شارك المخرج المسرحي التونسي المنصف السويسي في الدورة الـ 21 من مهرجان أيام الشارقة المسرحية من خلال العرض الافتتاحي (الحجر الأسود)، من تأليف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، علما بأن إسهامات السويسي في التجربة المسرحية الإماراتية قديمة بقدم هذه التجربة، فلقد أخرج لها الكثير من الأعمال المسرحية على غرار( النمرود) وهي من تأليفه.
ارتبط اسم المخرج المنصف السويسي بالأعمال المسرحية الضخمة التي تقوم على الانتاج الكبير ومشهدية اللغة البصرية والمؤثرات السمعية والسينوغرافية الأخرى، فالجميع يقر له أستاذيته في هذا الميادان لاسيما إذا علمنا أن المسرح بالنسبة لهذا الفنان هو خبز يومي تقتات عليه روح فنان مسكون بالقلق والبحث وتواق للبوح والتعبير والتواصل مع الناس. (مسارات) التقت السويسي على هامش فعاليات أيام الشارقة المسرحية وأجرت معه حوارا حاولت من خلاله تسليط الضوء على جانب من تجربة هذا الفنان الشاسعة والغنية مستطلعة آراءه حول مجموعة من القضايا المسرحية والثقافية في العالم العربي.
في ( الحجر الأسود) أنت تعمل مع فريق عمل إماراتي محلي يتحرك في بيئة يكاد يغيب عنها ما يسمى التكوين الاكاديمي للفنان.. كيف يشتغل المنصف مع مجموعة كبيرة من الممثلين الذين لا يمتلكون أرضية أكاديمية بل يكتسبون حرفيتهم بالخبرة؟
- هذه خاصية فرضت علي منذ أن بدأت حياتي المسرحية، فلم أشتغل مع ممثلين محترفين أو خريجي معاهد، أنا اشتغلت مع شباب من القرويين الذين كونتهم شخصياً، فكنت أستاذا ومعلماً لهم إلى جانب كوني مخرجاً واستمرت معي هذه المسألة حتى الآن، حتى أني عندما درست في المعاهد العليا في العديد من البلدان العربية، كنت دائماً مهتماً بالموهبة، وأعتقد أن أي موهبة قابلة للصقل وقابلة للتكوين، وأنا مع المجموعة التي أشتغل معها هنا سواء في (النمرود) أو في (الحجر الأسود)، وهي مجموعة تتشكل من خليط وليس كل من فيها من خريجي معاهد.. هنالك خريجو معاهد وهنالك من هم تكونوا ميدانياً، ولكن كلهم يحبون المسرح وكلهم عندهم استعداد للتكون وللتأهيل وللكسب المعرفي والمهني ويجمعهم عشقهم للمسرح وأنا لا استطيع أن أعمل إلا مع من يعشقون المسرح.
في هذه اللحظة العربية الساخنة المفعمة بالتغيرات والتحولات في الواقع العربي، هل يمكن أن نرى في (النمرود) أو في (الحجر الأسود) مرآة لما يحدث اليوم؟
- لا، فمسرحية ( الحجر الأسود) تتناول جانبا آخر، تتناول مسألة تشويه رسالة نبيلة وسامية باسم الرسالة، والكاتب هنا يدين الخلافة العباسية،يدين الدولة التي بفعلها وبفعل ميوعتها وظلمها وغير ذلك من المساوئ التي أدركتها، لأنها انحلت ومنعت الفكر وغير ذلك من أسباب السقوط،هي التي شجعت المتطرفين على الاندساس في صفوف الإسلام للقضاء على الإسلام.
كيف تنظر إلى الحركة المسرحية في الإمارات بشكل عام وكيف تنظر إلى تجربة أيام الشارقة المسرحية والشرف الذي حظيت به في أن يكون عملك هو العمل الإفتتاحي لهذا المهرجان؟
- أنا سعيد بأن أمنح هذه الفرصة والثقة وهذه الحظوة، لأن كل مخرج عربي في تصوري يتمنى أن ينال هذا الشرف وأنا متحمل مسوؤليتي التاريخية في أن أتولى هذا العمل وأعتقد أني تمكنت من تقديم خدمة أعتز بها لأنها خدمة إنسانية عظيمة دون مواربة وبصراحة وبوضوح وبشفافية.
