في ليلة استثنائية في قصر الثقافة بالشارقة كان الشاعر راشد شرار مدير مركز الشعر الشعبي بالشارقة، يلف حوله عددا من محبي الشاعر سالم الجمري، تخليدا لذكرى وفاته العشرين، ومن بين الحضور كان الباحث الدكتور راشد المزروعي والباحث علي المطروشي، اللذان قدما مداخلتين عن منجزات الشاعر الجمري، في الساحتين الشعرية والغنائية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبرغم أن تلك الأمسية قد تغلفت برذاذ الحنين، إلا أن مباضع البحث كانت تفكك البنى المتناهية في الصغر لحال الشعر والشعراء، وموعد ميلاد الأغنية الإماراتية الخالصة
كان المسار الرئيسي لتلك الأحاديث في الأمسية، يشق طريقه باتجاه منجز شعري لازال بحاجة إلى قراءة، وهو شعر الجمري الذي من ركائزه انه وثق للمناطق والأماكن في الصحراء والجبال والتلال وعلى السواحل، لما حفلت به قصائده من ذكر تلك الأسماء، حيث لاحظ الباحثون أنه كثر اعتماد الشاعر عليها في قصائده واهتمامــــه بها، وهو ما جعلهم يطلقون عليه اسم موثق الأمكنة، أو شـــاعر الأمكنـــة، كما أنهم لاحظوا على الجمري ذكره وإشاعته في قصائده لأسماء النساء والفتيات، واعتبروه تغييرا في منحى القصيدة الشعبية التي بقيت محافظة وملتزمة بالعادات والتقاليد.
وسجل البحاث أيضا للجمري كثرة كشفه عن أسماء نساء عديدات في قصائده، ولاحظوا ايضا استخدامه للمفردات الجديدة التي طرأت في اللهجة الإماراتية بسبب متغيرات الثقافة، ومنها دخول اسماء السيارات التي دخلت إلى البلد في العشرينيات والثلاثينيات وما بعدها.. وسجل هذا كله للجمري باعتباره حاد عن القصيدة الشعبية المتعارف عليها بهذه الخروقات التي كانت وقتها خروقات مفاجئة، لكنها مع تعتقها ومـــرور الزمن أصبحت تلك المناوشات الجريئة توثيقا مهما حســـم لصـــالح الجمـــري في النهاية.
علاقة وشغف
وفي تلك الجلسة التي خصها مركز الشارقة للشعر الشعبي، كان الشاعر راشد شرار الذي اعترف أن الشاعر الجمري تنبأ له بمكانة مرموقة في دوحة الشعر وشجعه عليها، وكان شرار يستفز المتحدثين بأسئلة جمة هدفها كشف المزيد من إسرار تجربة الشاعر الجمري وتأثيره على الساحة الشعرية.. لكن الأكثر إثارة فعلا هو ما دار حول أمرين في حياة الشاعر سالم الجمري، وهما شغفه بالوقوف على الجديد وعلاقته ببدايات الأغنية المحلية الشعبية على شاكلتها التي أوصلها إلينا المطرب المعتزل علي بن روغه، ومن ثم ميحد حمد وما بين الاثنين من اسماء لمطربين شعبيين.. إذ أشار الدكتور المزروعي إلى أن الشاعر الجمري هو الذي اكتشف أسلوب الاغنية الشعبية بعد أن تأثر بمطربين سعوديين يغنون لشعراء قصائد نبطية بمصاحبـــة آلة العـــود..
وقول المزروعي إن الجمري كان يلحن الكثير من أغانيه التي اشتهر بغنائها علي بن روغه، كونه أصلا صاحب صوت جميل وصاحب شلات بدوية، وان أول قصائد الجمري التي تحولت إلى أغنيات باللون الجديد للأغنية كانت بصوت المطرب الشعبي السابق علي بن روغه حارب حسن، الذي التقاه الشاعر الجمري، فور عودته من السعودية في الأربعينيات متأثرا بما كان يفعله المطربون السعوديون بقصائد نبطية لمجموعة من مبدعيهم، فقرر السير على النهج وتحويل قصائده إلى أغنيات.
