كيف يمكن الحديث عن بينالي يقدم خلاصة تجارب الغرب في الفن( تركيب، فيديو آرت، فن مفاهيمي وبوب آرت)، في حين أن ذات المؤسسة الثقافية التي ترعى هذا النشاط تقف على النقيض من فن آخر حديث هو قصيدة النثر، التي عاد النقاش حول شرعيتها يدور في بعض المحافل الثقافية المحلية؟

 

سؤال تتردد أصداؤه في الوسط الفني والثقافي على ضوء تجدد النقاش حول شرعية قصيدة النثر أو النثر كما يحلو للبعض أن يطلق على النصوص الشعرية النثرية، نقاش ساد اعتقاد بأنه خبا وزال منذ عشرات السنين بعد أن أصبح هذا الفن يتربع على عرش مملكة الشعر في العالم العربي والعالم وبعد أن راحت تتردد على ألسنة الجميع أشعار أنسي الحاج ومحمد الماغوط ومحمود درويش وأدونيس وغيرهم الكثير من الشعراء. أما على الساحة الإماراتية.

فإن ذائقة النثر لا تختلف البتة عن نظيراتها في بلدان الوطن العربي الأخرى، لا إنها ظهرت وترعرت منذ الثمانينيات جنبا إلى جنب مع مخرجات الفنون المعاصرة وفي بيئة واحدة احتضنت حالة إبداعية لم تفرق في مضمونها بين اللغة البصرية واللغة المكتوبة. (مسارات) استطلع آراء عدد من الشعراء والفنانين التشكيليين حول هذه المفارقة، التي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن البيئة الثقافية في الإمارات تتسم بالحيوية والنشاط الصحيين وتسعى دائما إلى فتح آفاق جديدة للإبداع وأعمال الفكر.

الشاعر العراقي بهجت الحديثي مدير بيت الشعر في الشارقة يقول: لعلنا نلتقي على نقطة شروع للانطلاق بأدبنا وشعرنا وكل الفنون العربية إلى فضاءات الإبداع ولعلنا نأتي بجديد مع احتفاظنا بجذورنا الثقافية والتراثية، بل نأخذ بكل طارق وتليد ونقيم تواصل وتثاقف حضاري وإنساني على قاعدة أن أمتنا العربية والإسلامية ذات تاريخ وتراث وحضارة إنسانية وتحمل رسالة سماوية والقرآن يمثل أعلى نماذج الإبداع.أما فيما يتعلق بالسؤال الجميل المطروح، فينبغي أن نحافظ على الخصوصية وألا نخلط بين الأجناس الأدبية والفنية.

فمنذ القديم عرف أدبنا وفننا التنوع، هناك شعر ملحمي، الالياذة والاوديسا وشكسبير وامرؤ القيس وأرسطو، هناك شعر غنائي ووجداني وقصصي وشعر ملحمي. هذه الأجناس الشعرية وهذا التنوع يفتح آفاق وفضاءات أمام المبدع كل حسب موهبته وقابليته. الشاعر يمتلك موهبة شعرية والأديب يمتلك مقدرة على كتابة النثر الفني، الذي ينافس الشعر، وربما فاق الشعر في مراحل لاحقة ولاسيما في العصر العباسي والشعر تراجع في العصر العباسي وتقدم النثر (ابن العميد) وظهرت المقامات وكتابات الجاحظ وابن المقفع وابن العميد وأبو العلاء المعري وفاقت الشعر، وإن كان قد ظهر في الشعر قامات كبيرة.

الله سبحانه وزع الصفات والمواهب من أجل التكاملية في الحياة، الشعر والأدب والمسرح والفن والتشكيل. الرسام موهوب، وكل يبدع في ميدانه، وأحياناً نجد أكثر من موهبة في شخص واحد. لكننا لا نربط بين البينالي والشعر، لكل خصائصه ومناحيه وفضاءاته. البينالي تطور، بينما النثر ظاهرة فنية جديدة عليها نقاش وإن كان المصطلحان مستوردان، لكن لكل منهما ميدانه وجذوره وأصوله وقوانينه التي قد تختلف. حتى لو كان منشأ البينالي غربي.

لكن له جذور في تراثنا، الغرب أخذ هذه الجذور وطورها وربط بينها وبين المعاصرة،لكن أن نبقى مقلدين هذا هو العيب، يجب أن نفكر بالجديد الذي قد يتناسب معنا أكثر من الغرب.قصيدة النثر تختلف، ليس لها جذور في تراثنا وليس لها علاقة بالشعر، فإن قالوا إن فيها موسيقى فذلك لا يعني أنها شعر، لأن الموسيقى موجودة في النثر الفني أصلاً.

