(رؤى المستقبل) هو عنوان معرض استثنائي يضم قرابة ‬180 لوحة وعملاً فنياً أقيم في (القصر الكبير) في باريس، يجسد مخاوف الإنسانية وآمالها من لوحات ومنحوتات وأعمال فنية وماكيتات قبل نحو عشرة أعوام، وكان ذلك بداية لتتبع آثار هذه الأعمال، وتحديد مواصفاتها التي اتخذت من قلق المستقبل موضوعاً لها.

 

يشمل هذا الموضوع محاولات الإنسان في حفظ جسده، منذ إنسان النياندرتال وحتى وقتنا الحاضر، بأشكال متنوعة، مثل: قناع الموت ـــ كولومبيا، والقناع الفينيقي ـــ اللوفر، رأس المومياء ـــ مصر، وقناع عين غزال ـــ الأردن. والموضوع الثاني هو مواصلة ذاكرة الإنسان، البورتريه يتحدى الموت. وهناك أعمالا تمثل قناع الأمير لاغاش الافريقي وبورتريه أمير بخارة.

والنقود وبورتريه الإسكندرية، وبورتريه إمبراطورة صينية. ومن ثم تأتي فكرة التأسيس من أجل الخلود، التي تؤكد بأن الآثار ليست صامتة مثلما أن الملوك والأمراء في وادي الرافدين شيدوا المعابد والقصور العظيمة وأهدوها إلى الآلهة، مثل آثار الملك سرجون الثاني ــــ من متحف اللوفر.

وماكيت برج بابل. والسؤال الذي تطرحه هذه الأعمال، هو: كيف تخيل الإنسان المستقبل وما هي تصوراته عنه؟ كما تبرز فكرة أخرى في هذه الأعمال الفنية وهي: تمجيد البطل. وهناك أعمال تجسد بطولات الأفراد الجسدية والمعنوية مثل جلجامش وآشيل، وكذلك الأشعار والمخطوطات التي تخلد ذلك. ومن ثم تأتي فكرة ـــ انتظار نهاية الزمن ـــ الحياة الثانية للروح ـــ وتمثلها أعمال مثل صلب السيد المسيح، وانبعاث الموتى، والجحيم وجنة عدن وغيرها من الأعمال المتوفرة في المتاحف الفرنسية وغيرها.

كما توجد نماذج من العالم المتخيل من قبل أهالي التبت، وكيف يتصورون نهاية العالم، والفكر الطاوي هو الآخر يدعو إلى رؤية أخرى. وتستحضر جميع الطقوس التي يمارسها الإنسان في موضوع رؤية العالم وتخييله مثل طقوس ـــ شمشي ـــ متحف اللوفر والفرسان الأربعة عشر ـــ بلجيكا، ومخطوطة ـــ الله يقدم حواء إلى آدم ـــ في متحف كامبردج.

 

سؤال سرمدي

حاولت هذه الأعمال الفنية أن تستشرف آفاق المستقبل الذي ينتظر الإنسانية، وهو السؤال السرمدي الذي مازال الإنسان يطرحه على ذاته منذ بدء الخليقة، وعلى الخصوص لقاء الإنسان بموته، الموضوع الذي يهيمن على موضوعات المعرض ومناخه العام.

تشتهر أعمال فنية كبيرة تجسد هذه الفكرة في تاريخ الفنون التشكيلية، منها على سبيل المثال، المنحوتة الضخمة (باب الجحيم) لرودان. وهذه الأعمال الفنية موزعة في المتاحف والغاليريهات العالمية مثل لوحات غوغان من متحف ليون، وبعض لوحات سيزان من متحف أورسي.

الفنان فرانسوا شوتيين يبرز من بين الفنانين الآخرين بقوة مخيلته إذ يعرض ـــ اليوتوبيا المعمارية ـــ وأشكال البيئة والمدن التي سوف يسكنها البشر في المستقبل، ويستحضر مدينة جديدة تم تأسيسها في بلجيكا وهي ــــ لوفان الجديدة ــــ وجميع الماكيتات المعروضة منفذة على ورق الكارتون (الأكليريك).

