من وقت لآخر، تفاجئنا أميركا اللاتينية بمزيد من الدهشة، وتجعلنا نكن لها مزيدا من الحب والتقدير في ميادين شتى من الحياة، وفي مقدمتها ميدان الإبداع، بدءا بموسيقى الـ(سالسا) والـ(تشا تشا تشا) والـ(ميرينغي) والـ(تانغو)، مرورا بواقعية أدبها الساحرة وكرة القدم، وصولا إلى نموذجها الخاص من كتاب القصص البوليسية، الذي يجسده الكاتب والباحث والأكاديمي الأرجنتيني ريكاردو بيغليا.

 

كما جرت العادة، تحتفي أميركا اللاتينية بمبدعيها على طريقتها الخاصة، وتكرمهم بحفاوة بالغة لها سياقاتها الطبيعية المنسجمة مع عفوية أسلوب حياة شعوب هذه المنطقة من العالم، الأمر الذي يقف ربما وراء سهولة بناء لغة مشتركة مع بقية شعوب العالم.

لكن لو لم يفز الكاتب الأرجنتيني ريكاردو بيغليا عن روايته (الأبيض الليلي) بالدورة الثامنة عشرة من جائزة رومولو غايغو، التي تعد أرفع جائزة أدبية في أميركا اللاتينية، والتي تم الإعلان عن الفائز بها لهذا العام أخيرا في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، لما عرف العالم بوجود شارلوك هولمز أميركيا لاتينيا، يتمتع بمقدرات خارقة على تركيب وتفكيك الدسائس والمؤامرات.

بين (الأبيض الليلي)، الرواية الأخيرة لريكاردو بيغليا، و(المال المحروق)، روايته السابقة، مرت 13 عاما فقط، وهي فترة انتظار مماثلة لأخرى كانت قد أعطت ثمارا جيدة جدا للكاتب المولود في أدروغي في محافظة بوينوس أيريس، والذي انطلق إلى عالم الشهرة بفضل رواية أخرى تحمل عنوان (التنفس الاصطناعي)، التي كان لها صدى طيب في الأوساط النقدية.

يضاف إليها تقديرات عديدة تتوج اليوم بجائزة رومولو غاييغوس، التي وصفت لجنة تحكيمها بيغيلا بأنه مبدع (عرف بنبوغه العظيم في بناء حبكة القصة في عالم خلاب، وبملاحظته الصارمة للأحداث والشخصيات، وكذلك بنقاء لغته وبالحكمة الأدبية التي تسمح بأسر القارئ، وبالحفاظ على نوع من التوتر الحميد في الحكاية).

 

نوع من السيرة الذاتية

حول (الأبيض الليلي)، التي تنتمي إلى جنس الرواية البوليسية بامتياز، وتقدم نموذجا جديدا ناجحا من كتاب هذا الجنس الأدبي الشائك،، كان بيغليا قد قال في حوار مع الملحق الثقافي لصحيفة (كلارين) الأرجنتينية إن مضمون روايته هذه يتعلق بنوع من السيرة الذاتية.

حيث يقول إنها (جزء من تاريخ عائلة والدي، فقد كان جدي قد ذهب إلى الحرب فعليا، وكان مسؤولا عن محطة للسكك الحديد في بلدة شيدت حول تلك المحطة. وكان أحد أولاد عمومتي، الذي عرفته صغيرا، وكان يصنع لي ألعابا ميكانيكية رائعة، يملك مصنعا تعرض لسلسلة من الكوارث والمآسي. والرواية تبني نفسها، انطلاقا من تلك الشخصية، لوكا، المهمة بالنسبة لي من حيث أنها تمتلك تاريخا ملحميا تقريبا. ومن ثم تبدأ بنسج نفسها تلك الدسائس والمؤامرات التي تحوم حول البلدة، التي لا يذكر اسمها في الرواية مطلقا، لكن ذكريات الطفولة في بوليفار لا تزال عالقة في ذهني).

