يعد الفراغ عاملاً ضرورياً لكتلة البناء (كما هو ضروري للكتلة النحتيّة)، فهو يُبرزها ويؤكدها ككتلة، ويوفر الشروط الصحيّة لقاطني البناء، إذ يسمح للهواء والضوء بالوصول إليهم، ويمنحهم رؤية واسعة وبعيدة، تحتاجها العين لترتاح، والروح لتنطلق من إسار زحمة المدن واكتظاظ الأبنيّة الشاهقة الارتفاع، والمتلاصقة إلى حد لا يطاق.
ومن أجل هذا، لا بد من عملية تنظيم لمحيط البناء، والقيام بترتيبه بالشكل اللائق والمناسب، ليتناسب وينسجم مع محيطه. ولكي يتم ذلك، لا بد من تعاون ثلاثة من الاختصاصيين في إنجاز هذه العمليّة، وهم: المهندس المدني أو الإنشائي، والمهندس المعماري، والفنان التشكيلي.
تبقى العمارة (سكنيّة كانت أم خدميّة) بحاجة ماسة لمسحة من الجمال، يضفيها عليها الفن التشكيلي بأجناسه المختلفة. وبناءً على ما تقدم، تحرص الدول المتطورة على توفير الفراغ الرحب لكتلة البناء، وإحاطتها بمساحات خضراء، وإقامة حالة من التناسب المثالي بينهما، وتطريز هذه المساحات بإفرازات الفنون التشكيليّة المختلفة، لاسيما النصب التذكاريّة، والتماثيل.
واللوحات الجداريّة، والأثر الفني التزييني، كأواني الزهر، ومناهل المياه، والتشكيلات الفنيّة المتعددة الأشكال والصيغ والمهام. ومثل هذه المظاهر، وعدا عن كونها مظهراً حضارياً مهماً، تعكس تطور البلد وتقدمه، فهي تؤدي أدواراً عدة: ترفيهيّة، جماليّة، توجيهيّة، ثقافيّة، معرفيّة. إذ يتلقفها يومياً، القاطن والضيف، فكما أن المسكن من الحاجات الضروريّة والملحة للإنسان، كذلك الفن الذي يجب أن يسكن دواخل البناء وحوله، ما يعني تكاملهما، حيث إن وجود أحدهما يستدعي بالضرورة وجود الآخر.
أسرة واحدة
اتفق الكثير من الباحثين الجماليين والفلاسفة، على أن العمارة ركن أساس من أركان أسرة الفنون الجميلة، والوعاء الذي يضم بقية أبنائها، ومنها الفنون التشكيليّة التي تُعتبر من أبرز أبنائها، وأكثرهم توافقاً وانسجاماً وتكاملاً مع العمارة الأقرب لأن تكون أمها، فهي الحاضنة لها جميعاً (الفنون التشكيليّة، الموسيقى، الشعر، بعض أنواع الرياضة). ومع ذلك، أهملت هذه الأم، ولأحقاب طويلة، ابنها البار: الفن التشكيلي.
وهو تالياً، كان عاقاً بها، لاسيما عندما انفصل عنها، وتاه عن قيمها الأصيلة، فضعفت قيمه وقيمها في آنٍ معاً، ما يحتم ضرورة عودتهما إلى بعض، وتعانقهما من جديد، ليعود للكتلة النحتيّة ألقها وأصالتها وجمالها، وللعمارة حيويتها وحركتها ووسامتها.
صحيح أن العمارة حاجة، والفنون التشكيليّة حاجة أخرى، وأن المنفعة في العمارة أكثر بروزاً ووضوحاً، والجمال في الفنون التشكيليّة هو الأبرز، ولكن من قال ان لذة الجمال تتعارض مع الشعور بالمنفعة والحاجة والرغبة؟ بل في أحايين كثيرة، يتماهى الجمال بالمنفعة إلى حد لا يمكن فصلهما عن بعض، مثال ذلك أن الطريق يمكن أن يكون جميلاً وسهلاً ومنبسطاً، والبيت مرتباً وأنيقاً ويؤدي غايته في احتضان الإنسان، والأمر نفسه، ينسحب على أشياء أخرى كثيرة في الحياة، يتكامل وينسجم فيها النافع والجميل، وهذا ما يجب أن تتمثله العمارة، سكنيّة كانت أم خدميّة، وخاصية الجمال تسبغها عليها الفنون التشكيليّة.
واتفق معظم الباحثين الجماليين، على أن العاطفة الفنيّة، أو الإحساس الفني لدى الإنسان، مر بثلاث مراحل: الأولى تبدى فيها الشعور الفني بنزعة الإنسان للزينة والتجميل. والثانيّة: تركزت على زخرفة الأسلحة والأواني المنزليّة. وأما الثالثة فاعتنت ببناء الأكواخ والبيوت وزخرفتها. وأول ما زُيّن في البيوت، داخلها، ومن ثم زُيّن، من الداخل، المكان الذي لا يمكن أن يدخله غريب، وهذا هو أصل قاعات الاستقبال في بيوتنا.ولاحقا ازدهرت الهندسة (الفن الإنساني الثالث) في بناء دور العبادة، وفي تشييد وزخرفة قصور الرؤساء.
