عند كلمة ما ستنتهي القصيدة، مثلما تبدأ بكلمة، وكذلك الرواية التي تبدأ بكلمة لجملة تطول وتقصر، ستنتهي كذلك بجملة الختام التي تفسر أحداثا استمرت على مدار صفحات احتوت مجمل أحداثها، وهو ما يدفع للتساؤل أليست النهاية بدايات جديدة، أم أن النهايات رسمت وجودها من قبل، متزامنة مع بداياتها؟
من زمن بعيد تنبهت الروائية الانجليزية جورج إليوت (1880) إلى النهايات، وقالت: (إن النهايات هي النقطة الأضعف، لدى معظم المؤلفين لكن ذلك قد يخضع للفترة الزمنية التي يعيشها المؤلف، وعلى سبيل المثال كانت نهايات الرواية في العصر الفيكتوري، صعبة ومزعجة للروائيين والروائيات الذين كانوا يخضعون لسطوة دور النشر، والقُراء إذ يميل هؤلاء إلى النهاية السعيدة في الأعمال الروائية، إلى جانب الروايات التي تعتمد على الصدفة والنهايات المقنعة للقارئ. إذ لكل مبدع نهاية مع عمله يحددها محكوما بأمور مختلفة. ومن هنا التقت «مسارات» مع عدد منهم ليكشفوا عن قوانين نهايتهم.
نهاية مخالفة
الروائي الجزائري واسيني الأعرج، تحدث عن نهايات أعماله قائلا:(لا يوجد نظام موحد بالنسبة لكل الروايات التي أكتبها، وفي الكثير من الأعمال يكون النص متكاملا، ومستوعبا الهيكل العام، فتأتي النهاية كجزئية عامة من كل هذا، ولكن في الكثير من الأحيان، وأغلب الأحيان قد أخطط لنهاية، لأصل إلى نهاية أخرى لا تشبه الأولى، ويأتي هذا لأن المتغيرات، النصية التي تحدث في النص في بدايته وهيكله، حتما تؤدي لتصليح نهاية كانت مفترضة، بدون المعطيات السابقة، لكن لما دخلت المعطيات السابقة كعناصر مكونة في النص فالنهاية تغيرت وأصبحت، نهاية أخرى). وأوضح الأعرج:
«اشتغل الآن في رواية جديدة اسمها (أصابع لوليتا)، تعتمد على لغة اليد في هذه الرواية كنت قد شكلت نهاية، وفي هذا العمل الذي أشتغل عليه من ستة أشهر تقريبا، كان لدي بالفعل نهاية معينة، لكن في لحظة من اللحظات نسفت هذه النهاية التي فرضت نفسها لتأتي بشكل طبيعي، مع النص وطلعت معي أخرى لا علاقة لها بمسار النص مطلقا، وأصبحت هناك نهاية ثانية لشخصيتين تحبان بعضهما البعض، رجل آيل إلى الزوال عمره قارب السبعين سنة، وامرأة قادمة إلى الحياة عمرها عشر سنوات تعمل عارضة أزياء، وتقوم بينهما العلاقة على أساس تناقضي فهو رجل كبير في السن.
وفي الوقت نفسه مرتبط بالحياة بشكل قوي، وهي صغيرة في السن وعندها مشاكل تجعلها ترغب بالانتحار، في السقف الصراعي يلتقيان، لكن بالتدريج تتكون العلاقة، وتنشأ علاقة حب بينهما، لأخرج بشيء مختلف يوصلني لشيء مختلف آخر، وهو ما منحني نهاية مخالفة تماما لما وضعت في البداية، وإذا أحببت أن أقول: يجب أن يكون للكاتب منارة وإيقاع، يمشي عليه، ولكن في لحظة من اللحظات لا يتحكم به، وربما ينسفه بشكل جذري».
وقال الروائي التونسي حسونة المصباحي:
(كل مرة تأتي النهاية بشكل مختلف وأثناء الكتابة يأتي كل شيء، وعندما أكتب تأتيني أفكار مختلفة، غير مخطط لها، وتأتي كذلك النهاية بدون أي تخطيط مسبق لها. ولا أغير أبدا النهايات التي أصل إليها عادة.
حسن الختام
وللشعراء تعامل آخر مع نهايات قصائدهم، وعن هذا قال الشاعر التونسي المنصف المنزغني: «ما يسمى بقفلة القصيدة هي مشكلة، مثل مطلع القصيدة، هذه القفلة ربما تحيل القارئ، إذا كانت ناجحة، إلى بدء القصيدة من جديد، الشاعر وهو يشتغل على قصيدته لا يعرف نهايتها، أو يعرف نهايتها، ولذلك عليه هو أن يشعر القارئ بأنه يعرف نهايتها، وهذا موضوع يتعلق بالصنعة الشعرية، والشاعر الحاذق هو الذي لا يجعل نهاية القصيدة، مغنية عن كل القصيدة، فلا بد أن تكون القصيدة في انسامجها الجمالي تحيل بمنطق الشعر إلى هذه القفلة.
