ما زالت الأوابد تحاكي بعظمتها الناس، على مر العصور، لما تحلت به من ديمومة، خاصة وأنهم استخدموا العديد من الخامات التي تغلبت بقوتها على تقلبات الطبيعة، وعلى الحروب التي جرت عبر التاريخ. وتحت مسمى «روائع بلاد الرافدين»، جمعت ثلاث حضارات، سردت بآثارها قصة ثلاث ممالك، وهي سومر وآشور وبابل.

 

كانت سومر تحتل الجزء الواقع في أقصى جنوب بلاد الرافدين، وخلال الألفية الثالثة قبل الميلاد انقسمت المنطقة إلى سومر في أقصى الجنوب، وأكاد في الجزء الشمالي.

 

وكانت اللغتان السائدتان آنذاك، السومرية والأكادية، ومن ذلك الزمن عرضت الكثير من التحف، التي تدل على التاريخ المبكر لبلاد الرافدين، وحتى بداية الألفية الثانية قبل الميلاد، إذ كشفت الحفريات العصرية عن مبان لمعبد ضخم تم بناؤه، ومن ثم إعادة بنائه على مر العصور.

 

كما وجد مخطوط يعتبر هو الأول في العالم على الأرجح، على شكل ألواح من الطين التي عثر عليها في أحد المعابد في أوروك، وتمت الكتابة بضغط ما يشبه القلم المصنوع من القصب على لوح من الطين الطري، لتشكل الحافة الحادة من القلم أشكالا تشبه الأوتاد أو المسامير.

 

وهو ما يفسر تسميتها بالكتابة المسمارية، وكان أول استخدام معروف للكتابة المسمارية في ضبط الحسابات الرسمية، وتسجيل الحسابات الإدارية، لنقل المواد الغذائية مثل الحبوب، وتخصيص حصص.

 

وفي المعابد كان يتم رسم علامات تصورية على لوح الطين، ولكن هذه العلامات سرعان ما تطورت إلى مجموعات من الأوتاد الرأسية والأفقية والمائلة، وتم اختراع الكتابة السومرية لتدوين اللغة السومرية، ولكن تم تكييفها لاحقا لكتابة اللغات الشامية في بلاد الرافدين، مثل الأكادية والبابلية والآشورية.

 

آلية ونقوش

كما ارتبط اختراع الكتابة المسمارية على ألواح الطين باختراع الأختام الأسطوانية، التي كانت تستخدم كأدوات إدارية يتم دمغها على سطح ألواح الطين المسمارية وقطع الطين التي كانت تستخدم لتأمين أبواب المستودعات والمخازن، واستخدمت هذه الأختام في جميع الأماكن التي تم فيها اعتماد الكتابة المسمارية،.

 

حيث ينحت سطح أسطوانة من الحجر أو أي مادة صلبة أخرى، وبتدوير الأسطوانة على الطين ينطبع تصميم من النقوش على اللوح، وكان صاحب الختم وهو عادة إداري أو مسؤول، يضع الختم في خيط أو دبوس، ولهذا الغرض تم نحت ثقب يتخلل الختم من الجهتين، وتعتبر الأختام الأسطوانية قطعا فنية صغيرة.

 

أما السمة الأبرز التي كانت وراء الأعمال الفنية في «سومر» إنها صنعت لتكون مخصصة للتقرب من الآلهة في المعابد، فقد وضعت الرسوم الجدارية، إلى جانب التماثيل الحجرية لإظهار إخلاصهم لآلهتهم، وعدد من هذه التماثيل كان مجهول الهوية، ولكن من خلال بعضها الآخر يمكن معرفة اسم صاحب التمثال.

 

وفي الحفريات التي قام بها عالم الآثار البريطاني السير ليوناردو وولي، وجد كميات كبيرة من المجوهرات التي يرتديها الأشخاص المهمون المدفونون في المقابر. وكان معظمها مصنوعا من الذهب، بما في ذلك الأواني والخوذة التي تخص احد الملوك. كما أظهرت الاكتشافات استخدامهم للأحجار الصلبة والداكنة في صناعة تماثيل الملكة، وغيرها من المنحوتات خلال ذلك الوقت.

 

آثار بابل الخالدة

من بابل عرضت مجموعة من القطع الأثرية التي تبرز أهمية تلك المدينة التي لم يرد ذكرها لغاية الألفية الثانية قبل الميلاد، حين بدأت تحقق تطورا ثقافيا يوازي أهيمتها السياسية، وذلك عندما نجح نبوخذ نصر الأول، في استرداد تمثال مردوخ من سوسة ليصبح بطلا لا يشق له غبار.

 

وكانت مدينة بابل مركز إشعاع ثقافي وديني في بلاد الرافدين، وربما بلغ الفن أوجه عندما قام نبوخذ نصر ووالده بإعادة بناء مركز بابل، وترك آثارا خالدة مزخرفة بنقوش من القرميد الأزرق، الذي توهجت ألوانه تحت شمس بلاد الرافدين الساطعة مقابل الألوان الترابية للعمارة الطينية التي كانت سائدة في المدينة،.

