لم يعد يقتصر دور المتاحف مع تطور الزمن، على ضم نتاج ماضي الأمة وبآثار البلد تحديداً، بل انسحب إلى الماضي القريب والزمن المعاصر، ليشمل مختلف نواحي الحياة، من الفنون إلى المشغولات اليدوية وليتجاوز المفهوم الإقليمي إلى العالمي.
كان المتحف فيما مضى يختزل جانباً من حضارة البلد المقام بها، إما على صعيد الآثار التي تمثل تاريخ الحضارات التي تعاقبت في منطقتها، أو فنونها التي إما تعود إلى زمن الأواني الفخارية وأدوات حياتها اليومية أو الزمن الحديث والمعاصر.
إضافة إلى المتاحف الخاصة بمنجزات العباقرة والعلماء الذين شكلوا جزءاً من حضارتها، وبيوت الأدباء ومخطوطاتهم والطبعات الأولى من نتاجهم.وسرعان ما أدرك المختصون والقائمون على المتاحف، أهمية مواكبة مفهوم المتحف للتطور، ابتداء بعلوم الطبيعة والبيئة وانتهاء بالتقنيات الحديثة التي باتت جزءاً حيويا من واقع الحضارات في الزمن الراهن. وهكذا انتقل مفهوم المتحف من المكان الثابت إلى المتحرك فالافتراضي، حيث يمكن من خلال الانترنت زيارة متاحف العالم ومشاهدة مقتنياتها الثلاثية الأبعاد، إلى جانب التقنيات التي تعتمد على المرئي والمسموع.
ولم يقتصر مفهوم تطور المتاحف على مواكبة التقنية فحسب، بل أخذ في الاعتبار ضرورة تجاوز مفهوم المتحف السابق الذي كان الاهتمام به مقتصرا على السائحين، لينتقل إلى التفاعل مع المجتمعات التي يمثل حضاراتها ليكون جزءاً حيوياً من إيقاعها. ومن هذا المنطلق توسع دور المتاحف بكل أنواعها ليشمل العديد من الأنشطة الثقافية والفنية والعلمية والاجتماعية.
هذا المفهوم توسع عبر الزمن ليشمل المتاحف في الهواء الطلق، ومتاحف من نوع آخر شكلت عامل جذب جديد سواء للسواح أو المقيمين وتبعاً لميولهم واهتماماتهم. فهناك متاحف الشمع التي مثلت أشهر شخصيات العالم والتي تلقى إقبالاً واسعاً من الجميع، ومتاحف للسيارات، ومتاحف للأقمشة والأزياء، ومتاحف للزجاج وأخرى للخرز ولكل ما هو عجيب وغريب.
كما باتت المتاحف مع تقدم العلوم، تخصصاً وعلماً قائماً بحد ذاته، مما دفع بالعديد من الجامعات في مختلف بلدان العالم إلى تخصيص فرع دراسي له، حيث شملت الدراسة فيه البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، والتي تبدأ بأرشفة مقتنيات المتحف وعلوم الحفاظ عليها من عوامل الزمن، إلى دراستها المرتبطة بتاريخها.
تمويل المتاحف
ارتبط هذا التحول أو التطور أيضا بمفهوم تمويل المتحف، الذي كان فيما مضى يعتمد إما على تمويل الحكومة، أو الجهة الخاصة التي تمتلك المقتنيات. وعليه اختلف التوجه بشأن تمويل المتاحف مع زيادة أعباء ميزانيات الحكومات، لتحمل هيئات المتاحف والقائمين عليها مسؤولية تمويلها واستمراريتها، مما دفع القائمين إلى البحث عن حلول جديدة شملت تبرعات من جهات الدعم والأفراد، إلى ابتكار برامج وأنشطة وفعاليات لاستقطاب وجذب أعداد كبيرة من الزوار.
وقد شهد الزمن المعاصر افتتاح العديد من المتاحف الضخمة التي سرعان ما أفلست وأغلقت، مقابل إنشاء متاحف متواضعة في توجهها، ومتخصصة في مقتنياتها لتحقق نجاحاً كبيراً، يكمن سره في قدرتها على التواصل والتفاعل مع محيطها. ومن هنا بات للمتخصصين والمستشارين في علم المتاحف دور كبير في تحديد احتياجات ومعايير نجاح المتحف وديمومته.
