الإسكندرية والأديب المصري إبراهيم عبد المجيد صنوان لا تفرقهما إلا الأقدار، تجمعهما عرى صداقة عمدتها مرابع الطفولة وبدايات البوح والكلام، فيها رأى النور لأول مرة وفيها رأى الذات في وجوه مواطنيه، وفيها رأى الآخر في عيون المغادرين من اليونانيين والقبارصة والشوام، وفيها فك حروف كلمة لا تزال تلازمه حتى يومنا هذا، وفيها احتال على والدته لأول مرة كي يدخل السينما في وقت مبكر من عمره، وفيها زرع الأمل بولادة ثورة ترفع الظلم عن كاهل مواطنيه.

 

التقت «البيان» بالروائي والقاص المصري إبراهيم عبد المجيد وأجرت معه حوارا، رغم أنه كان من الطبيعي أن يتشعب ويشق طريقه إلى مختلف جوانب حياة وتجربة الديب، إلا أنه كان من المنطقي أيضا أن يركز على محورين رئيسيين، الإسكندرية وثورة الشباب في مصر.

لنبدأ بانفتاح إبراهيم عبد المجيد على التقنيات الحديثة، ما الذي أخذك إلى هذا المكان وجعلك تفتح موقعا خاصا بك على الانترنت؟

هناك عدة أسباب، الأول يتعلق بأني كنت أستخدم الانترنت بشكل طبيعي للحصول على بعض المعلومات التي كنت أحتاجها للكتابة، والتي كنت أحصل عليها في السابق عن طريق المراجع والكتب الورقية، فبدأت أبحر في مواقع الشبكة وأستخرج منها المعلومة التي أحتاجها.

بالإضافة إلى أني استخدمت الإنترنت لإرسال واستقبال الرسائل الإلكترونية وكذلك إرسال مقالاتي للصحف والمجلات العربية، ثم اكتشف أني أقف أمام عالم موجود منذ سنوات، عالم آخر، هو العالم الافتراضي المليء بالبشر والمدونات والحوارات والخلافات والمناقشات والحياة ويطلقون عليه العالم الافتراضي، مع أنه في واقع الأمر عالم واقعي وهو افتراضي فقط، لأنه ينشط في الفضاء ولا ترى فيه من تتحدث معه وجها لوجه، لكنه عالم مليء بالحياة والحيوية ويعج بكل الاهتمامات، سواء كان آراء سياسية أو اجتماعية أو غير ذلك.

هل يمكن القول إنك هربت من الحياة الواقعية إلى الحياة الافتراضية لتعود ثانية إلى الحياة الواقعية وتلجها من باب أوسع؟

المسألة لا تتعلق بمجرد الهروب وإنما بمحاولة دخول هذا العالم الذي يعج بالحياة، وأنا لست فيه مع أنني أحيا على الأرض، فكيف لا أكون في الفضاء الذي أصبح أرضا في الوقت الحالي وأكثر حيوية من الأرض نفسها وأكثر واقعية منها أيضا. كما أنه عالم يتسم بحرية كبيرة جدا، حيث غالبا ما تجد الناس يستخدمون أسماء وهمية غير أسمائهم الحقيقية مثلما تجد جرأة في الآراء ومساحة الكذب فيه واسعة، لكنه كذب مرتبط بالحرية، وليس المقصود هنا الكذب بالمعنى الأخلاقي، بل الكذب بمعنى الحرية، حيث تقول رأيك ولا تخاف، فكأنك تكذب على الواقع الذي تخشاه، فأنت لست كاذبا في هذه الحالة وإنما صادق.

قد يكون الحامل الأول لأعمال إبراهيم عبد المجيد هو المدينة، مدينة الإسكندرية، هل لك أن تضعنا في صورة هذه العلاقة الحميمة بينك وبين هذه المدينة التاريخية المنفتحة على الضفة الأخرى من المتوسط؟

منذ وقت مبكر جداً، رأيت ما تبقى من الإسكندرية في صورتها الحقيقية، التي تقول الكتب إنها كانت مدينة العالم على مدار حوالي ستة قرون من الزمن، من القرن الثالث قبل الميلاد ولغاية الثالث أو الرابع بعد الميلاد، وكانت الإسكندرية أعظم مدرسة في العالم في الفلسفة والفكر، ولقد شيدت لتكون مدينة العالم.

