يستند المفكر السوري، الدكتور طيب تيزيني، إلى الجدلية التاريخية في رؤى مشروعه الفلسفي الخاص بإعادة قراءة الفكر العربي ، حيث قدم رؤاه في كتاب «من التراث إلى الثورة» في العام 1976، ومن هنا فهو يعتبر حالياً أن الخيار النهضوي دخل عنق الزجاجة ودعا إلى رفع حد الجلد على الفساد والمفسدين معتبراً أن العبودية تعود بقناع العولمة .
في هذا الحوار يسجل طيب تيزيني موقفه من الحاضر والمستقبل دون نسيات النسيان.
تتبنى في مضمون فكرك ورؤاك حاليا «مشروع النهضة». فهل يمكن هذا في ظل الواقع المعاش؟
هذا السؤال أصبح الآن راهنا جدا، ولم يعد نظريا فحسب وإنما هناك حالات تفترض فينا أن نأخذ موقفا ما، لأن تدمير البنى القائمة في الوطن العربي، يجري على قدم وساق، فبهذه الحال يجد الناس أنفسهم أمام خيارات راهنة، وعليهم أن يجيبوا على الأسئلة التي تطرحها طبيعة الخيارات، وإرجاؤها إلى في ما بعد لم يعد محتملا، إلا إذا تقاعس المرء وعاش مع الطبيعة دون أن يكون فاعلا.
وفي حقيقة الأمر لا يوجد سلبية مطلقة، ويجد الإنسان نفسه مدعوا بقدر أو بآخر، إلى أن يأخذ موقفا من ما يعايشه ويتحداه ويحيط به، وهذا الموقف يتغير وفق التغيرات التي أنتجها كرجل أو امرأة، كونهما يملكان حدا معينا من الوعي والرؤية المستقبلية، أو لا يملكان.
ورغم ذلك تفرض ضرورات العيش والحياة، أن يجيب الإنسان على أسئلة معينة بحدود ما، كي يستمر بالعيش. حالات الأسئلة هذه حاسمة وضرورية، وطبيعة الخيارات قائمة، وعليه أن يجيب سلبا أو إيجابا، فنحن الآن نعيش نمطا من هذه الأسئلة القسرية التي تطرح نفسها علينا.
ولم يعد إرجاؤها إلى في ما بعد ممكنا إلا إذا اخترنا الموت السريري، ما يعني أن هذا الإنسان السلبي، وهذه المجموعة في المجتمع العربي عاجزة على أن تجيب عن موقف أو آخر، أو تقاد إلى موقف العجز لأن مجموعة من النظم المتخلفة في العالم العربي، تفرض نفسها على مجموعات كثيرة من الناس، بحيث أن خيار العجز يصبح هو سيد الموقف، فالموقف لا يختاره الإنسان العربي اختيارا حرا، وإنما الاختيار بمعنى ما قسري يصاغ خارج الإنسان.
كيف يمكن الإجابة عن تلك الأسئلة الحاسمة التي توصف ماهيتها؟
نحن الآن بحاجة إلى قراءة معمقة للثقافة العربية، ومن شروطها الآن أن تأخذ طابعا نقديا، وأن تسأل هذه الثقافة العربية أذا هي مازالت تجيب عن أسئلة راهنة وبصيغة كافية من الصحة؟ الوضع الآن مضطرب ويمكن تسمية المرحلة بالانتقالية، نقولها هنا بشكل موضوعي وليس بمعنى قطعي. قد لا نستطيع لاحقا أن نجيب عن هذا السؤال نفسه، لأن الإمكانات تتضاءل شيئا فشيئا.
هل لهيمنة العولمة علاقة بهذا؟
إن نظام العولمة يتعاظم يوميا. وتنفتح أبواب هائلة أمام التقدم الشامل في العلوم الطبيعية والاجتماعية، والسياسية والنفسية والجمالية. . . الخ. فكيف نجيب عن هذه الأسئلة ونحن لم نجب عن ما سبقها من أسئلة طرحت منذ مرحلة النهضة العربية بإجابات دقيقة فيها الكثير من المصداقية، فالمشكلة أصبحت أكثر تعقيدا، لأن الأسئلة تتضاعف وتستمر وتتعقد، دون إجابة على نمط منها وهذا ما ينذر بمخاطر كبرى، قد تقود إلى خطر يحيق بالإنسان العربي الذي خرج فعلا من تاريخ الثقافة والفكر، الذي عليه أن يجيب عن أسئلة عصره.
