عاش الكاتب ايفان تورجنيف معظم حياته في فرنسا، لذلك لم يفكر في امتلاك منزل في بلده الأصلي روسيا، وكان مولعا وحالما بأن يشيد منزلا من الخشب الوردي، فحقق أمنيته في إحدى ضواحي باريس، حيث لا يزال بيته شاخصا كفنارة تضيء الحي بكامله.

 

وتعود «فيلا فياردو»، التي تلوح بنوافذها وسقفها الخشبي من بين الأشجار إلى القرن الثامن عشر، في ذلك الوقت وإلى غاية 1813 كان البيت ملكية تعود لعائلة ميسمز، بعدها اقتنتها الإمبراطورة جوزيفين|، وكانت تريد توسيع ملكيتها المجاورة للبيت الذي يدعى مالميزون. حين اشترى صانع العطر بوردوني هذا الميدان.

فيما بعد شيد بيتا على النمط الايطالي، طبقا لموضة ذلك القرن. في سنة 1874 أقدم الكاتب الروسي ايفان تورجينيف على اقتناء البيت برفقة بولين فياردو مغنية الأوبرا، وأفتتح بيت تورجنيف -الذي قضى معظم حياته في فرنسا أمام الزوار سنة 1983 (السنة التي صادفت الذكرى المئوية لوفاته).

 

غرف تعج بالذكريات

البيت هو مزيج من نمط بناء الشاليه السويسري ومن الداتشا الروسية، ويحتوي على أربع غرف تعج بذكريات وكتب ثمينة ولوحات وأدوات تروي تاريخ عائلة فياردو وعائلة الكاتب الروسي تورجنيف. كما أن الغرف جميعها تحكي حياة الكاتب في كل جوانبها: غرفة الطعام خاصة تحكي حياة الكاتب وانجازاته الأدبية وعلاقاته بالكتاب الآخرين وشعراء جيله.

حيث كان يلتقي بهم ويتناقشون و يتسامرون. وكان يحلو للكاتب أن يسقي أصدقاءه من السامور الذي جلبه معه من موسكو، وبما أنه اعتاد على اللقاء في الصالونات الأدبية الزاخرة آنذاك، فكان ذلك طقساً يحرص عليه لكي يضفي الحميمية على تلك اللقاءات. وقد ولد ايفان تورجنيف في العام 1818 على بعد 300 كيلومتر جنوب موسكو. كان والده ضابطا في فرق الخيالة، أما أمه فكانت وريثة غنية.

وتملك في ذلك الوقت أكثر من 10 قرى، وهي تحكم من فيها أي نحو 5000 رق - عبيد أرض - (لم يكن كل من النساء والأطفال ضمن العدد لأنهم كانوا يعدون آنذاك أقل من العبيد ولم يكن يعدون كبشر)، وقد تأثرت طفولة ايفان وإخوانه نيكولاس وسيرج باستبداد أمه وطغيانها الذي كانت تتعامل به مع الرقيق.

كما تأثر ايفان كثيرا بهذا الظلم والعبودية وظهر ذلك جليا في أعماله في ما بعد. وتعلم ايفان في موسكو ثم في سان بيترسبورغ، حيث استقرت عائلته منذ 1834. في العشرين من عمره ذهب ليكمل دراسته في برلين حيث تواصل مع مجموعة من الشباب الروس المفكرين.

وكانوا يناقشون أعمال هيغل ويعتبرونه أبوهم الروحي الفيلسوف والشاعر يتانكيفيتش، الذي كان إلى جانب غرانوفسكي وباكونين أهم من تأثر بهم الكاتب في تلك الفترة. وكان تورجنيف يعتبر كل من بوشكين وليرمونوف أساتذته حيث قام بترجمة رسائل بوشكين إلى الفرنسية بمساعدة فلوبير.

 

أحاديث البيت

كان تورجونييف يتحدث كثيرا عن بيته الخشبي «الشاليه»، وكتب لفلوبير سنة 1874 يقول:(هذه المناظر جميلة جداً، إنها بيوت وأشجار تنعكس على سطح البحيرة كأنها حقا عش حب، كم أتمنى لو كنت شابا في العشرين من عمري). وقد كان في الخمسين من عمره حين انتقل للعيش في بوجيفال فوق تل وسط الغابة، فاقتناه وقرر بناء بيته هناك. وقد كانت عشيقته سيدة متزوجة تسكن في البيت ذاته في الطابق السفلي ولم تكن تلك العشيقة سوى مغنية الأوبرا بولين فياردو التي كانت تسكن مع زوجها.

والغريب في الأمر أن الكاتب كان على علاقة بتلك المغنية بعلم زوجها لوي فياردو، وهو المدير الأسبق للمسرح الايطالي في باريس. ودامت علاقة الحب التي جمعت الكاتب الروسي ومغنية الأوبرا المتزوجة نحو 40 سنة أحب خلالها بولين، وكان يرافقها في أسفارها ورحلاتها. وكانت بولين فياردو امرأة بشعة جدا واستحقت لقب جورج صاند (البشعة المحبوبة)، حيث كان يعشقها الكثير من الشخصيات المعروفة منهم ابن جورج صاند نفسه.