وإذا قالوا إن فيها شعرية، فالشعرية لا تعني النثر وإنما الشعر من الشعور، والنثر فيه شعرية، فلماذا يريدون أن ينزاحوا إلى الشعر،قصيدة النثر غربية صرفة في منشأها وإصلاحها وصياغاتها.المتعربون أعجبهم هذا اللون فقلدوه، لا ضير في التقليد، إن كان منطلقاً للتغيير والإبداع لكنهم لم يفعلوا، بل قاموا بتحوير المصطلح الغربي،. وبالتالي، فإن تسمية (قصيدة النثر) خطأ ولم يستقر حتى الآن، وأنا عددت إلى أكثر من ‬30 شاعر عربي، ووجدت أن كلمة قصيدة لا تعني الشعر، النثر نثر والشعر هو القصيدة. أول من قصد القصيد هو امرؤ القيس والمهلهل. ولا يمكن الخلط بين المصطلحين، رغم أنه هناك بعض ما يسمى قصيدة النثر فيه جمالية قد تفوق قصائد من الشعر العمودي والعكس صحيح.

ترى الفنانة الإماراتية نجاة مكي أن الحداثة في الفنون التشكيلية أكثر غزارة سواء من ناحية النوع أو كم الأعمال التي تعرض في المعارض والتي تعكس آخر صيحات الفنون التشكيلية، وهي ظاهرة لها جانبان أحدهما ايجابي والآخر سلبي،حيث أصبح حتى المبتدئين يميلون إلى سهولة التعامل مع الفن وإلى القفز على المراحل دون التقيد بالقواعد والأساسيات التي تتطلبها الفنون التشكيلية.

فأصبحت تقنيات مثل الفيديو آرت والكومبيوتر والطفرة التكنولوجية وبرامج الغرافيك أدوات سهلة المنال بين أيدي الشباب الذين راحوا ينجزون أعمالا فنية في غضون دقائق محدودة عن طريق الإضافة على تلك الأعمال عناصر كثيرة. فأصبح هؤلاء الفنانون يتساءلون عن جدوى بذل جهود مضنية في إنجاز عمل فني ويقولون لماذا نتعب أنفسنا في ذلك؟ لكن هذه الظاهرة منتشرة في جميع دول العالم وليس في الإمارات فحسب، وهي قضية عامة الكل يشعر بالتعب منها.

 

الفنان الفلسطيني

يعتقد القيم السابق على بينالي الشارقة جاك برسكيان أن الحديث حول شرعية قصيدة النثر قد حسم منذ فترة الستينيات في مختلف المحافل الثقافية والتيارات النقدية، وفي طبيعة الحال الإنتاج الشعري الذي شهدناه، ولا يمكن تجاوز شعراء كبار كتبوا قصيدة النثر وأبدعوا فيها من أمثال محمد الماغوط وأدونيس وأنسي الحاج وغيرهم من الشعراء.

وأعتقد أن العودة إلى أطلال تلك الحوارات مسألة تجاوزها الزمن، إلا أنه من طبيعة الحياة الثقافية والإبداعية أن نجد بعض المتحمسين لتيار دون سواه، دون أن يعني ذلك إطلاق حكم نهائي على التيارات الأخرى. أما فيما يتعلق بتعدد التيارات الفنية أو طبيعة العروض والمشاركات التي يمكن أن تكون متباينة أو متناقضة، والتي يتم تقديمها أو إقامتها في مؤسسة واحدة، أو تحت مظلة واحدة، فهذا يعود برأيي إلى طبيعة الشخص القائم أو المسؤول عن إقامة حدث أو فعالية ما، كل حسب موقعه وطبيعة عمله.

الفنان حسن شريف توقف قبل أن يدلي بدوله حول القضية المطروحة في هذا التحقيق الصحافي عند مصطلح الحداثة التي يطلق على الأعمال الفنية التي تعتمد تقنية التركيب والفيديو آرت والفن المفاهيمي، ذلك أنها تعتبر من وجهة نظره أعمالا فنية تنتمي للفن المعاصر، الذي يتميز بأنه انتقائي ويأخذ من جميع المدارس والحضارات القديمة والحديثة. أما الأعمال التي تعرض في المعرض العام الـ ‬29 الذي تنظمه جمعية الامارات للفنون التشكيلية وبينالي الشارقة وتقوم على هذه التقنية فإنها تندرج ضمن الأعمال الفنية المعاصرة وتمثل زمننا، وهي ظاهرة صحية.

أحترم كل ما له علاقة بالمعاصرة، بينما التناقض موجود في جميع الميادين ولا سيما في بلدان الشرق الوسط وفي ميدان السياسة خصوصا وهذا ما نلحظه مما يدور في هذه الآونة في غير بلد عربي، وهي تناقضات نعيشها يوميا، ذلك أننا زمننا زمن التناقض. كنا متآلفين سابقا.