إفساد ما لم يفسد
إذا كيف سيتحقق المشروع النهضوي بينما الوجوه نفسها لم تتغير؟
هناك جملة أسباب وعوامل بهذا الخصوص، حيث يوجد من يسعى لإنتاج هذا الإنسان العربي العاجز في الإجابة عن الأسئلة الكبرى التي يحتاجها، وثانيا هو نفسه بدأ يدخل في عنق الزجاجة نتيجة الإستراتيجية التي تقوم على «إفساد ما لم يفسد بعد». بتنا نجد أنفسنا أمام مقولة الفساد والإفساد ونقول إفسادا يعني تكريس الفساد، وكذا نجعله حالة دائمة ومستديمة، ذلك لأن الفساد يمكن أن ينشأ ضمن ظروف موضوعية ما، فكل دولة وكل عالم له مشكلاته.
ونجد أن آخرين يسعون إلى اكتشاف كيف يفسدون الناس، وبهذه الحالة تأخذ مقاييس كبرى خطيرة تهدد المجتمع برمته في سقوطه، إضافة إلى ذلك هناك آلية خطيرة تكونت على الأقل من سبعينيات القرن المنصرم، وبدأت تقلب قوانين المجتمع العربي باتجاه جديد، أعني بهذه الآلية: «آلية الدولة الأمنية».
ماذا تقصد بالدولة الأمنية؟
لإيضاح المصطلح أوضح مصطلحا آخر لتبيين الفوارق بينهما، وهو الدولة البوليسية، وهي التي لها خصومها وتواجههم بطريقة من طرق العنف الصامت القاطع الهائل المسلح أو الهادئ، لكن مجالها محصور في من يقف في وجهها. وأما «الدولة الأمنية» فتأتي بزعم كبير خطير استطاعت أن تحقق بعضا منه.
وهو أن تفسد المجتمع كله، كي يتحول هذا المجتمع إلى حالة من العقم التاريخي الذي لا يحدث إنتاجا جديدا لبشر جديدين بآفاق جديدة. وبكلمة واحدة «الدولة الأمنية» تسعى للوقوف في وجه الرهانات اللازمة في لحظة أو أخرى، في تطور المجتمع، بحيث يظل هذا المجتمع سائرا في مسار واحد، فيعيش حالة من القنوط، والتخلف والقسوة في الإجابة عن مشكلات راهنة، ليجفف كل ما يمكن أن ينتج حالة جديدة من الإبداع في اقتصاد أو السياسة أو الثقافة أو القضاء.
وهي ترى أن هذه الحقول كلها يجب أن يسودها حالة من التجفف ومن القصور التاريخين، وحين ذاك تستطيع قيادة هذه «الدولة الأمنية» أن تبقى أبدا، فلا معارضة ولا رأي آخر. وبذا فإنها هي وحدها ستبقى الآن وغدا، وهذا يمثل حالة جديدة في التاريخ مع تعقد الأزمات التي تنشأ وتتصاعد، فالنظام العولمي جاء وجلب معه، كماً من الصعوبات للبلدان المتخلفة.
ما المخرج المناسب لتلك الأزمة؟
تلك البلدان التي لم تصل إلى مرحلة ما من التقدم، تستطيع أن تطرح حلولا للمسألة برؤية ما جديدة، فالعالم العربي في عمومه ما زال في مرحلة ما قبل الحضارة وما قبل النهضة وما قبل الثورة الصناعية والثورة الثقافية، الأمر الذي يشعر بحال من الاضطراب والتعقيد والتلبك. والآن تتراكم المواقف، وتتراكم أكثر وأكثر حين ينشأ الفقر والإفقار، أو حين يتحول الفقر إلى إفقار مضطرب، فالناس لا يملكون شيئا ولا يملكون الكفاية، وفي التقدم التاريخي تُطرح ثلاثية محددة نفسها بوصفها نوعا من الخلاص للبشر.