وفي ماكيت آخر بعنوان (مدن غامضة) يجسد الفنان المدن المبتدعة والمتخيلة، وهي اليوتوبيا التي يتخيلها الفنان في أشكال المدن التي ستكون عليها في السنوات المقبلة. ويتميز الفنانان الشهيران الأميركي توم شانون والروسي إيليا كابوكوف بطرح موضوع المستقبل في أعمالهما الفنية.

والفنان الكونغولي بوديس إسساك كنجليز، يعرض ماكيت ــــ مشروع لكينشاسا في الألفية الثالثة ـــ وهو مصنوع من الورق والكارتون والخشب. وعادة ما تستغرق صناعة هذه الماكيتات والمشاريع المعمارية المستقبلية زمناً طويلاً كما هو الحال مع (برج تاتلين) الذي يزن ‬16 طناً.

وفي عام ‬1998 بدأت صياغة هذا المشروع، وقدم الطلب إلى مركز بومبيدو، حيث قدمه النحات الروسي فلاديمير تاتلين، وخصص لتدشين الاحتفال بافتتاح هذا المركز بعد أعمال الصيانة في نهاية عام ‬1999. ويتكون هذا البرج الأثر الفني الشهير من مادة الخشب والمعدن.وهناك موضوعات كبيرة تطرحها هذه الأعمال الفنية: البحث عن الخلود ــــ انتصار الموت، انتظار نهاية الزمن ــــ الحياة الثانية للروح، أحلام الحداثة ـــ تأسيس مستقبل جماعي.

ومن بين هذه الموضوعات تظهر الحقيقة المؤكدة والمطلقة وهي الموت؛ لأن الخلود بقي مستعصيا على الإنسان، ولا يمكن تجسيده إلا من خلال الذاكرة التي تتوارثها الأجيال على شكل مومياءات وأعمال فنية وآثار ونفائس ومواد أخرى يخلفها الإنسان بعده. أما البديل الثاني للخلود فهو ديمومة الروح.

حيث نغادر منطقة الذاكرة إلى منطقة الإيمان حيث اليهود والمسيحيون والمسلمون ينتظرون ويأملون الدخول إلى الجنة، ويخافون من يوم القيامة ونهاية العالم. ولعل تاريخ الفن استطاع أن يجسد هذه الصورة من خلال طرحه وتمثيله بالأعمال الفنية من يوم الحساب وعدن والجحيم وغيرها من المفاهيم.

 

عبثية التاريخ

تكشف هذه الأعمال الفنية أيضاً عن النتائج المتشائمة مثل عبثية الإنسان، والإيمان الضائع، وفشل ونهاية اليوتوبيا، ومن خلال الاعتماد على التاريخ، تريد هذه الأعمال أن تحثنا على التفكير بعلاقتنا بالتاريخ والمستقبل.

كما تطرح هذه الأعمال تساؤلات عدة حول اهتمامات الإنسانية والطريقة التي تصور مستقبلها في كل فترة زمنية معينة. كما أن هذه اللوحات والأعمال الفنية تتوزع من بلدان وحضارات متنوعة: من الغرب والشرق القديم والعالم الإسلامي والصين والتبت وأميركا اللاتينية وإفريقيا.

وتتنوع هذه الأعمال من حدائق الجنائن والأحكام الأخيرة وأقنعة الخلود وبورتريهات الملوك التي تتحدى الموت والقيامة والأرواح الطائرة والمدن الفاضلة وغيرها. كما توجد نماذج تجسد ذلك مثل تمثال ملكة الكاميرون من الخشب والقماش والمجوهرات منذ بداية القرن العشرين، ونماذج من تراث وادي الرافدين، ومن سلالة ــــ مانغ ـــ الصينية، وكتاب الموتى المصريين من القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد، وبرج بابل.

 

تسونامي والعوالم الذهنية

فاجأت لوحات الفنان الياباني الشهير كاتسوشيكا هوكوساي وسائل الإعلام ومعارض الفن التشكيلي، وهي لوحات تعود إلى ‬1814، حيث ترافقت مع حدوث كارثة تسونامي على اليابان مؤخراً. فقد كان هذا الكابوس يقتحم عوالمه الذهنية، التي كانت أشبه بهلوسات نقلها الفنان على قماش لوحاته.