فهـل يحدد التاريخ ميلاد الأغنيــــة الشعبيـة بمصاحبـة العود، القائمة على قصيدة ولحن يعزف على الآلة الوحيدة على يـــد الشـاعر سالم الجمري؟ أم أن حارب حسن كانت له تجربة سابقة وقبل مجيء الجمري باكتشافه من السعودية؟ لا توجد وثيقة تاريخية تحدد هذا الفاصل الحاد، والإجابة لهذا الجواب ولهذا يرجع الفضل في ميلاد الأغنية الإماراتية إلى أسماء ومحاولات صغيرة تبلورت بمساهمات لمطربين يتبعثر فعلهم بين المبتدأ والخبر.
مراحل وأسئلة
في أرشيف الأغنية الإماراتية تقول المدونات، ويقول بعض الذين حالوا تتبع ميلادها، ان فضلا كبيرا يعود للمطرب حارب حسن الذي غنى في ذلك الوقت (الشلة والردح والونه)، وهي أساليب غناء وإنشاد صوتي بشري فردي وجماعي دون مصاحبة آلات موسيقية، فقط بمصاحبة آلة العود.
وكان ذلك كشفا وتجديدا استحسنه الجمهور وأحبه وطلب تكراره بعد ان اقبل عليه.. لكن متى بدأ حارب حسن هذه الخطوة؟ اذ انه من المعروف وبحسب سيرته الذاتية التي تخلو من تواريخ دقيقة، انه اعتاد الغناء بالأسلوب اليمني والحجازي وبعض الأساليب التي انتشرت في المنطقة الخليجية.. وتقول السيرة الفنية المنتشرة عن المطرب حارب حسن، أن أول أغنية غناها بالأسلوب الجديد، للأغنية الإماراتية الشعبية التي تعتمد على قصيدة بمصاحبة آلة العود، هي قصيدة للشاعر ماجد بن علي النعيمي.
حيث سجلت في البحرين.. وهذا يعني أن سالم الجمري قد تأخر في اكتشافه لهذا اللون، وجاء إلى المطرب حارب حسن في الخمسينيات من القرن الماضي ليطلب منه غناء قصائده.. فمن سبق الآخر؟ أو من علم الآخر على السر الجديد الذي سيكون الأغنية الإماراتية التي عرفناها فيما بعد بأصوات بن روغه وميحد حمد ومطربين ساروا على النهج ذاته؟ تبقى الأسئلة محيرة لسبب وحيد، وهو ان خلل التدوين في تلك الفترة يلقي بظلاله على حاجات الباحث الآن، إذ ان التدوين والتأريخ يطاله الكثير من الكلام الإنشائي، والتعاطفي ولا يعمل بمفردات علمية دقيقة.
وهذا لا يعني أننا ننسف الجهود التي سعت إلى تقصي حقائق البدايات في تاريخ الأغنية المحلية، ولكن نؤشر إلى نقص وحاجة ماسة إلى إعادة تتبع المسار لتحديد الانعطافات ومكانها وزمانها، بالدقة التي يتطلبها التاريخ وأمانة التسجيل.وفي تلك الجلسة التي نظمها مركز الشارقة للشعر الشعبي بتاريخ 29 مارس 2010، كان الشاعر راشد شرار ينتظر دوره لكي يلقي قصائد للشاعر سالم الجمري، فالشـــاعر شرار له أسلوب مميز في إلقاء الشعر، ولقد نجحت له برامج إذاعية عديدة منذ سنوات، وكان سببها أسلوب تقديمه وأسلوب تعامله في إلقاء الشعر. وراشد شرار في تلك الليلة لم يقاوم أمرين: نبش الأسئلة حول سيرة وتفاصيل حياة الجمري، انتظار دوره لكي يقرأ بصوته قصائد شاعر أحبه وأعجب به.
الجمري نوخذا ومصور
في سرد سيرة الشاعر سالم الجمري يتبين انه شخص مكافح وحالم، ففي صباه أخذه والده وهو في العاشرة من العمر إلى رحلات الغوص، ومثلت رحلات الغوص على اللؤلؤ لهذا الشاعر الحالم، مدرسة حياتية غزيرة بالتجارب، حتى وان كانت شاقة، إلا أنها ستترك أثرها عليه حينما يشب يافعا.