وكان فيها مساحة عظيمة جدا من الحرية بين الأجناس والديانات. هذه الصورة نحن نتعلمها في الكتب وعن طريق القراءة والمدرسة، لكني رأيت كذلك بقايا هذا العالم في الخمسينات وأنا طفل، رأيت مساء هذه الحالة وهي تغرب، رأيت آخر الأجانب وهم يغادرون الإسكندرية، الإيطاليين واليونانيين والقبارصة والشوام والأرمن، رأيتهم يغادرون المدينة ومعهم اليهود والفرنسيين.

ولا سيما بعد حرب السويس عام ‬1956، وكانت مدينة بيضاء بحكم المناخ وبحكم العلاقات القائمة على التسامح وعلى عدم التمييز بين الأجناس والملل. رأيت كل ذلك وأنا طفل وقرأته في المدارس وسمعته من الناس الكبار في السن.

كيف تقرأ مشاركة الإسكندرية في الثورة المصرية الأخيرة؟

عادت الإسكندرية إلى حالتها التاريخية أيام الثورة، فتاريخها غريب عن الحكام وهذه المدينة هي التي أدخلت المسيحية إلى العالم. هذه المدينة دفعت ثمنا كبيرا من أجل العقيدة، ولم يكن هناك إسلام وعندما جاء الإسلام ووفد إلى مصر أصاب الإسكندرية اضمحلال كبير، ولأنها بعيدة عن القاهرة أهملت بفعل العصور التي تلت ذلك.

المتصوفون الذين وفدوا من الأندلس ومن المغرب ومن كل مكان أقاموا في الإسكندرية عهودا وكانت أحسن مكان لهم، لأنها كانت تتميز بالصوفية وأصبحت مكان الصوفية وهي مدينة الحرية الإسلامية، وافتتحوا فيها العصر الإسلامي وجرى عليها ما جرى على مصر من اضمحلال سياسي ولم توافق الإسكندرية روحيا على أي حاكم حتى عبد الناصر، الذي أهملت في عهده خصوصا بعد محاولة اغتياله فيها. وهي مدينة على خلاف مع حكامها دائما، لأنها تتمتع بروح من الحرية أعلى مما لدى أي حاكم.

كيف انعكس انفتاح الإسكندرية على كل هذه العوالم في أعمالك الأدبية، حيث يلاحظ نوع من التناغم ما بين انفتاح المدينة وبين انفتاحك على التجديد والحداثة؟

كتبت عددا من الروايات حول الإسكندرية في السبعينيات مثل (ديك الياسمين) و(الصياد واليمامة) و(المسافات)، لكن الروايتين الكبيرتين اللتين حاولت فيهما أن أمسك بالروح الكوزموبوليتية لمدينة الإسكندرية وأجهدت نفسي فيهما وأنفقت في الأولى منهما ست سنوات والثانية ثلاث سنوات من القراءة والكتابة والتجربة والذهاب إلى الأماكن التي سأكتب عنها هما (لا أحد ينام في الإسكندرية) و(طيور العنبر)، حيث تتناول الأولى أحداثا تجري جميعها أثناء الحرب العالمية الثانية.

وكل شخصياتها من المسلمين والمسيحيين يعيشون تحت سقف واحد وكأنه لا يوجد دين، بينما ترصد(طيور العنبر) رحيل الأجانب عن الإسكندرية بعد حرب السويس، وكيف بدأت هذه المدينة تفقد تلك الروح الكوزموبولوتية والأسى والحزن الذي شمل المصريين العاديين على رحيل اليونانيين والقبارصة والشوام وحتى اليهود، الذين ظلوا يحفظون الود لمدينتهم حتى بعد رحيلهم.

حيث التقيت بعضهم في مؤتمر في اليونان يحتفون به بالإسكندرية كما يصدرون مجلات عن حياتهم في الإسكندرية، ولا سيما أن هذه المدينة فيها شيء يمر عليه الناس مرور الكرام، لكنه كان يتمتع بأهمية كبرى عبر التاريخ.