نشأة المتاحف
يعود تأسيس المتاحف إلى القرن الخامس عشر، من خلال المقتنيات الخاص لإحدى العائلات أو الأفراد الأثرياء. وكانت أول مجموعة من المقتنيات الفردية التي خصصت للعامة في العالم، مقدمة من البابا سيكستوس الرابع، التي تبرع بها عام 1471 إلى شعب روما.
وكانت عبارة عن مجموعة من المنحوتات المهمة آنذاك، والتي حملت اسم (متاحف كابيتولين). ويعود تاريخ تأسيس ثاني متحف في العالم، إلى عام 1506 من قبل البابا يوليوس الثاني الذي بدأ بجمع المنحوتات، ولتتحول المجموعة فيما بعد إلى متاحف الفاتيكان. أما المتحف الثالث فتأسس في باسل بسويسرا عام 1671، ليليه متحف الأسلحة في برج لندن عام 1592 والذي يعتبر أقدم متحف في بريطانيا. وتتابع افتتاح المتاحف حتى الوصول إلى متحف (اللوفر) الشهير بفرنسا الذي افتتح عام 1793 إبان الثورة الفرنسية.
كانت تلك المتاحف في البداية مقتصرة على نخبة المجتمع وبعض الأكاديميين، وكان يسبق زيارة أحد تلك المتاحف تقديم طلب والانتظار لما يقارب من الأسبوعين أو أكثر للحصول على الموافقة وتذاكر الدخول. أما أول متحف فتح للعامة فكان متحف اللوفر إبان الثورة الفرنسية، وكان يفتح للعامة في البداية ثلاثة أيام في الأسبوع.
أنشطة المتاحف
شملت أنشطة المتاحف في محاولة لجذب كافة أفراد وفئات المجتمع، إقامة الندوات العامة والتخصصية، والمعارض الفنية الفردية والجماعية مع معارض لأعمال رواد الفن من بلدان أخرى، إلى جانب تعاون متاحف البلدان فيما بينها لتنظيم معارض دورية تتبادل من خلالها عرض جزء من نتاج البلدان الأخرى في التخصص نفسه، مع إقامة الحفلات الموسيقية لأشهر الفرق العالمية، وجولات لطلبة المدارس والجامعات.
كما أقامت المتاحف قسماً للدراسات والبحوث الخاصة بها، إما لدراسة مقتنياتها أو لتنظيم رحلات استكشافية لزيادة رصيد نتاجها سواء على صعيد التنقيب عن المزيد من الآثار، أو البحث عن مجموعات جديدة من المقتنيات التي تضيف إلى قيمة المتحف.
متاحف حطام السفن
مثل متاحف الآثار التي تضمنت المواقع الأثرية في الهواء الطلق، والأبنية العريقة في عمرانها التي باتت متحفا لمتحف يضم نماذج متعددة كحطام السفن وما احتفظت به البحار من من بقايا السفن على مر الزمن، ويقع أبرزها في متحف أستراليا الغربية، وهو متحف مشيد في الهواء الطلق.
المتاحف الجوالة
المتاحف الجوالة مصطلح يطلق على المعارض التي تقام من خلال حافلة نقل ضخمة مثل متحف مركز وولكر للفن، وجمعية سانت فيتال للتاريخ، وهذه العربات تنتقل بمقتنياتها بعيدا عن مقر المتاحف التابعة لها إن وجدت، بهدف نشر المعرفة والتعليم.
متاحف الهواء الطلق
أول متحف أنشئ في الهواء الطلق عام 1881، وهو متحف الملك أوسكار الثاني بالقرب من أوسلو في النرويج، كما تضمن هذا النوع من المتاحف مزرعة قديمة في سالزبرغ. وهذا النوع من المتاحف يتضمن ترميم وإعادة إنشاء المواقع كما كانت عليه في الماضي. ومعظم هذا النوع من المتاحف يتواجد في منطقة الغابات حيث تتوفر المباني العمرانية المميزة التي بنيت من الأخشاب.
