة عشرة من عمره، بعد أن حصل على درجتي تفوق في العلوم. وتركته وظيفة مساعد باحث كيميائي في فورت دنلوب وقد عقد العزم على ألا يرتدي بدلة وألا يعمل في مكتب.
وأعقبت ذلك ثلاث سنوات من الخدمة العسكرية، من بينها سنة إضافية لأنك تحصل على ثلاثة جنيهات في الأسبوع بدلاً من 21 شلناً، الأمر الذي كان معناه أن بمقدوره أن يبعث ببعض المال إلى أمه، التي كانت بحلول ذلك الوقت قد أصبحت أرملة، ثم التحق بسلسلـــة مــن الأعمـــال من بينهـــا العمـــل سباكاً ورجل بريد.
كان في الثانية والعشرين من عمره ويعمل حفاراً للقبور عندما أتيح له ما يصفه بأنه «ثاني ضربة خط كبرى في عمره»، فقد اكتشف رئيسه في العمل الذي يشغل منصب رئيس حدائق أولدبري ومقابرها أن الشاب الهادئ الذي عينه حفاراً للقبور كان قد ترك المدرسة بعد أن وصل إلى مستوى ما يعادل الثانوية العامة، ويقول أهلبرغ:
«جاء إلى المقبرة ذات يوم، ووقف فوق القبر الذي كنت أحفره، وأبلغني بأنه قد خلص إلى أنني ينبغي أن أصبح مدرساً، ولم أعتقد أنها كانت فكرة رائعة للغاية، وكنت خجولاً، ووجدت أنه مما يثير الحرج أن أشتري بطاقة لركوب الحافلة، ولكنه دفعني إلى ارتداء بدلتي والاغتسال وحلاقة شعري، واصطحبني إلى مدرسة أو مدرستين، لمجرد الزيارة وتجربة الشعور بالوجود هناك. وكان الأمر عظيماً، وفي تلك الأيام كان بمقدورك أن تذهب إلى مدرســة وتصبح مدرســاً بالفعــــل من دون مؤهـــلات على الإطلاق».
اكتشف أهلبرغ أنه مدرس بالفطرة، ولم يحب التدريس فحسب، وإنما قاده إلى ثالث أكبر ضربة خط في حياته، عندما التحق بكلية لتدريب المدرسين في سوندرلاند، والتقى بالفتاة التي ستصبح زوجته، والتي تدعى جانيت وتزوجا في عام 1969، وانقضت سنوات قلائل كان خلالها لا يزال يعمل بالتدريس، بينما ضاقت جانيت ذرعاً بالعمل على كتب تدور حول أمور عملية، ثم طلبت منه ذات يوم أن يؤلف كتابا تقوم هي بإنجاز رسومه. ويقول أهلبرغ: «كان الأمر على هذا النحو، فقد بدا كما لو أنها أدارت مفتاحاً في ظهري فانطلقت أعمل في التو».
لم يبادر الناشرون إلى الترحيب بأعمالهما على وجه السرعة، وفي البداية تراكمت اخطارات رفض كتبهما، ومع ذلك فإنهما لم يستسلما لليأس، وواصلا إرسال قصصهما ورسوماتهما إلى الناشرين.
وفي هذا الصدد يقول أهلبرغ: «كان الأمر كما لو كنا في جزيرة صحراوية نضع الرسائل في زجاجات ونرسلها مع المد بعيداً». ولكن فيما كانا يوشكان على الافلاس، قبلت ثلاث دور نشر ثلاثة من كتبهما هي «جاك اللص» و«اختفاء توماس توك» و«كتاب النكتة القديمة».
جاء بعد ذلك بوقت قصير كتاب «كل خوخة على الشاطئ» الذي نالت عنه جانيت ميدالية كيت غرينواي في عام 1978، وأنجبا ابنتهما جيسكا في عام 1980، الأمر الذي كان بالنسبة لهما مصدراً لمزيد من الالهام. ولما وجدا أن ابنتهما مولعة بكتالوج موذركير، فقد قررا أن يقدما ما يتفوق عليه، وهكذا أنجزا في عام 1982 كتابهما «كتالوج الطفل الوليد»، وأعقبته خمسة كتب موجهة إلى هذه المرحلة العمرية.
