الولوج إلى فضاء الأعمال المقدمة للدورة العاشرة من بينالي الشارقة الدولي للفنون يتطلب نوعاً فريداً من الحياد الفكري والعاطفي للتعاطي مع أكثر من 100 عمل فني يعتمد أساليب مختلفة في التشكيل، لكن يغلب عليها المفاهيمي والتركيبي، بالرغم من أن تنويعه أعمال البينالي هذا العام عولت كثيرا على استخدام الفيديو مع وجود برنامج سينمائي خاص. فالأعمال هذا العام تبدو منداحة باتجاه الذاكرة.
وباعتبارها حاملة لقيمة تتجاوز التاريخي إلى التراكم الخبراتي، وكأن كثير من الفنانين يسعون إلى جرنا إلى الوراء بهدف تأمل اصل الحكاية القائمة الآن، أو بهدف إمعان النظر في أحوالنا الحالية .
أكثر من 119 فناناً من 36 دولة عبر العالم قدموا أعمالاً تشمل الفنون البصرية والسينما والموسيقى وعروض الأداء والمحاضرات والإصدارات انطلقت من يوم السادس عشر من شهر مارس الماضي واستمرت حتى 15 مايو الجاري. قدمت هذه الأعمال في فضاءات متعددة في مدينة الشارقة، من متحف الشارقة للفنون إلى منطقتي الفنون والتراث إلى سينما الحمرا ومعهد الشارقة للفنون المسرحية وصولاً إلى ملعب الكريكت.
وفي تصدير القيمين على أعمال البينالي كانت بادية تلك النية الفنية المبيتة للخروج بحالة فنية تستمر حتى منتصف الشهر، في بيئات مختلفة تعيد من خلالها أعمال الفنانات أحيائها من جديد. خصوصاً وان العنوان الذي طرح للدورة العاشرة يستفيد من فعل جمع الأضداد، إذ يقدم القيمون أعمال الدورة العاشرة تحت مسمى (حبكة لبينالي)،.
هي في الأصل مؤامرة جريئة وذكية من اجل دمج المشاركين من الفنانين في حيز واحد وجعل أعمالهم الإبداعية المختلفة تبحر في قارب واحد، هو قارب الجمال المتكئ على مفاهيمية تستنطق الممكن من اجل إشاعة الرمز والدلالة ودفع المتلقي إلى مساحة من المحرضات على التفاعل،.
فهذه الحبكة التي أريد لها أن تجاور الموسيقى بالفن الدرامي والأدائي إلى جانب الرسم والتركيب والقراءة وممارسة الحوار البناء والآخر التصادمي، تسعى هذه الحبكة لجعل الفنون جميعا تتداخل وتتشابك لخلق المناخ العام لمظاهر الدورة العاشرة فتلك الأعمال التي ستنزوي في أماكن متفرقة في المدينة وعبر الغرف والبيوت والأزقة والميادين العامة يراد لها أن تشعل فتيل الحماسة للتلقي ولقبول تجاوز لغة الجمال إلى ما هو فكري وصادم ومحرك.
جمع بينالي الشارقة تحت رايته هذا العام عدداً كبيراً من الفنانين والأعمال الفنية وبرنامجا غنيا ومتنوعا يشمل الموسيقى وعروض الأداء والندوات والمحاضرات الثقافية والإصدارات، إضافة إلى أفلام سينمائية تم تمويل إنتاجها خصيصاً لكي تعرض في إطار و مجموعة واسعة من الأعمال الفنية في مختلف الحقول الفنية يتم عرضها في أماكن مختلفة من مدينة الشارقة، تشمل فضاءات جديدة أنشئت خصيصاً للبينالي جنبا إلى جنب مع العديد من المواقع التاريخية المهمة في المدينة.
على الجانب الآخر كانت الأمسيات الموسيقية في ساحة بيت الشامسي التراثي، تشكل إلى جانب الأعمال الفنية فضاء للاستغراق التأملي فقد استضافت الدورة العاشرة للبينالي ثلاث أمسيات موسيقية تحت عنوان (مقطوعة لبينالي) تتمحور هذه الأعمال حول النشاط الإبداعي المركب بين الفنانين والموسيقيين في حوار فريد ومعمق يستخدم الفضاءات التي تقدمها المدينة حيزاً للتعبير والأنواع الموسيقية بتعددها، ابتداء من نمط (الغريوت) في غرب إفريقيا والجاز الحر والروك المعاصر أو البديل وموسيقى الغناوى الروحية في إفريقيا.
