ليس أبلغ من الصورة وهي تترجم وحي السرد عن تاريخ الإمارات وأهلها. فحينها نجد أنها تتجلى كمعزوفة قوامها روحية الشجن في شحنات مشاعر غنية بدلالات ومفردات حيوية تروي قصة الإنسان والمكان.

 

إن هذه اللوحة تتجسد بشفافية في مكنون وحي وقراءات المعرض الفني الدائم :«الإمارات في ذاكرة الزمن»، في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، والذي يوثق للمحات ومحطات تحكي عن مخزون وتفاصيل الحياة في الدولة، خلال القرن الـ‬20.

 

لا تطول أو تمتد بنا مدارات التأثر والتفاعل أمام بانورامية اللوحة التي تشكلها صور المعرض، إذ نستطيع النفاذ مباشرة إلى جوهرها المرسوم بمكونات فنية عاكسة لمضمون الحياة الإماراتية في القرن الـ‬20.

 

فهي تتبدى لنا كصيغ تعريف تستغني عن أبجدية الكلام المنطوق لتوثق نسغ أحاسيس تخبئها المشاهد والأحداث الموثقة بالعدسة، والمتجسدة في إطار نبض فوتوغرافي عابق بترنيمة أنشودة فريدة، تعزف.

 

وبلا شك، سمفونية سحر جاذبية بساطة الحياة قديما، وقوة عزيمة الإنسان، ورحيق التراث والعادات الأصيلة المتجذرة في هذه الأرض الطيبة،.

 

وكذا أسرار وئام أهلها وانسجامهم وعناقهم، مع البر والبحر. إنها صور بمثابة عطر ينشر شذاه أوزانا شعرية متكثفة ومتقطرة في بؤرة العدسة، لتتغنى بحكاية النهضة الحضارية الإماراتية بمختلف مراحل تدرجها وارتقائها،.

 

ولتشكل دليلا على تميز شكيمة الآباء والأجداد، في تحدي شظف العيش وقهر الصعوبات. كما أنها رصد توثيقي متكامل، لعادات الناس وتقاليدهم،.ولتميز حيلتهم في اختراع وسائل، حتى ولو كانت بدائية، أعانتهم على تأمين المتطلبات الأساسية للحياة، والقدرة على بناء مساكن ملائمة وقتهم من القر والحر.

 

حميمية وعادات ثرة

يمثل قسم «الحياة الاجتماعية» في المعرض، بلمحات صوره الفنية الــ‬11، مخزونا فكريا بلغة الصورة لثيمات تاريخية تبين قيمة المكان (الإمارات) ورفعة أهله.

 

حيث يتركز كلوحة زاخرة بحكايات الآباء والأجداد، وذلك عبر نماذج لقطات فوتوغرافية فاعلة غنية الإيحاء تعبر عن مختلف مناطق ومدن الدولة، لتظهر كيفية تعايش أهل الإمارات مع الطبيعة في القديم.

 

وتطالعنا الصور بأمثلة وأنماط حيوية نستكنه معها سمات الحياة الاجتماعية الإماراتية وجمالياتها، في شتى عقود القرن الماضي، وهذا سواء في المناطق الجبلية أو الصحراوية أو السياحية.

 

ونتعرف فيها على عينات مواقف متنوعة وشيقة، وثقتها العدسة، لتبدو أبجدية وصفية تشرح أسلوب وقدرات الإنسان الإماراتي في قهر الصعوبات، آنذاك، إذ إنه نجح في مراده وبقي مقبلا على الحياة رغم جميع الصعوبات.

 

وأيضا نتبين في الصور المعروضة، قوة لحمة وتكاتف وتعاون أبناء المجتمع لتأمين المستلزمات الحياتية الأساسية، من طعام وماء ولباس ومسكن، وغيرها الكثير.

 

وتلفتنا خصوصيات التعبيرات الفنية للصور في القسم، وما توحيه من معان وتخييلات. ومن أبرزها ما تعبر عنه صورة كبيرة ضمنه، تعكس ماهية احدى مفردات عادات وتقاليد هذا المجتمع الذي بقي متمسكا بأصالته.

 

حيث نشاهد فيها المدرب الخاص لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، مدربه على رياضة الصيد بالصقور، حميد بن عمهي المنصوري، نراه في الصورة، والتي تعود إلى العام ‬1960 م، وهو يشرب القهوة بينما يجلس في خيمة بالصحراء.