تعبير
لا شك أن العمل الفني المعماري يختلف اختلافاً نوعياً عن البناء النفعي، كأكواخ الخشب والبيوت التي صممت عناصرها كلها (الجدران، الأبواب، النوافذ، الأسقف ... الخ) على نحو منتظم ومتناسق ومتناسب. وأبرز الأمثلة هنا (المعبد الهليني) الذي يُعبّر عن العظمة.
ويترك انطباعاً بالبساطة، ويعكس إحساساً بالوضوح والانفتاح والراحة. وبالمقابل، وعلى الرغم من تحرر الشكل النحتي، يبقى على صلة وثيقة بمحيطه. فمن المستحيل صنع تمثال أو مجموعة تماثيل، من دون أن يؤخذ بعين الاعتبار، الموضع الذي يُفترض بالأثر النحتي أن يشغله. والمرء لا يبدأ بتنفيذ عمل فني ليبحث من ثم عن مكان ينصبه فيه. بل لا يمكن ولا يجوز العمل الفني إلا من خلال صلاته المستقبليّة مع محيط خارجي محدد، ومع تنظيمه وشكله المكاني. ومن هذه الزاوية، ثمة رابطة دائمة بين النحت والفسح المعماريّة.
النافع والجميل
نجد، وبمراجعة متأنية لتاريخ العمارة والنحت، أن النحت لم يكتف بمجاورة العمارة، بل سكن دواخلها، وتسلق أوابدها وجدرانها، ودخل في نسيجها مع الرسم والتصوير والزخرفة. ومن هنا فالعمارة لا تلتقي مع الفنون التشكيليّة فحسب، بل إن الفنين ينحدران من صلب أسرة واحدة هي (الفنون الجميلة). وطبعا التداخل قائم ومؤكد بين هذه الفنون كلها. فالفن كما يراه الدكتور زكريا إبراهيم، هو هذا الشيء الذي يجمع بين الكاتدرائيّة والسيمفونيّة، بين المنحوت والمنقوش، بين المنظوم والمنغوم. أو هو ما يسمح لنا بأن نقارن التصوير بالشعر، والعمارة بالرقص، والموسيقى بالنحت.
إن المنشاة المعماريّة كالنغمة في السيمفونيّة، والكلمة في النص، واللون في اللوحة، حيث يجب أن تعيش مع ما حولها بتوافــق وانسجـــام، وأن تُشـــكّل جزءاً من نسيـــج موقعهــا ومــا يضــم من عناصــر معماريّة وطبيعيــّة وفنيـــّة، تمامـــاً كما هو الأمر بالنسبة للكلمــة أو اللــون على هذا الأساس، من الخطـــــأ الفـــادح أن نخطـــط لتأمين سكـــن مفيد وصحـــي، ولا نهدف لأن يكون هذا السكن مريحاً وجميلاً، في الوقت نفسه،أي يجب أن يكـــون متوافقــــاً كوظيفـــة نفعيّـــــة استعماليّــة، وكوظيفـــة تعبيريّة جماليّة.
ذلك لأن الصورة الفنيّة تتجسد في العمارة من خلال مختلف المنشآت، وينبع تميز الصورة الفنيّة في العمارة من وجود أحاسيس وإرادات ترتبط بالتـــأثير الذي تحدثه في الإنسان، كتل الأشياء، وحجوم الأجســـــام، وأوضاعهــــا في الفراغ. فقد كانت العلاقة الجماليــّة بالواقع ولا زالت، متماهيّة مع ذلك الواقع عملياً، ولم يكـــن لها وجود خارج هذا التملك. ولكن بتطور المجتمع، وتوزيـــع العمـــل، وتعقـــد قدرات الإنسان الشخصيّة، نشـــأت ضـــرورة إيجـــاد مجـــال نشاط خاص وجديد، مهمته التملك الجمالي. أو بتعبير آخر: استيعاب الواقع جمالياً.
هذا المجـــال الخـــاص والجديد والمتعاظـــم الأهميـــة والحضور، في حيـــاة البشـــر، هو (الفـــن) المتعـــدد الأشكـــال والصيـــغ والأدوات، والمتوجـــه مباشـــرة، إلى روح الإنســــان وأحاسيســه وعواطفـــه، ما جعله إحدى الحاجــات الرئيسة والملحــة، لاسيما في عصر كعصـــرنا الــــــذي بات محكومـــــــاً بألف نوع ونوع، من الحصـــارات الماديّـــة والروحيّـــة!!