ويتمثل في أن معركة العلمين التي جرت أثناء الحرب العالمية الثانية على بعد ‬10 كيلومترات عن الإسكندرية هي المعركة التي غيرت مسار الحرب كلها، لأنها كانت أول معركة ينتصر فيها الحلفاء وأول معركة ينهزم فيها المحور وألمانيا واللذان لم ينتصرا في أي معركة أخرى فيما بعد، ولم ينهزم الحلفاء في أي معركة، فكانت العلمين بداية خير للبشرية كلها حتى ان اسمها أطلق على كثير من النوادي في أوروبا بعد الحرب، وعندما تقول العالمين فأنت تقول الإسكندرية.

من يحتضن الآخر، المدينة أم الكاتب؟

ثمة تبادل للغواية بيننا نحن الاثنان، فلقد فتنتني المدينة لأني ولدت وترعرعت فيها كما أني أحس أن المدينة تحبني، هناك حب متبادل بيننا نحن الاثنان.

رغم امتداد تجربتك في عمقها الزماني والمكاني، يلاحظ أنك تحافظ على تواصل هائل بين الأجيال الأدبية، بحيث ربما تشكل حلقة وصل بينها جميعا، كيف تمكنت من البقاء على هذه الثيمة التي ربما يفتقر لها الكثير من الكتاب؟

لدي احساس جميل اتجاه الناس ولا أدخل في صراعات حادة، وأشعر أن العالم يمضي إلى الأمام، كما أني كنت كاتبا شابا وعندما كنت أقابل نجيب محفوظ أو ألفريد فرج، على سبيل المثال، كنت أنام وأحلم بهما طوال الليل، فأنا اشعر بنفس شعور هؤلاء الشباب عندما يقابلون كاتبا كبيرا ويشعرون بالسعادة، فلماذا لا أسعد الناس؟

بالإضافة إلى أنه يجب أن أعرف ما الذي يكتبونه وما الذي يجري من حولي؟ لأنه ربما استفيد منهم بأي شيء، كما يجب أن أعرف أين موقعي، وهل أنا قديم أم جديد؟ فضلاً عن أني أحب التجريب في الكتابة منذ البداية، أحب أن أجرب في الأشكال الأدبية واللغة والموضوعات، وهذا يجعلني في حالة حرية ونشاط، يعني أني لا أذكر سني إلا عندما ينظر أحد ما إلى جواز سفري.

ما هو جديد ابراهيم عبد المجيد؟

كنت أكتب في رواية عن الإسكندرية في زمن السبعينيات، وعندما حدثت الثورة الحالية في مصر توقفت عن كتابتها، لأني شاركت في هذه الثورة، حيث كنت أخرج مع الشباب في ميدان التحرير كل يوم ووجدت نفسي مشغولاً بها ووجدت روحاً جديدة فيها، فانشغلت عن تلك الرواية لمدة شهر ونصف الشهر، وأنا مشغول في الوقت الحالي بما يحدث بمصر وأكتب مقالتين كل أسبوع وأساهم برأيي بما يحدث وبنتائج الثورة، وأرى أنه لا ضير لو تأخر الأدب قليلا.

وربما إذا كتب في الأيام المقبلة فسأستمر في كتابة المقالات عن الثورة والناس ووجهة نظري فيما يحدث ومطالب الثوار وتغيير الدستور ورفع حالة الطوارئ والمعترك السياسي عموما، لكن الأدب سيتأخر قليلا، لأني إذا كتبت كتابا آخر فسأكتب عن وجودي في الشارع أيام الثورة.