وحول الاختلاف في التعامل مع النهاية بين القصيدة والرواية، أكد المزغني أن النهاية في الرواية لها الإيقاع الذي يقوم على حسن الختام، نفسه. ولابد أن يخرج القارئ مصدوما صدمة إيجابية، أو مدهوشا، حيث يضطر في الشعر إلى إعادة قراءة القصيدة من الأول، وهنا يكمن النجاح أما أن تكون مجرد كلمة تشبه النكتة، والتي إذا أعيدت نحن لن نضحك، وهذا ما يضطر الشاعر إلى إعادة النظر في وضع نقطة النهاية، وشاعر قد يضع نقطة النهاية لقصيدة، وإذا به وهو يعيد التأمل من جديد يكتشف أن هناك نهاية أجمل أحيانا تتعدد عليه النهايات، وهنا قد يستشير قراء لا مرئيين.
أو قد يستشير أصدقاء له لكنه هو الذي يقرر، وقد يكون قراره سيئا، وهذا يتوقف على قوة الموهبة، ورهافة الحس، موضوع النهاية هذه قد يكون يختلف عندما يكون الشاعر، وهو يشتغل على القصيدة، يريد أن يطيلها مثلا، لكن القصيدة تقول هذه هي نهايتي، هنا أنتهي، فإما أن يمطط ويطرب، وهذا مناف للفن، سواء كان رواية أو شعرا، أو أي عمل آخر، الفن يريد ما يحتاجه بالضبط، لا يريد تمطيطا ولا نهاية مصطنعة، لأن النهاية المصطنعة إذا أعدنا قراءتها فإننا نتفطن لها، علينا أن نتعامل مع النهاية كأنها ولدت هكذا، القصيدة أحيانا تنقفل على نفسها، وتمتنع عن أي إضافة وهذا شيء جميل.
إيحاء
وعن رأيه بنهايات الأعمال الأدبية، قال الناقد المصري الدكتور صلاح فضل: (يختلف هذا باختلاف الأجناس الأدبية، فالشاعر له منطق في النهايات يختلف عن الرواية والمسرح، أنا أذكر مثلا في بعض المعالجات النقدية للشعر الحديث قدم بعض النقاد، وأذكر على وجه التحديد الدكتور علي الشرع من الأردن، تصورا لبنية القصيدة عند أدونيس الشاعر. وذكر شيئا منهجيات مهما، وكانت ملاحظته ذكية بهذا الصدد، لن أنساها، ذلك لأنها كانت ملاحظة نقدية صائبة، حيث قال:
«في هذه البنية يبدأ القصيدة من حافة ثم تستوي ثم تختم بحافة أخرى، كأنها غناء».
إذاً فبنيـــة النهاية قد تكون مفارقة، أو لابد أن تكون، بطريقة تختلف عن مسار النص وتضاده في بعض الأحيان، وهو ما يحدث مفارقة وأثرا قويا في نفس المتلقي. وأضاف: «يصعب أن تبين ذلك في النصوص الشعرية، والوضع أبسط وأسهل جدا في النصوص الروائية، لأن هناك نوعين من النصوص الروائية، نوع نسميه النص المفتوح، ونوع نسميه النص المغلق، المفتوح لا يضع نهايـــة تختم بها الأحداث إلا وتصلح لأن تكون بداية لأحداث أخرى، على اعتبار أن هذه بداية.
وأن هذه مجرد حلقة في سلسلة حيوية وأن الحياة لا تنتهي، وحتى إن انتهت بانتهـــاء الأشخاص فإن طبيعة امتداداتهـــم البيولوجيـــة فهـــي في الأبناء والأحفاد، أو المعنوية فهي في استمرار الحياة تجعل النهاية مهما حرص الأديب على أن يجيب فيها على الأسئلة التي طرحها أو يغلق الأبواب التي فتحها، تكون أيضا توحي بشيء من الانفتاح على أبواب أخرى أو أسئلة أخرى، فنهايات الروايات دقيقة وحساسة جدا وهي التي تحدث التأثير الجمالي الختامي للعمل الأدبي، وهي التي تشبع توقع القراء، أو تتركهم في دوامة الأسئلة.
كما أكد فضل أن النهاية تبين رهافة المبدع وحساسيته، وذكاءه، وقدرته على أن لا يقدم معنى كاملا بقدر ما يدفع القارئ لكي يطرح أسئلته هو، ويقترح تصوراته ويأخذ في التأمل، وكأنه ينظر إلى البحر أو السماء. ويضيف:
«أنا أعتقد أن الأعمال الأكثر ذكاء، هي الأكثر إيحاء، والأعمال التي تغلق الطريق بحيث يجد القارئ نفسه أمام حائط في النهاية، هذه أعمال تولد شيئا من الكآبة وتحرم القارئ من أن يقوم بدوره في تنمية خياله هو الآخر وتصور نهايات أخرى للأعمال الإبداعية على أية حال، كما أن عبقرية الكتاب تتجلى في تشكليلاتهم الروائية، ولعلها تتجلى بشكل أوضح وأعمق وأشد تأثيرا، في النهايات التي يضعونها لأعمالهــــم، وتستحق كل نهاية كمـــا تستحق البدايات دائما، توقفا وتأملا نقديا خاصا، لأن لها أثرا بعيـــدا في الانطبـــاع الأخــــــير الذي يخرج به القـــارئ من العمـــل الإبــــداعي.