وألهمهما ولع جيسكا بكل ما يتعلق بالبريد واستخراجها الرسائل من المظاريف أن يقدما كتابهما «ساعي البريد الجميل» الذي يعد من أكثر كتبهما رواجاً وتقدما من الناحية الفنية، مع إدراج مظاريف فعلية داخل الكتاب تحتوي على رسائل وبطاقات بريد.
خاطب كتاب «ساعي البريد الجميل» اهتمام الزوجين المشترك بآليات ابداع الكتب المصورة، بما في ذلك إشرافهما على عمال الطباعة في الساعة السادسة صباحاً في مطبعة بيكلز في سافولك لضمان أن الألوان ستكون سليمة.
كان «عمل الكتب» هو الذي أنقذ أهلبرغ في عام 1964 بعد وفاة جانيت بالسرطان وهي في الخمسين من عمرها، تاركة إياه مع جيسكا، التي كانت آنذاك في الخامسة عشرة من عمرها.
غرق أهلبرغ في موجة من الحزن المرير، غير أنه أدرك أنه يريد أن يؤلف كتاباً تخليداً لذكرى زوجته، وكان الكتاب الذي رأى النور وحمل عنوان «كتاب جانيت الأخير» عملاً من أعمال الغريزة أكثر مما هو علاج واع. كان «مباراة مصارعة قوامها محاولة جعله يأخذني من الحزن. فالكتابة عن شيء هي ابتعاد عنه».
كان من بين المتعاونين معه بانتظام بروس إنجمان الذي أبدع مع كتابه الكلاسيكي «قلم الرصاص» وأندريه أمستوتز وفريتز فيجنر، الذين قدموا رسومات العديد من الكتب في سلاسل «العائلات السعيدة» التي أبدعها أهلبرغ. وعمل كذلك مع ريموند بريغز، فقدما «مغامرات بيرت» في 2001. ويتمتع الصديقان بعلاقة تقوم على الدعابة، والنكات المتبادلة.
الآن وفيما يوغل اهلبرغ في السبعينات من العمر فإنه لايزال يعبر الحديقة إلى سقيفته ليكتب في معظم الأيام. وهو يقول: «إنني مثل صنبور يتقاطر منه الماء، وفيما أوغل في العمر فإن التقاطر يصبح أبطأ، ولكنني لازلت ألجأ إلى السقيفة. وأنا أقل في نفاد الصبر، بحيث أمضي ساعة وراء الأخرى عاكفاً على التأليف. ولست أكترث الآن إذا استغرقت عامين في نظم عدد محدود من القصائد القصيرة».
وتعد هذه العبارة تجسيداً للأسلوب الذي يتبعه اهلبرغ في إبداء تواضعه، فلديه ما يتجاوز بكثير عددا محدودا من القصائد القصيرة يعكف على انجازها، وهناك كتاب يوشك على الانتهاء منه بالاشتراك مع انجمان، يحمل عنوان «مرحباً بالخبز»، وستصدر في العام المقبل كتاباته الشعرية والنثرية عن نشأته في الأربعينات من القرن الماضي، وقد عكف كذلك على الاشتغال على كتاب عن الحكايات الخرافية بعنوان «تنويعات على غولديلوك» بالاشتراك مع ابنته جيسكا التي أصبحت رسامة الآن.
وهو يعتقد أنه قد ورث سهولة التعامل مع الكلمات من أبويه الطبيعيين، وهو يقول في هذا الصدد: «إذا كنت أستطيع الكتابة، فلابد أن ذلك جاء من أمي أو أبي أو من أبويهما. وقد كان والد جانيت رساماً رائعاً، وكانت أمها فنانة متميزة كذلك».
الآن يبدو أن ابنتهما جيسكا قد ورثت موهبة العائلة، ويقول أهلبرغ بفخر: «إنها مصورة المصورين» وهو يشير إلى نماذج من صورها الرقيقة التي ستشكل رسومات كتاب آخر يتضمن أجزاء متحركة.