أيهما أجدر أن يرصد الأدب حركة اجتماعية ما في لحظة حدوثها، أم بعد مضي وقت عليها ؟

الأفضل أن يحدث هذا فيما بعد، لكن من الممكن أن تكتب مقالاً أثناء الثورة. أما ما يحدث في فلسطين فهو أمر مختلف، لأن القضية الفلسطينية تحولت إلى حياة يومية ليس فيها فيما بعد، لأن كل يوم فيها مأساة تحولت إلى حياة يومية، لكن ما يحدث في مصر مفاجئ، فهناك ثورة عظيمة جدا تحدث بعد ‬40 عاما من نظام قمعي قوي وهذه الثورة لن تتكرر كل يوم، لكن الكتابة فيما بعد ليست قاعدة ولكنك مضطر لأخذ إجازة لأنك تبحث عن لغة على قدر هذا الحدث، فهو حدث مفارق للعادي، وكنت أتمنى لو كنت شاعرا لأني أنا أريد لغة مجنحة لأن هذا العمل عمل مجنح غير مسبوق،

ما هي انعكاسات الثورة على مكانة مصر في العالم؟

أبواب العالم أصبحت الآن مفتوحة لمصر، مفتوحة لأن تعود للعالم دولة عظيمة، وعلينا أن نتمسك بذلك ونفعله وأنا أثق ثقة كبيرة جدا بشباب الثورة بمن فيهم من شعراء وكتاب ومسرحيين وسينمائيين، أثق بقدرتهم على التغيير. وستجد انعكاسات هذه الثورة في كل مكان من العلم العربي تونس مصر اليمن حتى في الدول الملكية، حيث هناك مطالب بتعديلات دستورية.

حيث ستنجح هذه التعديلات وستجد الملكيات حلولاً مع شعوبها، على غرار ما يحدث في المغرب، لكن بالنسبة للجمهوريات فعليها ان تمشي كلها، لأنها ملكية أكثر من الممالك نفسها، أي أن المشاكل في الجمهوريات أصعب لأنها تسمي نفسها جمهوريات وتتصرف بطغيان شديد، ولأنها لا تتنازل عن أي شيء، وتلك الأبواب المفتوحة سيدخلها الشباب وسيدخلها الجيل الشاب والقديم من الكتاب، وستزدهر الثقافة ازدهارا واسعا جدا، وستظهر في هذا المجتمع الذي قام بالثورة جمعيات أهلية كثيرة جدا ثقافية وفنية وغيرها بحيث سيصبح الشعب صانعاً للثقافة.

كيف تفتحت عينا عبد المجيد على السينما؟

كان في الإسكندرية عدد كبير جدا من دور العرض السينمائية، معظمه هدم، لا سيما في الأحياء الشعبية ومن بينها حي (كرموز) الذي ولدت وترعرعت فيه. وكانت تذاكر الدخول إليها رخيصة جدا وكانت تمثل عالما سحريا بالنسبة لنا. فلك أن تتخيل أنه عندما كان عمري خمس سنوات فقط وكانت أمي ترسلني إلى الروضة كل يوم لنلعب فيها، وفي يوم من الأيام وجدت باب الروضة مفتوحا فخرجت منه وعبرت الشارع ومشيت قليلاً فوجدت نفسي أقف أمام سينما وأنا لم أكن أعرف معنى السينما، وشاهدت طابورا من الناس ينتظرون على بوابة السينما،.

حيث كان هناك ملصق معلق فوقها، ولأني كنت صغيرا لم يهتم الموظف المسؤول عن أخذ تذاكر الدخول من الناس وربما لم يرني أصلا، فدخلت ووجدت كراسي وجلست فخيمت العتمة على المكان ولم أخف، وبدأ عرض الفيلم. وكانت أمي توصلني صباحا إلى الروضة وتأتي في الظهيرة لتأخذني من هناك.

ومنذ أن حدثت تلك الصدفة أصبحت أهرب من الروضة وأذهب إلى السينما كل يوم، فأصبحت أصغر طفل في العالم يهرب من الروضة ليذهب إلى السينما، ولقد انفتح لي في السينما باب سحري ففي بداية الخمسينيات لم يكن هناك تلفزيون وراديو، ورأيت العديد من أفلام شادية وكمال الشناوي، وفي يوم من الأيام حدث ما لم يكن في الحسبان، فلقد سافرت أمي لزيارة أهلها في القرية وعادت من هناك مبكراً وقبل الوقت المعتاد لاصطحابي من الروضة، فبحثت عني طويلاً لم تجدني، فأثارت مشكلة مع المدرسة وبلغوا قسم الشرطة الذي كان يقع مقابل دار السينما تماماً فعثروا علي وأنا أهم بالخروج من الدار.