 

وكانت طريق المواكب التي يسلكها زوار المدينة، عبارة عن شارع عريض تزين جدرانه نقوش تصور مجموعة من الأسود، وقد استخدم عمال البناء، في بابل قوالب الطين لنقش هذه الصور المعبرة، بقياسات ضخمة لم تكن مستخدمة في ذلك الوقت، ومرت طرق المواكب عبر بوابة عشتار،.

 

وهي بوابة ضخمة مغطاة بالطوب الأزرق، وصور الثيران والتنانين، إذ ارتبطت هذه الحيوانات بالآلهة. كما بنيت الحدائق التي كانت رمزا للقوة، ومصدرا للبهجة، وقد ذكرت حدائق بابل المعلقة ولكن لم تحمل أيا من النقوش العديدة التي صورت تلك الأعمال، أي من هذه الحدائق، وهو ما يثر التساؤل: هل كانت موجودة بالفعل أم لا؟

 

وقد دهش الإغريق بالمشاهد الطبيعية الخضراء، وثراء البيئة الزراعية التي تم تدعيمها بنظام ري متطور، ليستغرق الأمر بعد فتح الإغريق لها بقيادة الإسكندر الأكبر، أكثر من ألف عام، لتتحول من مدينة كبيرة للإسكندر، إلى مجرد قرية صغيرة، جاء على ذكرها الجغرافيون العرب في القرون الوسطى.

 

ومع مجيء الأوروبيين إلى المنطقة، كانت تلك القرية الصغيرة، قد اختفت أيضا، ولم يبق اسم بابل المرتبط باحد التلال التي تخبئ تحتها المدينة العظيمة، سوى علامة تشير إلى تلك الحاضرة التي كانت في يوم من الأيام أكبر وأقوى مدن العالم.

 

الحضارة الآشورية

في الجزء الأكبر من المعروضات التي تعود لحضرة بابل، تبدو الأعمال الفنية الأساسية والثانوية سهلة الفهم، إلا أن الحقيقة أنها وجدت لأغراض أكثر تعقيدا، من ما تبدو عليه، خاصة وأنها استخدمت لغة بصرية، ومعاني لم يتمكن علماء الآثار من فهمها حتى الآن.

 

إذ من الممكن أن تقدم تلك النقوش والرسائل والوثائق الإدارية والتجارية وأيضا المراسلات الخاصة، فكرة مفصلة حول الممالك في الشرق الأوسط القديم.

 

ومن المعروف أن الرسائل وغيرها من السجلات المكتوبة التي تتناول الحياة اليومية، نادرا ما كانت تصل من العهود القديمة، وتتضح الأسس التي قامت عليها أيديولوجية الملكية الآشورية من خلال النقوش الآشورية.

 

وإلى جانب بناء قصور قديمة عوضا عن الحديثة، ركزوا على قضايا تعتبر حداثية في زمنهم، مثل قصة الملك دلمون في زمن سرجون الثاني، الذي عاش وحيدا كسمكة وسط بحر، كما تم العمل على تجهيز العديد من العربات القتالية.

 

وزيادة عدد الجيوش وترويض الطبيعية، وبما أن الملك الآشوري كان الرئيس الأعلى للدولة، فإن تصويرة كحاكم قاهر على رأس جهاز الدولة ربما كان مضللا، أما حاشية الملك في الفن الآشوري فكانت قليلة نسبيا، ومقربة، ذلك لأن قبول التعيينات في الوظائف الرفيعة كان محصورا بالملك نفسه.

 

وفي بعض المواقع تم العثور على أغنى وأهم الآثار الفنية في المنطقة العربية، إذ تضمنت القصور الآشورية مجموعة من القاعات والحجرات الضيقة المحيطة بمجمعات من الباحات الواسعة والمفتوحة، وزينت المداخل بمنحوتات حجرية لمجموعة متنوعة من المخلوقات، وكانت بمثابة التعويذات.

 

كما أدخل الآشوريون أسلوبا خاصا على فنهم في الزخارف والديكور والحركة، وأضافوا النقوش على الاستخدام المفصل للخطوط والتفاصيل، وعلى مر الزمن تطور الفن الآشوري بشكل كبير، وتجلى هذا التغيير في تمجيد أفعال الملك، سواء في الحرب أو في رحلات الصيد،.

 

ففي مشاهد الحرب يظهر الملك يطارد بعربته الأعداء الفارين، ويعود منتصرا من معركة مظفرة، وغيرها من مشاهد تم فيها التركيز على التفاصيل المحيطة بالملك مثل الزي والعربات وغيرها، كما سعى الفنانون الآشوريون إلى تمثيل كل ما هو جديد أو غير عادي، عندما يظهر طرفا محور عربة بشكل مضلل، على أنه جزء من القسم الأمامي من مقصور القيادة.

 

وضمت قصورهم منتجات آشورية من الزجاج والفخار، ومجموعة واسعة من الأطباق البرونزية المنقوشة من فينيقيا، وأختاما ووثائق رسمية ومكتبة تعد من أبرز عجائب مملكة آشور، حيث ضمت أدلة تشير إلى ثراء لا مثيل له في الأدب والعلوم، والسحر، والدين في بلاد الرافدين.