بفضل( الأبيض الليلي)، كان بيغليا قد حصل كذلك على الجائزة الوطنية للنقد 2011 فئة الرواية، وبحصوله على جائزة رومولو غاييغوس ينضم إلى قائمة مختارة من الفائزين بها من بينهم المكسيكيان كارلوس فوينتيس وإلينا بونياتوسكا، والبيروفي ماريو فارغاس لوسا، والكولوبي صاحب نوبل غابرييل غارسيا ماركيز والأرجنتينيان آبل بوسي وميبو جياردينيلي.

 

تغير جذري

بدأت حياة ريكاردو بيغليا، الذي يلقب في الأوساط الثقافية بالواشي وكاشف الحقائق، في لحظة حرجة من عمر بلاده الأرجنتين، وذلك عندما قرر والده الطبيب والناشط السياسي الذي كان من أنصار بيرون والملاحق سياسيا في نهاية خمسينيات القرن الماضي مغادرة مسقط رأسه في منطقة أدورغيه، الواقعة في ضواحي بوينوس أيريس والرحيل إلى مدينة (مار دي بلاتا) الساحلية.

وكان لذلك التغيير الجذري في حياة العائلة تأثيرا على العائلة عموما، وخصوصا على ريكاردو، ذلك الصبي الذي لم يكن ملتزما كما يجب بدراسته في المدرسة، لأنه كان يفضل الرقص وكرة القدم والبلياردو، والذي وجد نفسه بين ليلة وضحاها وحيدا بلا أصدقاء وبدون حارة وبدون أبناء عمومة وبدون عالمه. وهكذا جلس حزينا في إحدى الغرف الباردة للمنزل الجديد وبدأ يكتب، على سبيل الدفاع عن النفس والهجوم على شيء ما كان قد أدركه بعد، في يومياته تحت عنوان (3 مارس 1957) والتي تبدأ بعبارة (سنرحل بع

د غد)، صحيح أن تلك الكلمات البسيطة لم تكن بداية مشواره في عالم الكتابة، لكنها شكلت، بلا شك، الأثر الأول، أو الخطوة الأولى في حياته بصفته كاتبا. وفي نهاية الستينيات، سافر ريكاردو إلى مدينة أرجنتينية أخرى تدعى (تورين)، التي انتحر فيها شخص يدعى سيساري بافيسي، واكتشف بعد تسجيل ذلك السطر الأخير من مذكراته (كفى كلمات، إشارة، لن أكتب بعد)، أن بافيسي كان قد بقي أسبوعا آخر وهو على قيد الحياة، فكتب قصته (سمكة متجمدة) التي يتضمنها كتابه (الغزو) ويقول فيها:

(كل شيء كان مقررا، ومع ذلك، فقد أمضى بافيسي أسبوعا آخر قبل أن يقتل نفسه، فعاش حتى تلك اللحظة ثمانية أيام إضافية، رغم أنه كان يعتبر نفسه ميتا، والمحكوم عليه بالموت، الميت الحي، كم من الوقت بوسعه البقاء على قيد الحياة بلا حركة، في مشهد هو أقرب إلى السمكة المتجمدة بالعيون المتيقظة خلف البياض الشفاف، والشلل الكلي). تلك اللحظة مهدت الطريق أمام بيغليا ليصبح اليوم أحد أهم كتاب أميركا اللاتينية، وأستاذ الأدب الأميركي اللاتيني في جامعة برنستون، ومؤلف لثلاث مجموعات قصصية، وخمسة أبحاث وأربعة روايات ومسلسل.

 

القصص الأولى

في (مار دي بلاتا)، بدأ يكتب قصصه الأولى، حيث كان يذهب إلى نادي يضم حانة تفتح طوال الليل، وكان يتردد عليها صحافيون وأشخاص يعملون في الإذاعة وفي نادي السينما.

صحيح أن بيلغيا كان مهتما بالقراءة قبل أن يصبح أحد رواد ذلك النادي، إلا أنه تعلم هناك كل شيء تقريبا، بفضل شخص آخر غريب عن المنطقة مثله لم يكن له ماض وكان اسمه ستيف ريتليف، وهو الشخص الذي دخل معه لأول مرة في حوار حول وليام فوكنر، وهنري جيمس ، وسكوت فتزجيرالد وكذلك عن ألبير كامو.