الفنون الأدائية هي الأخرى كان لها حيز في البينالي عبر (فطر وورق تين)، الذي صمم رقصاته عمر راجح، وتؤدي رقصاته التعبيرية فرقة مقامات اللبنانية، ورافقت الرقصات موسيقى عازف الغيتار والعود المبدع محمود تركماني، وغناء فادية طومب الحاج.
(حبكة لبينالي) التي أريد لها أن تكون عنوانا مختصرا وملخصا لفعاليات الدورة العاشرة سعت إلى خلق مقاربة تستعير بنية الفيلم وتتقاطع مع إيقاع الحركة التاريخية المستمرة للتجارة ولتعدد اللغات في الشارقة، يتكامل نسيجها البصري واللغوي من مفردات متآلفة.
لغة مبتكرة تقترح مرادفات اخرى للمعنى، يتقاسم الأدوار فيه الخائن والمتعاون والمجرب والمترجم، كل يبتكر دوره الخاص مستعينا بمنظومة من الكلمات: الضرورة، التفاني، الإفساد، الترجمة، التجارة.. وهذه الحبكة التي أريد لها تتسع فتحت مجالا مهما للفنانين للتعاطي بحرية تامة مع ما يجري في العالم ومن حولنا، وهذا ما أكدته العديد من الأعمال التي شاركت في الدورة العاشرة من البينالي..
فالندوة التي أقيمت حول الترجمة كانت تبحث في الخيانة العظمى التي يرتكبها المترجم دون قصد وهو ينقل شروحات اللوحات من لغة إلى لغة وكيف يتم تدمير المعنى وخيانة رمزيته نتيجة التواطؤ مع خيارات اللغة، وغيرها من الأعمال الفنية التي راحت تستعيد من دفتر الذاكرة محطات تاريخية كانت قاسية على الإنسان.
حيث تنتصر أكثر الأعمال الفنية في البينالي لصالح هذا الإنسان المسالم التي تطحنه السياسية وديكاتورياتها التي تخلقت عبر التاريخ، في المقابل تنتصر أعمال أخرى مجاورة، لحركة التجارة التي أسهمت بشكل كبير في نقل الثقافة وفي خلق مناخ مسالم لحوار الثقافات وتلاقحها التلاقح الأمثل الذي يؤسس لبيئة حية وفاعلة للإنسان تهيئ حياته لشيء من السكينة والرخاء وتدفع عجلة التنمية إلى الدوران المستمر.
إن القارئ لأعمال بينالي الشارقة في دورته العاشرة يخرج منتصراً للإنسان ولسلامه أولاً وأخراً، بالقدر نفسه الذي يخرج فيه محملا بحصيلة من المعلوماتية التي تكشف عن مدى القمع والظلم الذي يتعرض له هذا الإنسان..
فلسطين وأهل فسلطين الذين نكبوا بالاحتلال الصهيوني ستكون هناك، حاضرة عبر كاميرا المراقبة التي يرصدها احد الأعمال الفنية ليكشف عن مدى القسوة التي تمارس على الإنسان الفلسطيني، الغربة واحدة من المفردات التي تحضر عبر سلسلة من الأعمال، البيئة هي أخرى كانت محكا لعدة أعمال فنية، البيوت المهجورة، ثورات الشعوب، مشانق الإعدامات وحياة الممثلة سعاد حسني وغيرها من المواضيع التي وجد فيها الفنانون مادة تستحق الإضاءة وإعادة تدوير الحديث الفكري حولها.
رحلة ليل
من الأعمال الفنية التي عرضت في متحف الشارقة للفنون عمل يحمل عنوان (رحلة ليل) للفنانة جمانة اميل عبود وهو عبارة عن عمل مركب من رسوم وشريط فيديو ومنحوتة ضخمة على طريقة الاوريغامي، يتتبع هذا العمل قصص الحج والعبادات ويركز على رموز التواصل مع الظواهر الخارقة للطبيعة والبشر، إذا يستعين العمل بالفلكلور الفلسطيني والشعائر الدينية والتعاويذ والأماكن المقدسة في فلسطين ليتحرى دور الغموض منذ قديم الأزمان، في محاولة لكشف الازدواجية التي تجمع بين النور والظلام والبراءة مقابل الشر والتناغم الكوني والفوضى..