 

ومن الصور البارزة أيضا، واحدة تعرض لتنقل مجموعة من الأفراد في الصحراء، مستخدمة الإبل، وذلك في أبو ظبي في العام ‬1952، إذ تجسد الصورة قدم العلاقة الحميمية لأهل المكان مع الابل.

 

والتي انعكست بأحد أشكالها، في الوقت الحاضر، برياضة سباقات الإبل، كبرهان على امتداد واستمرارية هذه العلاقة.

 

وكذلك نتعرف عبر صور قسم الحياة الاجتماعية، على أنماط زاخرة بالغنى، من ألوان الحياة المجتمعية في الإمارات.

 

ومن مفردات وتكوينات الحياة فيها خلال القرن الـ‬20، ومنها صورة للأفلاج في الفجيرة (العام ‬1950)، وصورة لرياضة الصيد بالصقور (‬1950).

 

وأخرى مؤرخة في العام ‬1962 توضح كيفية نجاح الناس في اختراع اساليب ذكية، وعبر جهود جبارة، لتأمين المياه عن طريق آبار حفرت في قلب الصحراء، معتمدين على أدوات ووسائل بدائية.

 

وفي السياق نفسه هناك صورة لسيدتين من مدينة العين تحملان جرار المياه المسماة باللهجة المحلية (جحلة)، وتتجهان بها نحو البيوت.

 

في التعليم والتثقيف

لا تجسد الصور التسع في قسم «التعليم» بالمعرض، صيغة أرشفة فنية فوتوغرافية، بحتة وجافة، بل إنها تظهر للمتلقي عابقة بحيوية قيمة بدايات النهضة والتطور، ومبينة لعظمة جذور جهود السعي نحو الارتقاء،.

 

وكذا قوة إرادة التغلب على المصاعب من قبل قادة الدولة، بغرض إرساء لبنات الريادة العلمية والفكرية للإمارات.

 

وتبرز لنا في مقدمة صور القسم، صور المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، أثناء زيارته مدرسة دبي الثانوية في العام ‬1962. والمدرسة الصناعية في دبي خلال العام ‬1960.

 

وتلفتنا بوضوح، من بين ما يشتمل عليه القسم من لقطات توثيق وتأريخ بصيغة فنية مبسطة، مجموعة صور قديمة للمدرسة الأحمدية في دبي.

 

والتي ارتبطت بتاريخ تطور وارتقاء الإمارة، ومنها تلك المأخوذة في عام ‬1928، حيث يظهر فيها مجموعة من الأشخاص يتوسطهم المؤسس الفعلي للمدرسة، المرحوم احمد بن محمد بن دلموك (أكمل بناءها بعده ابنه محمد).ونتعرف أيضاً على بعض ملامح مرحلة بدايات التعليم النظامي في أبوظبي والشارقة .

 

حكايات بحرية

عوالم جمالية متمايزة عطرها ملامح البحر، وقصة ارتباط أهل المكان معه بوشائج منسوجة من عبير طيبتهم وصلابة عزيمتهم، في آن معا.

 

هذا بحق ما يعنون سمات الشعور الذي يتملكنا ونحن نتابع المشهد العام، والتفصيلي أيضا، للصور الــ‬20 في قسم «الحياة البحرية» بالمعرض، حيث نلج مع كل منها، إلى عمق أحاسيس وذكريات رائعة، هي بالتأكيد تشرح وتعرف وتثقف حول هذا المجال الحياتي.

 

ومن ثم تفضي إلينا بسير وقصص شيقة عن مكنون العلاقة القوية بين الإماراتيين والبحر، حيث إنه شكل لهم، ومنذ القدم، الموئل والمتنفس ومصدر العيش وأفق فسحة للراحة والتأمل.

 

إن صور هذا القسم ليست محايدة أبدا في علاقتها وتأثيرها بالمتلقي، هي بحق رسالة معرفية تحرك وتجدد بفاعلية دفق كوامننا الجمالية الغائرة التي كنا قد نسيناها تماما في الوقت الحالي.

 

وصور «الحياة البحرية» تشع بالحقيقة مطعمة ببهجة لون الماس وروحية بريقه منعكسا في صفحة البحر. وبذا هي تحكي بدقة وشفافية، توليفة هذه التعبيرات الوصفية بحيادية.

 

ومن ابرز دلائل هذا صورة لخور دبي تعود للعام ‬1950، تظهر فيها مجموعة الأكشاك المسقوفة بسعف النخيل وهي مصطفة على جانب الشاطئ.