ما هي بنود هذه الثلاثية؟
أولا الكفاية المادية، فلا وجود لمجتمع بأساسه دون الكفاية المادية، وتغيب المداخل الأخرى مثل العيش المناسب والمدرسة والجامعة. وبالتالي يحول هذا الفقر إلى حالة إفقار مستديم، فالفقر ينتج نفسه، ويعيد أيضا إنتاج نفسه بآلياته الداخلية. هذا التصور الخطير ينهي مجتمعات، ونجده الآن مجسدا في «الدولة الأمنية». وإذا كان هناك فضلاء وشرفاء، ومن هم حريصون على أن لا ينهاروا رغم القلة التي يعيشونها والقسوة، نجد أن هؤلاء مع ذاك الواقع يجب أن يفسدوا ويجب ثنيهم عن قراره.
وكذا يجب أن يسقطوا ويفتحوا الطريق أمام حالة من الإفساد التي لا تنتهي، أي التي تؤسس للطبقة الفاسدة المفسدة التي تعتبر أن التاريخ أصبح تاريخها، وهناك نتائج خطيرة على مستوى الدولة لهذا، وهو ما يغيب الإمكانات الاجتماعية التي يجب أن يتمتع بها الناس، أي سرقة إنتاج البشر، لذلك يوجد من يملك ملايين، ومن لا يملك حدا أدنى، إنها هوة خطيرة تنهي المجتمع وتحوله إلى حالة من التراخي الذي سينتهي بالخروج من التاريخ. وأما الأمر الثاني فهو الحرية، فيجب أن يكون الإنسان حرا في خياراته واختياراته وقراراته، كي يحقق رغباته المادية بصورة يرتضي بها.
فهناك طرق عديدة، مثل الفساد والمخدرات وغيرها. هذه كلها تحولت إلى طرق للعيش، وليس المطلوب أن نمتلك طرقا للعيش بذاتها، وإنما أن نمتلك طرقا تحفظ كرامة الإنسان، وهذا يخص المرأة بشكل واضح المعالم، إذ إنها لم تدخل حتى الآن في المجتمع بصفتها كائنا مس
تقلا قادرا على حماية نفسه. والأمر الثالث يتمثل بوجود مجموعات تدافع عن البيئة، فلم تعد البيئة الطبيعة فحسب، وإنما كذلك البيئة الاجتماعية التي تنتج بيئة نظيفة خالية من الأمراض التي تأتي من الفساد والإفساد، إنها حلقات متكاملة.
ثوابت متغيرة
شهد العالم في الآونة الأخيرة نشاطا مكثفا، للجماعات الإسلامية، كيف تفسر هذا الظهور؟
يمكن دمج الحركات الإسلامية تحت عنوان واحد كبير، وهو الأصولية. وإذا أردنا أن نتحدث عنها نجد أن أحد أسباب بروزها وليس نشوئها بهذا المقاس المتضخم، آتى من خيبة أمل البشر الذين فقدوا الأمل بالخلاص، فمنذ السبعينيات، بدأت الأزمة العربية مع تدفق النفط وتحوله إلى موارد مالية طافحة في أماكن دون أماكن.
وأخذ ينشأ ما نسميه الآن المجتمع الاستهلاكي، الذي يستهلك الشيء دون أن ينتج شيئا، بهذا الحال أسس لإنهاء حالة الكفاح، من أجل أوضاع مناسبة شخصية أو جماعية، وفي تلك الحالة بدأ البحث عن الخلاص الجماعي الذي بدوره راح يتساقط، مع تعاظم الأزمة المالية، وتعاظم الفساد، خصوصا مع نشوء مخاطر كبرى، ونشأ ما يمكن تسميته الآن بالخلاص الفردي، أي أن يقول المرء لا شأن لي بكل ما يحدث في المجتمع، أنا وحدي أبحث عن خلاص، هذا الجديد نفسه بدأ يتبدد، عبر طغيان «الدولة الأمنية».