أحلام الريادة
يقول الباحث علي المطروشي: «إن الجمري راودته أحلام الريادة وأعجب بشخصية (نوخذا) سفينة الغوص التي أبحر عليها، فطلب من والده أن يصبح (نوخذا) وتحقق له ذلك حينما بلغ العشرين من العمر، وأبحر الجمري على متن سفينة باحثا عن لآلئ البحر، ووفق في العثور على لؤلؤة كبيرة، تسمى (دانة) باعها في ذلك الوقت بـ 10 آلاف روبية هندية، وهذا المبلغ يعد مبلغا كبيرا في ذلك الوقت.. إلا أن البحر عاند الشاعر الحالم، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانهيار تجارة اللؤلؤ الطبيعي، سافر الجمري إلى الكويت طلبا للرزق.
ولأنه يغادر وطنه للمرة الأولى لم يتحمل فراق دبي فكتب قصيدة حنين مرة أرجعته إلى الديار بعد فترة وجيزة، ثم ما لبث أن غادرها إلى المملكة العربية السعودية، باحثا عن عمل، ولأنه كان يجيد الكتابة والحساب، عمل كاتبا للعرائض والشكاوى، فوجد أن زبائنه يطلبون منه أن يكتب شكواهم للقاضي وان يصورهم، فذهب ليتعلم التصوير وعمل في هذه المهنة مصورا وكاتب عرائض لمدة خمس سنوات.
هذا التنقل من مهنة الغوص إلى البحث عن عمل والى الإجادة فيه والسعي إلى طلب العلم واكتشاف آفاق جديدة، هو ما يلفت النظر في شخصية الشاعر الحالم الرومانسي، فمن يقرأ شعر سالم الجمري لا يجد أمامه إلا قلبا مولعا بالغرام، ومشاعر رقيقة وإنسانا حالما رقيقا، لكن مع هذا فان الحياة العملية التي عاشها، وكذا تنقله من مهنة إلى أخرى، قضايا تكشف عن إنسان عصامي ومكافح لا يقبل إلا أن يكون مدركا وواعيا..
لهذا تقول سيرته الذاتية على لسان الباحث علي المطروشي، أن سالم الجمري عاد بعد ذلك إلى دبي، وفتح محلا للتصوير الفوتوغرافي وفي هذا المحل كانت جلساته مع المطربين والشعراء المقربين منه، وتحول هذا الاستديو إلى صالون أدبي. ويضيف الباحث المطروشي، أن الجمري تنقل كثيرا في سفراته، فقد ذهب إلى العراق ومصر والهند وبلدان عديدة، وتاجر في العطور والذهب.
الجمري..بن روغه
يذكر الباحث الدكتور راشد المزروعي وهو ينسب ميلاد الأغنية الإماراتية إلى الشاعر سالم الجمري، أن الشاعر وخلال عمله في المملكة العربية السعودية، ولأنه صاحب صوت جميل وصاحب شلات، كان يجالس المطربين السعوديين والشعراء الشعبيين هناك، وأذهله انه سمع منهم قصائدهم وهي تغنى على آلة العود فتنمى ذلك لقصائده، وحينما عاد إلى دبي في أواخر الخمسينيات طلب من المطرب حارب حسن ان يغنـــي له من قصائـــده، ووجه إلى أسلوب الغناء الذي يريده، ونجحت تلك التجربـــة وصار لها جمهورها.. وفي يوم ما كان الجمري في محل (هدى فون).
وهو محل عمل على الاهتمام بنشــــر الأغنيــة الخليجية والعربية في الستينيات، لصاحبه محمد علي العماني، فالتقى بشاب من إمارة رأس الخيمة وبالتحديد من منطقة الجزيرة الحمراء، وكان الشاب علي بن روغه ذو الصوت الجميل والشجـــي، وكان يهتم بالأغنيــــات السعوديـــة واليمنية التي يحفظهـــا ويغنيهــا، ولما استمع الجمري إلى صوته طلب محمد العماني من الجمري ان يشجع المطرب الشاب بالسمـــاح له بغنـــاء قصائده، فانزوى الجمري وبن روغه وراح الأول يخطط له معالم الأغنية الجديدة التي استلهما من غناء الشعر الشعبي في السعودية.