رغم عدم رضى والده، عمل ريكاردو موزعا للبريد في مدينة (لا بلاتا)، التي درس فيها التاريخ وأنهى دراسته في خمس سنوات، نشر خلالها أبحاثا وقصصا في المجلات. وفي عام 1965، رحل إلى بوينوس أيريس، حيث قدم له الناشر خورخي ألفاريس عملا.

وعينه مديرا لمجموعة من الكتب الكلاسيكية والبوليسية، وفي عام 1967، نشر كتابه الأول (الغزو)، الذي يتضمن عشر قصص تغص بالحبكات والمؤامرات والدسائس ومسارح الأحداث والشخصيات التي راحت منذ ذلك العمل تتسلل إلى كامل أعماله، أدب التاريخ، البيرونية، الصحافة، المثلية، االسحاقيات والخيانة طبعا، كلها مظاهر حاضرة بجرعات متفاوتة في قصص مثل (المقلاع)، و(محاضر المحاكمة)، و(صديقي).

في القصة التي تعطي عنوانا للكتاب (الغزو)، يظهر لأول مرة في أعماله اسم غيميليو رينزي، الصحافي الطامح لأن يكون كاتبا، والذي يلعب دور الناظم ويظهر في قصص كثيرة له وفي جميع رواياته تقريبا.

وقبل أن تلقي الدكتاتورية بظلال قاتمة على الأرجنتين استمرت حتى عام 1982، نشر ريكاردو في عام 1975 مجموعة قصصية أخرى تحت عنوان (الاسم مزور)، وأتبعها برواية (التنفس الصناعي)، التي كان من شأنها أن تغير كل شيء.

حيث جاء تأثير الكتاب على الفور، فيما انطوى ذلك التأثير على بشارة بولادة كاتب أساسي لا يستقيم المشهد الثقافي في الأرجنتين وأميركا اللاتينية بدونه، في حين نشر بعد ذلك العديد من الكتب التي لا تقل شأنا عن (التنفس الاصطناعي) مثل (النقد والأدب)، 1986، و(الضغط الخالد)، 1988، و(المدينة الغائبة)، 1992، و(الأرجنتين المتشظية) 1993.

وهي عبارة عن مجموعة من الأبحاث، التي نشر بعدها عام 1995 مجموعة قصصية مهمة تحت عنوان (قصص أخلاقية) تبعها عام 1997 برواية (المال المحروق)، و(أشكال وجيزة)، 1999، و(قاموس رواية ماسيدونيو فرنانديز)، 2000، و(القارئ الأخير)،2005، لكن بيغليا لم ينشر في واقع الأمر أي رواية منذ صدور(المال المحروق) حتى اللحظة.

 

مكانة خاصة

لرواية (الأبيض الليلي) مكانة خاصة في قلب ريكاردو بيغليا، الذي راح يذكرها طوال العقد الأخير من الزمن في عدة حوارات ولقاءات كان يشير فيها دائما لهذا العمل المفصلي في مسيرته الابداعية، حيث اعتاد الكاتب بالإضافة إلى لغزل بالصحيفة التي بدأ الكتابة فيها ذاك المساء من عام 1957.

ولم يتركها منذ ذلك الحين، على ذكر تلك الرواية، التي يقول أحيانا أن أحداثها تجري في سنة 1982، سنة حرب جزر المالفينس، بينما يقول في أحيان أخرى إنها تروي حكاية إيميليو رينزي، الذي يتعرض إلى أزمة ويحبس نفسه في بيت في أدروغيه، ويعيد قراءة يومياته، ويستهل علاقة مع جارته. لكن (الأبيض الليلي) ليست شيئا من كل ذلك فحسب، وإنما هي قصة رجل وعائلته أيضا، أما مجرياتها فلا تحدث سنة 1982 وإنما 1972، ومسرح أحداثها ليس تخوم الأرض المتجمدة، وإنما قرية سهبية بصباحات مشمسة ومساءات ناعسة.