هل أثر ذلك على آرائك ومواقفك؟
أنا استمد آرائي وما أدعوه مواقفي النظرية وكشوفي، انطلاقا من واقع الحال، لا آخذ بشيء في سنة منصرمة وأبقي عليه، فالحال تغير ويتغير. وقبلا كان أن يعيد المفكر النظر في آرائه بالحد الأدنى أمرا غير جائز ويعتبر وصمة بشعة في شخصه، ولكن الآن ظهر أن الإنسان يفقد يوميا الكثير من ما اعتبره ثوابت له، وعليه أن يعيد قراءة ما أخذه، والعملية صارت معقدة بقدر ما تعقد الواقع الاجتماعي والإنتاج النظري الذي كان يستند لإنتاج جماعي ومراكز بحوث حقيقية. الآن توجد مئات مراكز بحوث التي قد لا يعنيها شيء مهم، فهي بمعظمها هياكل لا تعنى في كيفية إعادة بناء المجتمع العربي.
وإنما تعنى بكيفية تدميره بصورة منسقة ممنهجة، وجاءت العولمة لتسهم في ذلك بمجموعة من مقولاتها وآرائها، مثل نهاية التاريخ، التي تقول لك انتهى التاريخ فماذا تبقى؟ أي انتهى التاريخ وانتهى البشر، وعليهم أن يستسلموا لواقع الحال بأن يعيدوا بناء العبودية البشرية .
ما الحل برأيك؟
لا أريد أن أجيب عن حلول، ولكن هناك معلومات أولية قد يكون بعضها مناسبا، ومنها ضرورة العودة إلى مشروع جديد يتجاوز على الأقل تلك التي آتت منذ القرن العشرين، أي مشروعات الثورة والإصلاح والتقدم والوحدة، والآن مشروع النهضة والتنمية الذي نجد أهميته الحاسمة، وذلك لأنه يعود على كل المجتمع دون النظر إلى مواقع واعتبارات، فهناك معيار واحد وهو أن يعمل الناس تحت سقف هذا المشروع بحدودهم القصوى، ويستطيعوا بالتالي أن يصلوا إلى شيء من الاكتمال.
من التلفيق إلى التوفيق
نشأت في منزل يحتوي على مكتبة صوفية لاهوتية دينية، ومكتبة علمانية حديثة. كيف انعكس هذا التباين على تشكيل ثقافتك المبكرة؟
هذا الحضور لمكتبتين في المنزل، عبر عن واقع الحال في تطور الأجيال، الأولى التقليدية الدينية الساعية إلى التنوير، وهي كانت مكتبة الوالد، وكان يزورها كثيرون من عشاق الثقافة والحوار في حمص، وبرزت مهام هذه المكتبة، في أنها راحت تستقطب رجال سياسة كبارا، ورجال دين، خوارنة ومشايخ، أنا عشت هذا الجو المنفتح بشكل واضح،
وبدأت المكتبة الثانية في قلب الأولى، نظرا لأن المرحلة الأولى التي عشت فيها بداياتي كانت مرحلة ما بعد الاستقلال، أي المشروع الوطني في سوريا، والذي كان يعول عليه، ولكنه اسقط بسبب الانقلابات ثم بسبب الوحدة بين سوريا ومصر، هذه الوحدة التي قامت بشرط أن تلغى الأحزاب السياسية، والحراك السياسي الديمقراطي، أي الوحدة قامت بشرط أن يلغى ما يحميها لاحقا. ونميت في هذا الجو الجميل الواعد، وهو ما كان عليه أن ينعكس في الثقافة.
كيف تصنف ثقافتك في تلك المرحلة؟
اسمي هذه المرحلة تلفيقية، ولا اسميها توفيقية، والتلفيقية تجمع بين ناحتين تختلفان وقد تتقاتلان، هذا التلفيق عشته إلى أن وصلت إلى التوفيق، أي هناك مواقف أخرى لا آخذ بها لكنني مدعو إلى أن أقربها واحترمها وأسعى إلى تطويرها إن استطعت، وكذا أكسب الناس من حولها.