المراقبة
يختار الفنان جان لوك مولين في عمله المكون من نباتات وصور فوتوغرافية مطبوعة مسألة المراقبة حينما لاحظ في العام 2004 سويقة من شجرة الباولينا تكل من شق في الإسفلت في باريس بجوار وزارة الاقتصاد، وقج أحيطت هذه النبتة البرية بسور يحميها ويحيط بها من جانبي الرضيف، وقد بدأت التجربة في 26 نوفمبر 2004 وانتهت في ديسمبر 2010.
حيث نمت للشجرة جذور متينة تمتد بطول 30 مترا حول الجذع الام، مما يمكنها بالتالي من النمو السريع ويمكن لهذه النبتة أن تنمو من قطعة صغيرة من الجذر أو الساق مما يجعلها من الفصائل التي يصعب التخلص منها، يقول الفنان جاك لوك مولين في معرض تعريفه بعمله الفني هذا في بطاقة التعريف: ( تشير عبارة فيجيبيرات) إلى نظام إنذار فرنسي للأمن القومي تحسبا لأية تهديدات أو ردود الفعل حيال الاعتداءات الإرهابية،.
وتظهر قصته كيف أن بعض الإجراءات وان جرى تقديمها على انها استثنائية تصبح مبتذلة بمجرد دخولها حياتنا اليومية، مثل حاويات القمامة الشفافة والعساكر المدججين بالأسلحة في الشوارع والإجراءات الأمنية التي تزداد صرامة يوما بعد يوم، والمواطن البسيط يعيش تحت نظام المسؤولية المشتركة عن الأمن مثله في ذلك مثل العسكري المدجج بالسلاح..
يربط مولين بين تلك الشجرة التي تنبت رغما عن الظروف، وبين النظام الأمني الاستثنائي الذي يصبح اعتياديا مع مرور الوقت لكي يؤشر إلى متواليات الإنسان في صراعه مع بقائه وخيانة هذا البقاء.
خمسة وعشرون لوحة
عنوان معرض للفنان الراحل فاتح المدرس (1922 ..1999) وهو المعرض الذي احتفت به الدورة العاشرة لبينالي الشارقة وأردت من خلاله أن تبقى على تواصل مع هذا المبدع الذي ترك سلسلة من الأعمال التشكيلية الرائدة والتي تشكل ركيزة من ركائز الإنتاج الفني في مرحلة من مراحل التشكيل العربي، فالمدرس من أهم مؤسسي الحداثة في العالم العربي، ارتبط تفرد لغته التصويرية الأساطير والأرض والقصص الشعبية، وكان المدرس رمزاً فاعلاً لأجيال عديدة من الفنانين في سوريا، ويضف أسلوبه قائلاً :
انه يبدو صبيانيا، إلا انه ليس كذلك، يستطيع الناظر أن يرى في رسوماتي مدى حبي للبشر، فانا أقف في فني إلى جانبهم عندما تزعجهم قوة القدر والأنظمة المستبدة).. ويشير كتيب بينالي الدورة العاشرة عن المدرس، انه بالإضافة إلى عمله في الفنون المرئية والتشكيلية كان مدرسا وشاعرا وكاتبا.
أعمال توجتها المنصة
في مساء السادس عشر من مارس كان هناك ثلاثة فنانين مشاركين في مسابقة البينالي على موعد مع التكريم والفوز، فقد ميزت لجنة الحكم أعمالهم الإبداعية باعتبارها أفضل ثلاثة أعمال تنتصر للفن المفاهيمي والتركيبي والرسم، أما القاسم المشترك الذي جعل من لجنة التحكيم تدفع بالأعمال الثلاثة إلى منصة التكريم.
فهي الفكرة الأساس التي تتبع الإنساني في تفاصيل الحياة اليومية وتغمس الرمز في بحيرة الدلالات بغية الوصول إلى صرخات مدوية لإدانة واقع ما، هو واقع الإنسان حينما يصبح هذا الواقع مريرا وقاسيا. عمران قريشي ورانية اسطفان وتريشا دونللي، الثلاثة احتلوا المراكز الثلاثة الأولى وفازوا بجوائز الدورة العاشرة من بينالي الشارقة هذا العام، فيما نوهت لجنة التحكيم بعمل جلال توفيق وبعمل الفنان الشاب ريان ثابت.
وقد أسس الفنان قريشي عمله الفني في ساحة بيت السركال على قيمة فنية تبدو قريبة من الأحداث التي تعصف في المحيط العربي، فبعد أن أصبحت عدد من الشعوب العربية تأسيس ميادين تحرير لها ضد القمع والظلم وكبت الحريات في الساحات العامة،.