يضاف إليها المتاحف الخاصة ببيوت رواد التاريخ، كبيت مارك توين (1835- 1910) في كونيكتيكت بالولايات المتحدة، وبيت ليو تولستوي (1828 ـــ 1910) في موسكو وبيت أنطون تشيخوف في يالطا بروسيا، وبيت العالمة مدام كوري (1867 ـــ 1934) في وارسو ببولندا والتي تعتبر أول امرأة تحصل على جائزة نوبل عام 1903 لاكتشافها الراديوم.
المتاحف المتخصصة
يشمل هذا النوع من المتاحف التخصص في مجال محدد، مثل الاحتفاء بحياة الموسيقيين، مثل متحف شقة الموسيقار الروسي رمسكي كوراسكوف في سانت بيتسبرغ بروسيا، ومتحف هاندل هاوس الذي يحيي الأمسيات الموسيقية، ومتحف الخرز الذي يعني بتاريخ صناعته والمشغولات التي اعتمدت عليه.
وتضم مجموعة مقتنياته حبة خرز عمر 15 ألف سنة. ومنها أيضا متحف متخصص في صناعة الساعات وعلى رأسها المتحف (أرض الكوكو) بانجلترا والخاص بساعات الحائط (كوكو) التي تطلق صوت العصافير بدلاً من الرنين.كما أسست العديد من المتاحف الخاصة بالأطفال، مثل متاحف الألعاب المنتشرة في العديد من بلدان العالم، وتجمع تلك المتاحف بين المتعة والمعرفة. ومن أشهر تلك المتاحف، متحف الألعاب وأوتوماتا في اسبانيا. إلى جانب المتاحف التي تخصصت في تاريخ صناعة الزجاج مثل متحف كورنينغ للزجاج المخصص لم أبدعته هذه الصناعة من تحف فنية قيمة ونادرة.
وشملت التخصصات متاحف الجريمة مثل المتحف الوطني للجريمة والعقاب الذي يضم الوسائل العلمية الخاصة بالكشف عن الجرائم. ومتحف بيت الدمية الأميركي الكبير بدنفيل، الذي يقدم تاريخ أميركا الاجتماعي من خلال عالم الدمى المصغر بتفاصيل بيوته وأزياء المجتمع وتنسيق البيوت وإيقاع الحياة.
متاحف الشمع
تحظى متاحف الشمع بشعبية واسعة سواء في الولايات المتحدة وفي مقدمتها متحف هوليوود الذي يستقطب ما يقارب من 300 ألف زائر في السنة، أو في بريطانيا وفي مقدمتها متحف مدام توسو الذي أنشئ عام 1835 ويضم أكبر مجموعة، ليفتح له فرعا في مدينة نيويورك أيضا.وتضم تلك المتاحف منحوتات مصنعة من الشمع وتمثل مشاهير الشخصيات في التاريخ من الماضي والزمن المعاصر، وغالباً ما تضم مثل هذه المتاحف غرفة الرعب التي تصور مشاهد عنيفة.ومن أسس فكرة هذا النوع من المتاحف هو الفنانة السويسرية السيدة ماري توسو (1761 ؟ 1850).
كانت البداية مع أول معرض دائم لها عام 1835 في لندن بشارع بيكر، لتفتتح فروع لها في كل من امستردام وبرلين وهونغ كونغ وشنغهاي ولاس فيغاس وأخيراً في واشنطن.ومن أشهر المتاحف في هذا الإطار، متحف شمع عالم السينما في هوليوود بكاليفورنيا، والذي تعرض فيه تحديداً اشهر الشخصيات السينمائية من خلال تجسيد أشهر مشهد لها في الأدوار التي مثلوها..