وهناك مجموعة من الشباب متآلفة في الوقت الحالي وأعضاؤها يتواصلون ويلتقون مثلما كان يحدث سابقا في مرسم المريجي وجمعية الإمارات للفنون التشكيلية. التآلف موجود بين أجناس فنية مثل التصوير الفوتوغرافي والفيديو آرت والتركيب، وليس أدل على ذلك من معرض الدوحة ( محكي، مخفي، معاد) الذي أقيم، مؤخرا، في متحف قطر للفن الحديث، واستضاف أعمال ‬23 فنانا من الفنانين الشباب العرب، وكذلك المعرض العام الـ ‬29 في الشارقة، فهناك شباب مهمين في الساحة الإماراتية والخليجية والعربية والعالمية ونحن على تواصل معهم ولديهم تجارب فنية معاصرة مهمة جدا.

الباحث اليمني د. عمر عبد العزيز يعتقد أن القصيدة العربية قد تطورت منذ القدم وهو يقول في هذا الصدد: نحن نعرف أنه في العصر الجاهلي هنالك قصيدة عمودية قد تم توصيفها بناءً على شكل البيت العربي التقليدي وهو الخيمة ولكن هذه القصيدة العمودية لم تكن هي الشكل الوحيد للتعبير الفني فهنالك فنون نثرية رفيعة كتلك التي قدمها أمية بن السلط وتلك التي كانت متسابقة مع الخطابة على ذلك العصر وتبعاً لذلك أعتقد بأن موسيقى الشعر تكمن في اللغة .

وفي جذر اللغة على وجه التحديد، بمعنى آخر أن الحرف بذاته مموثق جبراً لا خياراً، والكلمة بذاتها مموثقة باعتبار أن الكلمة تعني في نهاية المطاف ذلك التراتب الجبري بين الحركة والسكون، ليست الكلمة العربية فقط، وكل كلمة صادرة عن الإنسان لابد أن تكون قائمة على هذا البعد الخوارزمي الموسيقي التوقيعي الجبري.

وهي العلاقة بين الحركة والسكون وطالما أن هذه بمثابة الحرف والكلمة بوصفهما محور الارتكاز الأول أو المنطلق الأول للكتابة اللغوية فنحن بذلك أمام موسيقى بدئية إن جاز التعبير كالوقفة الصامتة قبل البدء اللحني أو كالقفلة في نهاية البدء اللحني ويتضح بذلك أن المساحة المتاحة لشعرنة النثر تكمن في الكلمة أولا ثم بعد ذلك في الجملة الشعرية ومن ثم البناء الكامل للشعر.

أما موضوع الحداثة في الفن والحداثة في الشعر فإنه ليس جديداً وسيظل مستمرا لأن للحداثة ما بعدها ولما بعد الحداثة ما بعدها ومثل هذا النقاش سيظل مستمر ودائم لسبب بسيط جداً لأن الحراك في الزمان والمكان يؤدي إلى ما يسمى بدرجة عالية من التماس أو التقاطع أو التراسل بين الأنواع الفنية المختلفة ولهذا السبب عندما نتكلم عن فنون الحداثة المعاصرة نتكلم عن شكل أكبر من حالات التمازج أو التقاطع وبالتالي تستعيد الفنون المختلفة ما يمكن أن نسميه بالبيئة الواحدة للإبداع بمعنى أنه يمكن أن نقول شعراً وجمالية هذا الشعر أن أكون فيه على تماس ذوقي مع الفنون الأخرى ويمكن أن أقول بلغتي التي تتداعى في مستويات متجددة في التعبير.

وهذا أمر مشهود على مر التاريخ ولهذا السبب، فإننا نعيش في العالم العربي، مثلنا مثل البيئات الإنسانية الأخرى، نفس الجدل الكلامي ونفس المناقشات المتعلقة بالمفهوم الموجودة لدينا موجودة لدى الآخرين، لذلك علينا أن نعرف أن في إطار ما يمكن أن يسمى بعاصفة التحولات والمتغيرات المستمرة التي هي متغيرات في الوعي العام ومتغيرات في التعبير الفني في هذه العاصفة للمتغير المستمر والسريع والمتسارع تؤدي إلى وجود ضفاف سلبية مؤكدة.

 

قصيدة النثر

تذهب سوزان برنار إلى أنَّ قصيدة النثر هي: «قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور... خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية». ولقصيدة النثر إيقاعها الخاص وموسيقاها الداخلية، والتي تعتمد على الألفاظ وتتابعها، والصور وتكاملها، والحالة العامة للقصيدة. وكما يقول أنسي الحاج -أحد أهم شعراء قصيدة النثر العربية إن لم يكن أهمهم- عن شروط قصيدة النثر: «لتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً لا قطعة نثر فنية، أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الايجاز والتوهج والمجانية».