ما الذي يضيفه هذا العمل للتجربة المسرحية في الإمارات؟
- كل عمل جديد هو بحث جديد وهو تجريب جديد، من حيث القضية لأول مرة نتناول هذه القضية ومن حيث الفترة التاريخية لأول مرة نتصدى لهذه الفترة التاريخية ومن حيث الكتابة الدرامية ونوع الكتابة عن هذه القضية لأول مرة يوجد نص جديد في العالم هو نص مبتكر والذي يجب أن نفتخر به هو أنه نص عربي مبتكر ويجب أن نعتز بكتابنا ونصوصنا وخصوصا إذا كانت راقية وكانت عميقة مثل نصوص سمو الشيخ سلطان، فأنا في هذه المسرحية جربت سينوغرافية لأول مرة في تاريخي المسرحي على امتداد خمسين سنة ولأول مرة أشتغل بها من حيث السينوغرافيا ككل ؛ وهذا شيء سوف نراه في المسارح العربية مستقبلاً، سيقلدوننا وسنراه يتكرس في المستقبل.
ما رأيك بالحركة المسرحية في هذا البلد؟
- الحركة المسرحية في هذا البلد تتطور،ولكن ببطء شديد وأنا أعتقد أن ما ينقصها هو التواصل والاستمرارية والتواتر. المسرح لا يعيش (بالمناسباتية)،كي يصبح المسرح تقليداً مسرحياً، فهو يحتاج إلى التواتر والاستمرارية ويكون له مواعيد متكررة على امتداد السنة.
ما هي انعكاسات الثورات العربية على المشهد الثقافي في مختلف البلدان العربية؟
- هذه الثورات حررتنا، حررت المثقفين أنفسهم، حررت النخبة، نحن كنا لا نؤمن بالشعب، كدنا نيأس من الناس، كدنا نيأس من الشباب وإذا بالشباب يهب هبا وإذا بالشعب يعطينا درساً لن ننساه بقية عمرنا وعلينا أن نتدارك الأمر وأن نترك الخوف وأن نهب لحماية هذه الثورات وأن ندافع عنها. لأنها ثورات جاءت لتقاوم الجور والظلم والاستبداد واللاعدل.
ما هو دور المثقف والمسرحي بهذا الخصوص ؟
- أن ينتصر للحق، أن يدافع عن العدل عن المساواة عن الحرية وعن الديمقراطية وعن الشعب ينبغي أن نصون الثورة بمسرحين.
كيف يمكن بالملموس تفعيل الحراك الاجتماعي وتوسيع رقعة تأثيره حتى على الحركة المسرحية ؟
- ينبغي أن يكون هناك برامج على المستوى الاستراتيجي،فالبرامج المستقبلية لتحقيق وتأمين نهضة جديدة ومتغير فعلي جديد لواقع جديد، حيث ينبغي أن تبنى هذه الاستراتيجية على المقوم الأساسي وهو المقوم الثقافي، حيث ينبغي أن تكون هنالك ثورة ثقافية وهذه الثورة الثقافية تبنى عليها التنمية المستديمة والتنمية المستقبلية. إذا لم تكن هنالك ثقافة تشكل سلطة رابعة إلى جانب الإعلام فلن تكون هنالك ثورات تحقق التغيير المنشود أو التغيير الحقيقي الذي يجعل الإنسان يرقى إلى إنسانيته ويتحرر من كل القيود الفكرية والسيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها. الإنسان ثقافة أو لا يكون والمسرح هو خلاصة الثقافة لأنه فن تركيبي فن جامع للعلوم والآداب والفنون.
لنذهب إلى الجانب النظري من المسألة.. لنعد إلى مربع المسرح الأول.. المربع الملحمي تحديدا وعلاقة الجمهور بالمسرح والتعاضد الذي يجب أن يتوفر على طول الخط.. هل تعتبر هذه العلاقة ملتبسة الآن أم أنها علاقة متعافية؟
- لا، هي علاقة لاتزال ملتبسة ولكن بفضل الثورات وأتكلم عن البلدان التي قامت فيها الثورات سوف تصحح هذه العلاقة، يعني إذا أردنا إجهاض هذه الثورة ينبغي أن يكون المثقفون في المقدمة للدفاع عن الثورة بأن ينشروا المسرح بكل مكان على أن يصبح المسرح حقا لكل مواطن في أي مكان، وأن يكرس وجود المسرح بصفة يومية بحيث نحقق للمواطن العربي أن يشاهد مسرحية في الشهر، وأن يفتح نقاش بشأن هذا العمل المسرحي، وهذا من شأنه إحداث نهضة كبيرة جداً في العالم العربي، لأن العقول سوف تصقل من الصدأ وتتخلص من القيود، لأنها ستكتشف ما معنى الديمقراطية وما معنى الحوار وما معنى الحرية وما معنى الجرأة النقدية، وهذا ما سيخلصنا مما يكبلنا من الأغلال والقيود.