كما استطاع أن يحوّل كل شيء إلى رؤية بصرية ثاقبة؛ لأنه رسم نبوءته على مرايا البحر. والطبيعة كما هو معروف لم تكن ناعمة على الدوام مع الإنسان، وسجل التاريخ صراع الإنسان مع الطبيعة على مرّ الزمن. آسيا هي إذن واحة الفن.

ومنها امتدت تأثيراتها الفنية على أوروبا، فاكتشف الفنانون هذا الفنان في أعماق البحر، لأن تشكيل لوحاته لم تكن سوى انطباعاته عن هذه الأمواج التي طالما هددت الإنسان بابتلاعه. تمّكن هوساكاي أن يحوّل هذا الوحش إلى كائن جميل، يبهر البصر، يسمى اللوحة الفنية. ومن الملاحظ أن التطور التدريجي لخطوطه المنحنية الحرة المميِّزة لأسلوبه إلى سلسلة من اللوالب أضفت على أعماله طابعاً من الحرية القصوى والرشاقة التعبيرية، كما في لوحة «ريدن»، روح الرعد.

أما في أعماله المتأخرة، فقد استعمل هوكوساي ضرباتٍ عريضةً متقطعةً ومنهجًا في التلوين أضفى مزاجًا أكثر قتامةً على أعماله، كما في لوحته «مجموعة عمال يبنون سفينة»، وتستمد لوحاته قوتها من حركات أمواج البحر، التي طالما هددت شواطئ المحيط الهادئ.

ولكن ميزة هذا الفنان أنه عبّر عن انطباعاته من خلال فن جديد أسس له دون أن يعلم. وليس مهماً رسم الطبيعة وأمواج البحر بل طريقة الرسم التي وجد فيها النقاد وعياً متقدماً في التدرجات اللونية في لوحاته. فهو الذي منح القرن التاسع عشر روحه الفنية. ولوحته الشهيرة (العاصفة الكبرى) كانت تجسيداً لجوهر أعماله قاطبة، فالأمواج رغم ما تحمل من جماليات في لوحاته، تحمل في أعماقها بذرة الموت.

 

في مرايا المستقبل

يتمتع هؤلاء الفنانون الذين عبروا في لوحاتهم عن الرؤى المستقبلية من خلال اعتمادهم على نسبية المكان والزمان، والتعبير عن الأفق المستقبلي الذي طالما شغل ذهن الإنسان، وجعل منه كائناً يفكر ويتأمل في مرايا المستقبل. وتظهر هذه الرؤى من خلال الخطوط والأشكال، باعتبار أن الفن التشكيلي يعتبر فناً ملموساً مهما استغرق في تجريديته. وكل ذلك يقترن بفكر الإنسان وانشغالاته بالمستقبل، هذا الزمن الذي ظل مهيمناً على الإنسان.

وليس بالضرورة أن يكون الفن الذي يعبر عن المستقبل هو بالضرورة ينتمي إلى الفن الحديث، لذلك فإن أعمالاً قديمة كانت نابضة بحس المستقبل ورؤيته، لذلك فهي فنون متقدمة ما دامت تعبّر عن روحية الإنسان وانشغالاته المستقبلية. حتى ان رسومات الكهوف قد تعبر عن هموم البشر.

بل ان هذه الأعمال المتقدمة في موضوعاتها هي التي هيأت الطريق نحو ظهور التيارات الفنية، وخاصة النهضة الايطالية التي بصمت تاريخ الفن. ولم تقتصر تلك الرؤية المستقبلية على الفن التشكيلي بل تعدت إلى الموسيقى والعمارة والفلسفة وكل أشكال التعبير الأدبي والفني. وما الحركات الفنية التي ظهرت مثل المستقبلية والسريالية والدادائية وغيرها ما هي إلا شكل من أشكال رؤية المستقبل بشكل أو بآخر.