الروائي بهاء طاهر واحد من الأدباء المصريين الذين ساندوا ثورة ‬25 يناير بدون تردد ومنذ اللحظات الأولى لتفجر الثورة، حيث أعلن رفضه لجائزة مبارك قبل أن يتنحى الرئيس المصري عن السلطة. (مسارات) التقت بهاء طاهر في القاهرة على هامش حفل توقيع لكتبه، وحاورته حول المشهد الثوري الذي يمر به العالم العربي الآن وتداعيات هذا المشهد

وعن دور الاعلام أكد طاهر أن العالم العربي يشهد الآن ثورات وحركة احتجاجات في أكثر من مكان، وأن تعامل وسائل الإعلام العربية مع هذا المشهد؟

- تمر الآن بفترة اختبار صعب، وحتى إذا حاولنا أن نحكم على أداء وسائل الإعلام العربية خلال هذه الفترة فمن الصعب أن نحكم على نجاح أو عدم نجاح جميع هذه الوسائل في هذه التجربة، لكن من الممكن أن نقول إن تجربة الإعلام العربي بحاجة إلى تعديل ومراجعة للسياسات الإعلامية التي تعمل بها هذه القنوات، خاصة مع تعاظم دور الإعلام حتى أصبح إحدى أهم وسائل التأثير في الرأي العام.

وبالتالي فدوره لا يقل أهمية عن دور الحكومات، وهو ما يفرض ضرورة وجود مراقبة على هذه القنوات وألا تترك الأمور لكل شخص يقول ما يشاء، مع أهمية التأكد من مصادر الأخبار؛ لأن العالم العربي يمر بفترة حرجة من الممكن أن تؤدي إلى اشتعال المنطقة بأكملها.

واعياً إلى تفعيل أدواتنا الإعلامية والثقافية لتوضيح الصورة أمام الشارع العربي وعدم ترك الساحة نهبا للإشاعات، كما يجب خلق توازن بين اهتمامات وسائل الإعلام، فلا نهتم بالرياضة والترفيه على حساب الثقافة. وفيما يلي نص الحوار:

 

مكاسب شخصية

من وجهة نظركم، ما هو دور المثقفين خلال الفترة القادمة؟

ــ المثقف هو من سلم المثقفون من لسانه ويده، ومع الأسف هناك بعض من المثقفين الذين يتكالبون على المكاسب الخاصة، وعمل جبهات تحارب بعضها البعض، مع الاهتمام بالمكاسب الشخصية، على الرغم من أن المثقف الحقيقي هو من يهتم بالتعبير عن الصالح العام.

وفي هذه الفترة بالذات فإن دور المثقف هو أن يعمل على توعية الناس وتوضيح الأمور الملتبسة لهم، خاصة مع موجة الاضطرابات والثورات التي يمر بها العالم العربي، وعلى المثقف العربي أن يأخذ في اعتباره أن كل ثورة لها شخصيتها ولابد من العمل على عدم خلط الأوراق، مثل من يقولون إن الثورة المصرية هي أشبه بالثورة التونسية أو العكس.

وهذا ليس صحيحا، خاصة مع انتشار أحداث الاضطرابات التي يمر بها العالم العربي والتي يتخللها أحيانا بعض أحداث الفتنة الطائفية مثل ما حدث في مصر، بل من الواضح أن هناك بعض العناصر الخارجية التي لها مصلحة في حدوث هذه الاضطرابات والفتنة لتحقيق غايات أخرى، وإذا كنا نريد إصلاح الثقافة فيجب أن ينصلح حال المجتمع ككل، أما عن دور المثقف فهو الإرشاد إلى الطريق، ولا يستطيع عمل شيء آخر.

هل يرتبط الأدب بالحالة السياسية التي تمر بها المجتمعات؟

- القمع يمثل أحيانا حافزا للمقاومة، ففترة الاضطرابات التي يمر بها مجتمع قد تكون أزهى عصور إبداعه؛ لأن هذه الاضطرابات المصاحبة لعدم الاستقرار النسبي تزيد من مساحة اللاوعي عند أي مبدع وتجعله يكتب أفضل ما عنده، ولعل فترة الخمسينات والستينات التي لحقت بثورة ‬1952 المصرية كانت أبرز مثال على ذلك، حيث ظهر بها عدد من الفنانين والمثقفين من الصعب تكرارهم مرة أخرى، وهو ما ظهر من حجم الإبداع الذي قدمه المبدعون المصريون خلال هذه الفترة.