ومنذ تلك اللحظة التاريخية عرفت الامارات، وأهل السواحل والبراري والجبال، هذا الثنائي الفريد، وانتشرت أغانيهما في كل مكان بصوت آلات التسجيل القديمة، ومنها الاسطـــوانات التي كانا يسافران إلى الهند لطباعتهـــا، فتجاوزت شهرة الاثنين الحدود إلى المنطقة الخليجية وذاع صيتهما.
وكثيرا ما كتب الجمري في قصائده المغناة أبياتها يناشد فيها المطرب بن روغـــه ويبدي إعجابه بصوته وبضربه على آلة العود.. وكان بن روغه قد عـــود محبيـــه وجمهوره أن يقدم لهم شريطا جديدا كل مطلع شهر، وكانت الناس تسأل عن عدد الأغنيات التي يحتويها الشريط من أشعار الجمري.. يقال أيضا إن الجمري لحن العديد مـــن أغاني بن روغـــه، فقد كان ينشد القصيدة ويغنيهـــا ويستلهـــم بن روغـــه اللحـــن منها. وذات مرة طلب منهم صاحب تسجيلات في السعودية بعد أن استدعاهما إليه أن يسجلا له شريطا لصالح محله.. وكان عليهما أن ينجزا هذا المشروع في اليوم الثاني. فسهـــر الاثنان على أعداد أغنيات الشريط الجديد، تأليفــا وتلحينا وغناء، وقد أنجـــز الثنــــائي العجيب في تلك الليلة، عشر أغنيات، وكان هذا رقما قياسيا. وغنى بن روغه أكثر من 300 أغنية هي حصيلة مشواره كما تذكر العديد من المصادر، ومنها 100 أغنية من أشعار الجمري..
وقد رصد الباحث سلطان العميمي تجربة الجمري وبن روغه، في كتابه (سالم الجمري ..حياته وقراءة في أشعاره)، موثقـــا التاريـــخ الذي ربط بين العملاقين، بين شاعر مرهف وصاحب صوت شجي. وكان الشاعر راشد شرار متألقـــا وهو يقـــرأ قصائد سالم الجمري في ذكرى رحيله العشرين، في قصر الثقافة بالشارقة يوم 29 من مارس 2010، آخذا في تعداد محاسن قصيدة هذا الشاعر الفذ الذي ترك أرشيفا غنائيا ومساجلات كثيرة، مع رفيـــق دربه الشاعر محمد بن سوقات.
سيرة ذاتية
ولد الشاعر سالم الجمري في ديرة بمدينة دبي في العام 1910، ونشأ في كنف والده ووالدته وألحقه أبوه بالكتاتيب لينال قدرا من التعليم والإلمام بالقراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم. وتتلمذ على يد الشيخ محمد الشنقيطي والشيخ احمد بن سوقات..قرض الجمري الشعر وهو في سن الخامسة عشرة، وكان الشاعر مبارك العقيلي هو الذي اكتشف فيه موهبته الشعرية، وبدأت رحلته مع الأغنية في أواخر الخمسينيات عندما تعرف على الفنان حارب حسن، ثم التقائه المطرب المعتزل علي بن روغه الذي غنى له 100 قصيدة تقريبا.
وكانت للشاعر مساجلات عديدة مع العديد من الشعراء، ولكن من أشهرها مساجلاته مع رفيق دربه الشاعر محمد بن سوقات. وامتاز شعر الجمري بغزارة الإنتاج مع جودته ودقة في الأسلوب واختيار المفردات، وقدرة بارعة في التصوير، وامتلك حقلا خصبا من الخيال ومعجما لغويا وفيرا، وذهب في جميع ميادين الشعر.. ورحل الجمري عن الدنيا في العام 1991.