مع رحيل الكاتب والروائي البريطاني ألان سيليتو، أخيراً، ودعت بريطانيا في شخصه آخر رموز جيل الغضب الذي تألق في صدر الخمسينيات، ونشرت مجلة «ليفتلاين» الإلكترونية اللندنية في هذا الإطار ما وصفته بالحوار الأخير مع سيليتو، الذي أجرته معه قبيل رحيله عن عالمنا، من أقواله:

إن الأمر اقتضى منه عشر سنوات كاملة لكي يبلور أسلوبه الخاصة في الكتابة، وأكد أنه طالما آمن بالحكم القائم على الجدارة، وفصَّل القول في الأسباب الموضوعية التي دعته لذلك، وفي ما يلي نص الحوار:

 

مؤكداً أنه أقام طفولته في رادفورد معظم الوقت، وكان ذلك أمراً جيداً حقاً، فقد كانت غابة، ولست أعني غابة رهيبة، وإنما غابة حميدة، تعرف كل منعطف وركن فيها، كما تعرف خطوط راحة يدك. عن هذه المواضيع وغيرها كان هذا الحوار التالي نصه:

 

هل كانت مكاناً سعيداً حقاً؟

شعرنا نحن الأطفال جميعاً بالأمان في نوتنغهام، وكانت مكاناً يطيب للمرء أن ينشأ فيه، وأقمنا على بعد مئة متر من مصنع راليغ، الذي كنا نصنع الذخيرة فيه خلال الحرب العالمية الثانية، وقد مضيت للعمل في هذا المصنع في عام ‬1942، عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري، وبقيت هناك أشهراً، ثم مضيت للعمل في مكان آخر.حيث كانوا يصنعون الأجزاء الخشبية من سفن الإنزال الحربي على الشواطئ وقذائف «موسكيتو»، وكان كل ما أردت القيام به في تلك الفترة هو الالتحاق بسلاح الطيران الملكي وقصف ألمانيا بالقنابل، وكان ذلك هو كل ما كنت أحلم بالقيام به آنذاك، شأن أبناء جيلي جميعاً.

يقول بعض النقاد إن شهرتك لها تأثير مزدوج في لندن، حيث إن كل كاتب جديد تتم مقارنته بك. ما شعورك حيال ذلك؟

هذا لا يعطيني شعوراً بالارتياح البالغ حتماً، فكل كاتب جديد له مشروعه وهدفه وبصمته، إن شئت استخدام هذا التعبير، وأعتقد أن تلك مسألة فن، وأنا لا أستخدم هذه الكلمة باستخفاف، إذا كان لديك ما تقوله فقله بأكثر الطرق مباشرة.

أين عثرت على أسلوبك الخاص في الكتابة الأدبية؟

لقد استغرقني الأمر عشر سنوات، ولكنني وصلت إلى أسلوبي الخاص في الكتابة بالفعل، وعودة إلى السؤال الأساسي، فإنني لا أشعر بالارتياح عندما يقارنونني بالكتاب الجدد أو يقارنونهم بي، ولكن دعهم يفعلون ذلك، فهذا هو ما تقوم به أجهزة الأعلام، ويتعين على المرء في نهاية المطاف، أن يحارب للتحرر من جميع أشكال التحيز في الحياة.

روايتك «ليل السبت صباح الأحد» هي رؤية أكثر استشرافاً لمستقبل المجتمع من رواية «‬1984» لجورج أوروبل، على سبيل المثال، التي لم تتحقق في الواقع في العديد من الجوانب؟

أعتقد أن كتابا مثل «‬1984» هو كتاب جيد للغاية، ولكنه عمل قوامه الخيال، في المقام الأول وقبل كل شيء. وهو صحيح في بعض الجوانب، وليس صحيحاً في غيرها، شأن أي عمل آخر. ولكن لست أدري ما إذا كانت رواية «ليل السبت صباح الأحد» هي رواية رؤيوية. وبالنسبة لي، فقد جلست تحت شجرة برتقال في مايوركا، وعكفت على تأليفها، معتقداً أن هذا الأمر لا بأس به، لأنني أكتب عن شيء أعرفه. ولم أجلس محدثاً نفسي: آه، هذا شيء رؤيوي، يا صديقي! لا، على الإطلاق.

في رواية «ليل السبت صباح الأحد» نجد أن البطل «آرثر» يلزم الفراش على الدوام، فهل جاء ذلك على أساس فترة العام ونصف العام التي أمضيتها في المستشفى مصاباً بمرض السل؟

لا، ليس الأمر كذلك، وإنما مصدره الخيال، فآرثر يلزم الفراش من جراء عكوفه على ذاته، فهو لم يستطع التغلب على فكرة أنه تعرض للضرب المبرح والازدراء، وأراد التفكير في حياته من دون الكثير من الازعاج من العالم الخارجي.