وبعد أن شهدت هذه الساحات سيلان الدماء، يبدو عمل قريشي قريبا من هذا المناخ، فهو يلطخ ساحة بيت السركال باللون الأحمر، دلالة الدم، لكنه في الوقت نفسه تبرز من بين حالة المذبحة تلك وريقات لزهور بيضاء تشي بالفرح والأمل والحياة..على الجانب الآخر ذهبت تريشا في عملها الذي أسسته في احد البيوت الأثرية المهجورة في مدينة الشارقة لتبحث عن استنطاق الأمكنة الخالية وإعادة بعث صوتها..
فالبيت المهجور تكسر صمته مؤثرات موسيقية، قد تبدو باعثة على الخوف، لكن في الوقت نفسه، يمكن استشعارها وكأنها حديث متواصل لتلك الجدران التي بقيت في انتظارها الطويل تحتفظ بصوتها الخاص، أو كأنها تمارس احتجاجها على واقعها الحالي الذي أحالها إلى الهامش وسط مبان حديثة تعج بالناس والحياة..
أما الفنانة رانية اسطفان، فقد توجهت إلى اختفاءات الممثلة المصرية الراحلة سعاد حسني لتحاول تتبع السر الذي دفع عملاقة السينما العربية إلى الانتحار، ام انها قتلت، كما ارادت اسطفان ان يمثل عملها الذي هو عمل مونتاج لعدد من أفلام الممثلة سعاد حسني أن تعيد الضوء والظهور لمرحلة من تاريخ السينما المصرية التي قدمت إبداعات فنية مهمة.
(قلبي يحدثني)
ارادت حبكة الدورة العاشرة من بينالي الشارقة للفنون ان يكون هناك حضورا خاصا للموسيقى يتناسب وشعارها المرفوع الذي يعنى بتجاور الفنون المختلفة وخلق حالة من المزاوجة الخلاقة، وفي ساحة بيت الشامسي، خلال المساء كانت السوبرناو نعمى عمران بمرافقة فرقة موسيقية منتقاة من مجموعة فنانين موسيقيين، تدفع التجريب باتجاه مساحة اوسع تتيح التقارب الانساني، متكئة على ادائها الرائع ومقدرتها الصوتية الفذة.
وهي تنقل القدود الحلبية، والموروث الغنائي العربي إلى مناخات عالمية لاداء السوبرناو والجاز وآلة الغيتار والبيانو، إذ تندفع كلها باتجاه الحالة الشرقية في الموسيقى، مستندة إلى الابيات شعرية لأبن الفارض، في مزيج يعبر إلى الانساني متجاوزا البيئات الخاصة.
والحدود والثقافات، وقد تفاعل ضيوف بينالي الشارقة، الذين هم من مشارب مختلفة مع تلك المقطوعات الموسيقية وصوت المطربة السورية نعمى عمران وأدائها في المنطقة الصعبة من فسحة الصوت.. موسيقى تجريب، تذهب بعيدا في تداعياتها لتؤكد ان الابداع هو عملية اعادة استنتاج واعادة تدوير واعادة بعثرة ورصف، وهو ما يتماهى مع شعار بينالي الشارقة هذا العام (حبكة لبينالي)، وتمازج الابداعات التشكيلية بالموسيقية بالادائية.
فيلم
وضعت حبكة لبينالي هامشا سينمائيا غنيا بالافكار المصورة ومن بين هذه الافلام التي عرضت في قاعة معهد الشارقة للفنون المسرحية فيلم ( ماروون تتحدث في المنتزه) من سلسلة الحداثة والجماليات في افريقيا السوداء الجديدة.. والفيلم ل انطونيو خوزيه جوزمان ومدته خمس دقائق، ويصور هذا الفيلم النضال من اجل لغة بصرية مشتركة ما بين التقاليد المارونية الهولندية السورينامية.
والتعبير عنها في هولندا بغرض كشف صلات غير متوقعة ما بين التاريخ وما بعد الكولونيالي والرأسمالية المعولمة، صنعت الهوية السوداء حسبما اقترح بول غيلروي، من خلال تبادل للرموز والافكار ضمن مثلث القارات، افريقيا واوروبا والاميركيتين..
ويتناول الفيلم ايضا الطابع الماروائي للسفر والتوق، والحركة المستمرة، والشتات، اما حاشية الفيلم النصية فتتشكل من مقتطفات من قصيدة (اللغة المرمزة) للفنان الافريقي، الاميركي سول ويليامز يصف فيها التوترات ما بين جماليات الشتــات والاصـــوات ما دون الوعـــي والايقاعـــات الموروثة.