 

كما نرى عدة صور لنماذج من أساليب وأشكال صيد الأسماك، وأعمال رتق الشباك من قبل عدة صيادين على احد الشواطئ (العام ‬1942). ونشاهد صورة أخرى لخور دبي في عام ‬1960، تعبر عن مدى انتعاش حركة النقل البحري والتجارة فيه.

 

المعمار.. جماليات وتطور

لا يغفل المعرض استعراض ماهية تاريخ العمران، وتزاوجه وامتزاجه بروحية المكان، وأيضا تمخضه آنذاك، كنموذج لصلابة إرادة الإنسان في هذه البقعة من الكرة الأرضية.

 

وكذا لبنات تطوره وارتقائه. فهنا وفي هذا المجال، نجد أن صور المعرض تحكي، من خلال توليفة مشهدية لــ‬23 صورة تشكل قوام قسم «التطور العمراني» فيه، تحكي عن جميع المفاصل السردية الفنية لحال وسمات عمليات بناء البيوت في تلك الفترة،.

 

ومن ثم التطور المذهل الذي حدث في المجال، خلال الفترات اللاحقة، ونرى أن الصور تعكس هذين الجانبين وفق أسلوب قص فني فوتوغرافي يتصف بدقة جماليات التوثيق لملامح البيوت ومكوناته، وذلك في كافة إمارات الدولة.

 

ويتجلى هذا في صور ترصد معالم البناء والبيوت المنتشرة على الشواطئ وفي الواحات، ضمن دبي وأبوظبي والشارقة ورأس الخيمة وعجمان والفجيرة وأم القيوين.

 

ونتبين في هذه الصور طبيعة أساليب التصميم البدائي والبسيط لبناء البيوت، واعتماد البناء على مقومات المواد المتوفرة في البيئة المحيطة (سعف النخيل، وعدة معدات ومواد أخرى من البيئة المحلية). ونتلمس أيضا كيفية تركيز الناس في بناء بيوتهم، على التكيف مع عناصر المناخ وعوامل الطبيعة.

 

ونشاهد في مقدمة هذه الصور، مجموعة خاصة ترصد مناظر لحال العمران وبدايات تطوره في أبوظبي، ومنها صورة الشاطئ فيها خلال العام ‬1948، وصورة لليوا في عام ‬1949 تعرفنا على منوال تصاميم البيوت وأشكالها.

 

والأمر نفسه نجده بالنسبة لصورة شاطئ رأس الخيمة في عام ‬1935. كما نرى الأبراج الهوائية في دبي من خلال صورة خاصة تعود للعام ‬1948. وكذلك مجموعة صور أخرى مختلفة.

 

حصون وعزيمة

يزخر قسم «الحصون» في المعرض، بلقطات فنية فوتوغرافية قوية الإيحاء والتعبير (‬13 صورة)، إذ نرى انه ترصدها العدسة بوجهة تكاملية موحية، لتعكس معها مدى تمسك أهل المكان بأرضهم، وإخلاصهم في التسلح بعزيمة قوية لحفظ الوطن وصونه من أية اعتداءات، معتمدين على خبرتهم المتحصلة مما عايشوه من أحداث، لينجحوا بهذا في تشييد حصون تعزز جهودهم في الذود عن أرضهم وعن أنفسهم.

 

وتبرز من بين مجموعة تلك الصور، معالم حصون قديمة، تتقدمها صورة حصن الفهيدي في دبي في العام ‬1950، وهو يبرز كدرع منيعة تحمي وتصون ما يحيط بها من بيوت.

 

وكذلك نرى صورة لقصر الحاكم في الشارقة (‬1966). وأخرى لحصن رأس الخيمة (‬1950) الذي تحول لاحقا إلى متحف وطني.

 

ونجد صورتين قديمتين جدا في هذا القسم، أولاهما لحصن رأس الخيمة في العام ‬1905. تليها صورة مؤرخة بعام ‬1908 تظهر حصن الشارقة في شكل بنائه وتحصيناته في تلك الفترة. وهناك أيضا عدة صور أخرى تمثل حصونا عدة في شتى إمارات الدولة خلال فترات زمنية متفرقة .

 

دور تاريخي عريق

نعاين ونتلمس زخم الحياة الإماراتية في غناها بوهج نشاط عملي فريد منذ القدم، وحتى مع مضمون بساطة العيش في تلك الآونة، من خلال مكونات ما تعكسه الصور الــ‬10 لقسم «التجارة» في المعرض، والذي يتجسد كسلسلة تعريف واف عن عراقة تاريخ نجاح الإماراتيين، وبشكل بارز في دبي، بلعب دور محوري في حركة التجارة والبضائع ضمن المنطقة.