تأتي قصة «الحرية لكولن سميث» في مجموعة «وحشة عداء المسافات الطويلة» من الخسارة المتعمدة للسباق من جانب بطل القصة، هل كان هذا مقصدك دوماً أم أن ما قمت به في هذا الصدد أصبح أكثر وضوحاً من المضي قدماً في انجاز هذا الكتاب؟

نعم كان قصدي منذ البداية جعل كولن سميث يخسر السباق، فلو أنه فاز به لما كان في نصف رجولته، وكان عليه أن يخسر السباق.

هناك درس يمكن للقارئ أن يتعلمه من أبطالك، وهو أن المكانة شيء يتعين على المرء أن يكتسبه لا أن يرثه.

لقد آمنت على الدوام بالحكم القائم على الجدارة، حيث يترك الناس بصمتهم من خلال موهبتهم وحدها. وقد كانت هناك مرحلة في حياتي اعتقدت خلالها أن النظام الطبيعي يحتضر، ولازلت آمل أنه يحتضر. وبعض من أعظم الناس الذين أنجبتهم إنجلترا من مهندسين وعلماء وكتاب لم يقدر لهم الالتحاق بالجامعة قط.

الكثير من شخصياتك تهرب من ضجيج حياتها عبر الجرائم الصغيرة أو الإسراف في الشراب، فهل تعتقد أن قصصك ساهمت في صياغة هذه الأسطورة؟

لست أدري حقاً، أعني أن نوعية الجريمة التي تجدها الآن لا تشبه نوعية الجريمة التي يرتكبها الناس الذين كنت أعرفهم خلال سنوات نشأتي. وما كنا لنجرؤ على اقترافها. لقد كسبت خبرتي وتجربتي قبل عصر المخدرات وما كانوا يطلقون عليه «الجريمة السوداء»، وهو أمر من الفظيع أن يسمع به المرء الآن، حيث إن مروجي المخدرات هم من البيض والسود بالطبع.

هل تحس بهذا التغير عندما تزور المدينة؟

لقد جئت إلى المدينة قبل عامين، وبدلاً من الذهاب للإقامة مع إخوتي، نزلت في فندق فوق هوكلي مباشرة، وراء دار المجلس، وكان ذلك في ليل جمعة، وخرجت بعد تناول وجبة، ورأيت الفتيات الجميلات يقفن في طابور للحصول على المال من الماكينات والانطلاق إلى الأندية الليلية.

هل يتعين علينا أن نخاف من الجيل البريطاني الجديد؟

لست أعتقد أنهم أشرار وأنه يتعين تقييد حريتهم، وأعتقد أنني كنت محظوظاً عندما كنت في الثامنة عشرة من عمري، حيث كان لديَّ الكثير من الوقت، وأتيحت لي فرص عدة للعمل.

اكتسبت شخصية كولن سميث، بطل أبرز قصص مجموعة «وحشة عداء المسافات الطويلة» شهرة أسطورية، فما هو السر في ذلك في اعتقادك؟

كولن سميث، يودع في سجن تابع لمدرسة تدار وفق نظام بالغ الصرامة.. وسرعان ما يتم تحويله إلى عداء للمسافات الطويلة، حيث تسعى المدرسة إلى انتزاع البطولة في ميدان العدو من مدرسة خاصة شهيرة، ويقبل كولن بهذا الوضع الذي فرض عليه فرضاً، كنوع من الهرب النفسي والعضوي من المأزق الذي يجد نفسه فيه.

والذي يتضمن إيداعه في أبراج راكستون، التي يعيش فيها ضمن قيود وضوابط بالغة الصرامة، ولا يتيح له العدو لمسافات طويلة الفرصة لشغل نفسه عن وضعه البائس فحسب، وإنما هناك أيضاً مجال للخروج المبكر من هذا السجن الكئيب.

يتساءل الكثيرون عن الدوافع التي تحدو بكولن يوم السباق إلى التصرف على نحو يخالف كل التوقعات وبما يتناقض مع مصلحته الجلية للعيان.

ربما تنبع هذه التساؤلات من أن كولن يبدأ السباق تماماً على النحو الذي تمناه ناظر مدرسة روكستان تاورز، فهو يبادر للإسراع متجاوزاً كل العدائيين الآخرين، بل وهو يترك مسافة ليست بالقليلة تفصله عنهم، بحيث يغدو لجميع مشاهدي السباق أنه ليس عليه إلا أن ينطلق لمسافة قصيرة فإذا به يتوج بالفوز الذي تتوق إليه مدرسة راكستون تاورز.

ولكن قبيل شارة نهاية السباق يتوقف كولن تماماً في مشهد مثير للذهول من جانب المراقبين وبهذا يخسر السباق في إطار إيماءة عدمية إلى الازدراء والتحدي الموجهين إلى سجانيه في راكستون تاورز.

اختلف النقاد حول تفسير هذا التوقف من جانب كولن، فما الذي قصدته أنت بهذا التوقف؟

إن ما قصدته هو لفت نظرنا إلى أن السباق، وبالضرورة قيم المؤسسة التي يرمز إليها، هو شيء عبثي ومجرد من المعنى تماماً بالنسبة إليه، وأن نصر من يفترض أنهم يفوقونه اجتماعياً هو شيء بلا قيمة ولا جدوى.