 

الفيلا البيضاء

في 5 نوفمبر 1874 اقتنى تورجنيف مع بولين 8 هكتار من الأرض في بوجيفال، وأطلقوا عليها من بعد اسم «لي فرين» فشيدا فيها فيلا بيضاء اللون سنة 1830. استقر الثلاثي الغريب في ذلك البيت وصمموا فيه صالونا خاصا بالموسيقى. أما الكاتب والزوج فكانا يعملان سويا في ترجمة أعمال بوشكين وغوغول، و كانت بولين تتكلف بسهراتها وفي الوقت نفسه تتكلف بتربية البنت غير الشرعية لتورجنيف أيام شبابه، حين جمعته علاقة عابرة بخياطة فقيرة في روسيا.

في سنة 1875 ترك تورجنيف بولين وزوجها ليسكن بمفرده في بيت يقع على مرتفع على بعد 40 مترا من بيت بولين وزوجها، فاستقر في شاليه خاص، والسبب أن الفيلا البيضاء متداعية وتحتاج لأشغال ترميم كبيرة أما شاليه الكاتب، فقد تم ترميمه واستردت حجارته الوردية وألواحه الخشبية رونقها وكذلك الشرفتين التي تنفتح على بانوراما من الأشجار والمرتفعات.

وفي الطابق الأول توجد مكتبة الكاتب بكتبها الغنية والمتنوعة. كما يوجد في غرفة الموسيقى البيانو القديم، الذي قيل أن الموسيقي الشهير براهمز عزف عليه مقطوعة ذات يوم، أما في الطابق العلوي فتوجد غرفة النوم الخضراء للكاتب والتي أعيد ترميمها استناداً لرسوم الفنانة كلودي شامور فياردو بنت بولين، والتي رسمت بورتريهات للكاتب في أواخر حياته.

وفي مقابل تلك الغرفة توجد غرفة عمل الكاتب، وتضم مكتبة ضخمة تعود لنابليون الثالث، وهي من الخشب الأسود، وصفت عليها كتب نادرة مثل الطبعة الأخيرة من رواية (الأراضي العذراء) و(الشعر النثري) وترجمات فلوبير إلى الروسية وكثير من الرسائل وكتب نادرة أخرى.

 

مباهج الريف

فقد تورجنيف أباه عام (1834) عندما كان في السادسة عشرة من العمر، وكان أبوه شخصا أنيقا مسلوب الإرادة، أما والدته فقد كانت امرأة ثرية قاسية ولها ازدواجية في التعامل مع أولادها وعبيدها على السواء فمرة تعذبهم ومرة تطلق لهم العنان، وقد نشأ أولادها في هذا الجو الطاغي يدللون مرة ويعذبون أخرى، وكان تورجنيف أحب إخوته إلى أمه ولكنه كان متأرجحا بين الحقيقة والخيال، ووظل متعثراً في حياته الواقعية طوال عمره بالرغم انه نال نجاحا في الأجواء الرومانسية. أكمل تورجنيف دراسته في أوربا الغربية كما هو عهد أبناء الطبقة الراقية في روسيا، أما حياته العاطفية فقد بدأها بحب استمر معه حتى آخر لحظة من عمره. وكانت علاقة محرمة مع حبيبتــــه بولين فيـــاردوت المتزوجة.

والذي كانت تربطه بزوجها علاقة صداقة وعملا سويا، واكتشفا أمـــورا وهوايــات كثيرة تجمعهما ومنها الاهتمـــام بالأدب والكتابــة والصيد . وكتب تورجنيف رواية بعنوان (اكتشاف الرجل الرياضي) وهي رواية تزخر بالشخصيات المختلفة كالفلاحين والصيادين، وضمن في هذه الرواية ذكرياته الشاعرية الشابة التي ربطته ببولين، كما أبدع في إظهار مباهج الريف ومزاياه وناسه الذين يسرحون في تجوالهم بعيداً. لقد ورث تورجنيف بعضا من خصال أمه.. فارتبطت الإنسانية عنده من خلال علاقته بأمه على غرار هاملت ودون كيشوت. وقد عرض فكرته هذه في العديد من القصص القصيرة مثل (الدخان) و(الآباء والبنون) و(بيت الناس الطيبين).

وكانت تصرفات تورجنيف الدون كيشويته تدفعه لان يساعد من حوله كمساعدته لديستوفسكي في دفع ديونه المتراكمة بسبب القمار ورعايته للأطفال غير الشرعيين كأب لهم . أما عواطفه التي كانت زاخرة بالحب فقد كانت لبولين فقط. ومن أروع روايات تورجنيف روايته (الآباء والبنون) وبعد أن انتهى من كتابتها حملها إلى تولستوي لكي يطلع عليها. اتهم المحافظون تورجنيف في روايته هذه بتأييده لأعداء النظام والقانون والأسوأ من ذلك ازداد الاستياء من أسلوب تورجنيف الغربي حتى وجد نفسه مهجورا بقي تورجنيف على علاقته ببولين حتى بعد أن غطى الشيب رأسه وانحنت قامته.

فلقــد تعلم تورجنيف من ثقافة أوروبـــا وعاش اغلب حياته في الخارج وهذا ما أثار حنق أقرانه من الأدباء في ذلك العصر، فقد رأوا أن مؤلفاً نجــــح في كتابة روايـــة رائعـــة مثل (الآباء والبنون) و(عند المســاء) كان يجب أن تكون علاقته وارتباطه بوطنه أكثر عمقا. وعلى الرغم من ذلك فقد كتب عنه بريشت قائلا: (كان تورجنيف يحمل في طياته روحا روسية عريقة لا تمحى بسهولـــة). فالكاتب لا يفقد روحه الأصيلة بابتعاده عن وطنـــه. وقد لازم الكاتب الروسي منزله خلال أيامه الأخيرة إلى أن وافته المنية.