 

حيث تعكس مجموعة الصور في هذا القسم، مدى انتعاش الحركة التجارية في الإمارات منذ مرحلة مبكرة. وتبرهن على ذلك صورة لإحدى أسواق منطقة ديرة في دبي في العام ‬1960، تشرح في ملامحها، نشاط حركة التجارة آنها، إذ يبين شرح الصورة أن هذه السوق مؤلفة من ‬350 محلا، وهي مثلت اكبر سوق في المنطقة.

 

كما نشاهد صورة أخرى لسوق دبي عام ‬1948، وهي تعج بالبضائع والسلع القادمة من مختلف أنحاء العالم. وهذا الى جانب عدة صور منوعة لأسواق دبي. وكذلك نتعرف على حال ازدهار سوق العرصة في الشارقة، في أواسط القرن الماضي.

 

من خلال صورة تعود للعام ‬1948، نتعرف فيها على واقع ازدهار حركة البيع وتبادل البضائع عبر التجمعات الكبيرة للناس في هذه السوق الشعبية الشهيرة. وصورة لسوق رأس الخيمة في العام ‬1950. كما يضم القسم، صورا لأسواق عدة في الدولة، أثناء عقود القرن الفائت.

 

تاريخ للحضور السياسي الفاعل

تستوقفنا الكثير من المحطات التاريخية المهمة، في قسم (العلاقات الخارجية)، وتذكي حالة تفاعلنا وتأثرنا مع الصور التي يتضمنها (‬20 صورة)، تلك الأحاسيس الصادقة المفعمة التي تختزنها لمحات الصور وروحيتها. فهنا نطلع على جذور الدور المؤثر للإمارات. وأيضا مع رؤى وتدرج ما تعكسه الصور، نتتبع مراحل تبلور واكتمال قوة حضور وتأثير الدولة على الساحة الإقليمية والعربية والدولية،.

 

حيث نستمد معرفتنا المفصلة في هذه الأساسيات، من خلال باقة منوعة من اللقطات للمغفور لهما، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.

 

أثناء تحركاتهما ونشاطاتهما الدبلوماسية والسياسية، على الصعيد الخارجي والداخلي، والتي رسخت معها، وبإسهامات ومؤازرة إخوانهما حكام وشيوخ الإمارات، أرضية صلبة قوت الدور الحيوي الفاعل للإمارات في ساحة السياسة العالمية.

 

بين زمنين

تتمثل لنا بجلاء ماهية التكوين الشفيف للمعزوفة الحضارية المجسدة لمنحى وأشكال رقي المنجز النهضوي التاريخي الذي حققته الإمارات، عبر مشاريع وصروح عالمية رائدة، وذلك من خلال مجموعة صور قسم «متفرقات» (وهي تتجسد في النسبة الغالبة في مجموع الصور الــ‬15 بالقسم).

 

وتنبض بقوة الدلالة، مشرقة متلألئة وهي تبدي لنا في قالب صور ضخمة تعرض لمشهدية صيغ مقارنات بليغة بلغة الصورة، فتعكس كيفية بناء وتشييد أضخم المنشآت والمطارات والبنى التحتية في الإمارات، والتي أصبحت تنافس مثيلتها في ابرز الدول على الصعيد العالمي.

 

ويضم القسم لقطات لمناطق دبي وأبوظبي، ولمعالمهما، ونطالع ضمن الإطار والمساحة الكبيرة لكل صورة (طبعا من الصور الخاصة بعكس التطور الحضاري والعمراني)، جزءا كبيرا خصص لعكس المعالم والصروح والمنشآت بعد التحديث والتطوير،.

 

وأيضا هناك في مساحة الصورة حيز صغير في الأسفل، يبين كيف كان حال هذا المعلم نفسه قبل سنوات قليلة. ويأتي في مقدمة الصور التي تحكي عن هذا، صورة منظر جوي عام لدبي (قديما وحديثا) يجسد مدى تطورها الحضاري.

 

وصورة مثيلة لابوظبي (بين القديم والحديث)، وكذلك صورة لمطار دبي (لقطتان له تمثلان حاله بين الماضي والحاضر)، الذي أصبح معلما حضاريا عالمي الطابع.

 

وأخرى لشارع الشيخ زايد في دبي (قديما وحديثا)، وكذلك دوار الساعة في دبي، ومطار ابوظبي. وغير ذلك الكثير.