 

الحرية الملتبسة

كيف ترى النظام السابق في مصر بعد قيام ثورة ‬25 يناير وسقوط رموز هذا النظام؟

خلال فترة وجود النظام السابق تآكلت العدالة الاجتماعية وأصبح هناك استقطاب من قلة تملك كل شيء، وأغلبية لا تملك أي شيء، ومجانية تعليم أصبحت وهما، كما استشرى الفقر، وغاب التقارب بين الطبقات، وهذا الوضع جعلنا غير قادرين على تصنيف هوية النظام السابق هل هو رأسمالي أم اشتراكي؟!.

ولكن الآن أستطيع أن أقول ان هذا النظام كان (نظام الأثرياء)، وإذا كان البعض يتحججون بأن سقف الحرية الذي كان موجودًا لم تشهده أي عصور سابقة، فأقول إن وصف هذا العهد بأنه عهد الحرية أمر في منتهى الخطورة.

وقد كتب إسماعيل المهدوي مقولة جميلة قال فيها ان حرية الكلام دون حرية الفعل تصيب الناس بالإحباط؛ فالحرية التي نتحدث عنها هي حرية (النباح)، ويتم مواجهتها بفرق الكاراتيه، والكلاب البوليسية، وعلى كل حال فالثورات العربية أثبتت أن تلك الأنظمة من الصعب أن تستمر طويلا وأن أي شعب له طاقة قصوى على الاحتمال.

 

تآكل العدالة الاجتماعية

هل تتوقع أن تنجح ثورة ‬25 يناير في استعادة العدالة الاجتماعية التي كانت مفقودة في الماضي؟

- العدالة الاجتماعية كانت مفقودة في الماضي واختفى تكافؤ الفرص؛ فابن الطبيب يصبح طبيبا وابن القاضي وكيل نيابة وهكذا.. وذلك كان أول ملامح تآكل العدالة الاجتماعية، بالإضافة إلى تفاوت بين الحد الأدنى والأعلى للأجور، ولكنني آمل أن تعمل ثورة ‬25 يناير على تغيير كثير من ملامح المجتمع المصري.

فدائما الثورات تأتي بتغيير في ملامح المجتمعات، فمثلا بعد ثورة ‬23 يوليو تحولت الطبقة الدنيا إلى الطبقة الوسطى والتي كانت رمانة الميزان في المجتمع المصري خلال الفترة الماضية، وعندما اختل توازن هذه الطبقة اختل المجتمع بأكمله وانفجر في صورة ثورة جديدة، ولابد أن تأتي أولى تلك التغييرات في التعليم الفعال والعلاج الصحي فهما أساس أي مجتمع سليم، فنحن بحاجة إلى مراجعة النظام التعليمي والبحث العلمي أولا، فمن الصعب أن يحصل جزء من المجتمع على تعليم مختلف عن الجزء الآخر.

لماذا رفضت جائزة مبارك؟

- في البداية أحب أن أوضح أنني تخليت عن تلك الجائزة قبل تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، وكان فوزي بالجائزة مجرد إعلان في إحدى الجرائد، هذا بالإضافة إلى استردادهم للقيمة المالية التي أعطوني إياها، كما أنني من أشد المؤيدين للعمل على تغيير اسم الجوائز الثقافية؛ لتصبح اسم جائزة طه حسين أو أي اسم آخر أو أن تستعيد اسمها الأول وهو (جائزة النيل).

كيف تصنف المرحلة التي يعيشها المصريون الآن؟

- من الصعب تصنيف المرحلة الحالية الآن وذلك لعدم وجود أنساق محددة، ولا يمكن القول إننا بصدد نظم اشتراكية أو رأسمالية، خاصةً أن الشعار الذي رفعته الثورة في بداياتها هو (العدالة الاجتماعية) وغيره من الشعارات العامة والحقوق الواجبة لأي إنسان، كما أنه يعتبر الأنسب، حيث لم يعبر عن أيديولوجيا ما محددة.

كما أنه لا ينبغي أن تسود أيديولوجيا بمفردها لتحدد مستقبل المجتمع، فالأهم هو توافر الحس السليم، وعدم غلق الطريق في وجه الأفكار على اختلافها، فذلك هو التفكير ما بعد الحداثي الذي يسير على خط يغلب فيه الصالح العام على ما سواه.