كما افتتح في الهند متحف الشمع سيدهاجيري، ويمثل حلم التعايش النموذجي من خلال تصور قرية كاملة كأسرة نموذجية يسودها السلام والوئام، بعيداً عن التلوث والعصبيات، مع الاستفادة من أهم مصادر الطبيعة. وهذا المشروع يحقق ما حلم به المهاتما غاندي (1869 ؟ 1948) ورؤيته للقرية التي تعتمد على الاكتفاء من خلال ثروات مصادرها الطبيعية قبل غزو المغول لمنطقة ماهاراشترا.
متاحف السيارات
يتواجد أشهر متحف للسيارات في تينيسي بالولايات المتحدة، ويضم أسطولا من السيارات يتجاوز عددها الأربعين سيارة، والتي ظهرت في أشهر أفلام هوليوود السينمائية والتلفزيون إضافة إلى سيارات المشاهير، مثل سيارة فيلم (الوطواط) وهو من إنتاج وونر براذرز عام 1989، وسيارة (بامبليبي) المتحولة عام 2001 وهي شوفرولية كامارو من عام 1977. وسيارة الفولسفاكن الصغيرة (الخنفساء) التي ظهرت في فيلم (بيتلي) من إنتاج والت ديزني عام 1969.
كما تضم العاصمة أبوظبي، متحف الإمارات الوطني للسيارات الذي أسسه سمو الشيخ حمد بن حمدان آل نهيان، ويشمل مجموعته الخاصة من العربات الفريدة من نوعها، من السيارات المعدلة المواصفات، إلى المرسيدس بألوانها المميزة كقوس القزح والتي تتناسب ألوانها مع ألوان الفرش الداخلي، وتلك المجهزة بأحدث المواصفات كالثلاجة والتلفاز، إضافة إلى السيارات العسكرية التي يمكن للأطفال تفحصها من الداخل، وكذلك سيارات ملاعب الغولف، وسيارات الدودج التي تأتي بمختلف الأحجام، من ضمنها سيارة بارتفاع خمسة أمتار وتضم تحت سقفها محتويات توازي شقة كاملة.
متاحف الإمارات
تحسب لإمارة الشارقة الريادة في عدد المتاحف التي أسستها والتي تشمل مختلف أوجه الحياة والبالغ عددها 16 متحفاً، منها المتاحف المفتوحة في الهواء الطلق كمتحف بيت الشيخ سعيد بن حمد القاسمي في كلباء، ومتحف بيت النابوده في الشارقة. ومتاحف الفنون كمتحف الشارقة للفنون والفن العربي المعاصر الذي افتتح عام 1997، والذي يضم أعمال فنانين مستشرقين من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلى جانب إبداعات الفنانين المحليين والعالميين المعروفين، إلى جانب متحف الشارقة للحضارة الإسلامية.
أما أبرز المتاحف الأثرية في دبي، فهو متحف دبي الذي افتتح عام 1971 في قلعة الفهيدي ويعكس طبيعة الحياة في المنطقة قبل اكتشاف النفط. وتعتبر قلعة الفهيدي أقدم معلم اثري تاريخي ويعود بناؤها إلى عام 1787، وكانت حصنا دفاعيا ومقرا للحاكم. ومن المتاحف الأخرى المفتوحة متحف بيت الشيخ سعيد آل مكتوم الذي بني عام 1896، ومنطقة البستكية التاريخية التي أنشئت عام 1890، وقرية التراث والغوص، ومدرسة الأحمدية التي أسست عام 1912.
وفي أبوظبي يبرز على صعيد الآثار متحف العين الوطني ومتحف قصر العين، وقلعة الجاهلي أحد أكبر القلاع في العين وأفضل نموذج لفن العمارة العسكرية المحلية التي أنشئت عام 1891، إلى جانب متحف الأعمال الخاصة بجزيرة السعديات من ضمنها معرض الإمارات الوطني السيارات، ومتحف الجغرافية الطبيعية بجامعة العين، وفي طور الإنشاء حالياً متحف جوجنهايم أبوظبي الذي سيصبح أكبر متحف في العالم والذي من المقرر افتتاحه في العام الجاري، ومتحف لوفر أبوظبي الذي سيعرض أعمالا فنية مشهورة في عالم الآثار القديمة إلى جانب الفنون الجميلة والديكور، ومن المقرر افتتاحه في العام المقبل.