يُعرّف (الكاريكاتير) بأنه فن رمزي تهكمي هجائي، يُركّز على المبالغة في التفاصيل والملامح، ويعتمد على سرعة الملاحظة والبديهة، لإبراز موقف، أو عنصر من العناصر الحياتيّة، وهو فن يتطلب موهبة خاصة في المشتغل عليه، ليس في الرسم والتمكن من ناصيته وتقاناته فحسب، وإنما على صعيد سرعة البديهة، والقدرة على التقاط المفارقات السياسيّة والاجتماعيّة، وتحويلها إلى رسمة كاريكاتيريّة مُعبّرة.

 اشتقت مفردة (كاريكاتير) من الكلمة اللاتينيّة (كاريكاه)، وتعني الصورة المبالغ في معالمها. كما أن للكاريكاتير صلة حميمة بالكلمة الإنجليزيّة ثفْفكُّمْ وتعني الشخصيّة، وكأن هذا الفن مناط به مهمة كشف خبايا الشخصيّة.

 

تاريخ

سجلت البرديات المصريّة القديمة، البدايات الأولى لهذا الفن. أما فن الكاريكاتير بشكله الحديث فقد تبلور أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر في أوروبا، على القاعدة الفنيّة لعصر النهضة. وزاوج هذا الفن بين التشكيل والكوميديا أو السخرية، وتعود جذوره إلى فنون ما قبل التاريخ، حيث حوت كهوف (كامبرل) في فرنسا، وكهوف صحراء الجزائر الجنوبيّة، وكذلك الكهوف في إيطاليا وأميركا الجنوبيّة والجزيرة العربيّة، رسوماً ذات نزعة كاريكاتيريّة واضحة، من حيث التشكيل والمضمون الساخر.

 وفن الكاريكاتير هو ذلك الرسم البسيط الناقد الساخر الذي يغني عن مقالة كاملة، وإن كان أحياناً بدون تعليق، وهذا النوع من الكاريكاتير تحديداً، يوصل رسالته للمتلقي بسرعة ودون عناء. ولفن الكاريكاتير علاقة قديمة ـ جديدة بالصحافة المقروءة (ولاحقاً المتلفزة)، فهي التي احتضنته وعممته وطوّرته.

ويتفرد فن الكاريكاتير بجملة من الخصائص والمقومات، وله أنواعه المختلفة، كالسياسي والاجتماعي والثقافي والترفيهي الفكاهي. وأما فن الكاريكاتير العربي الحديث، فقد ولد العام ‬1877 عندما قام (يعقوب بن صنوع) بإصدار جريدة ساخرة في القاهرة باسم (أبو نظارة زرقاء).

وهي الأولى من نوعها في الشرق لناحية مضمونها الهزلي الكاريكاتيري، ثم جاءت مجلة (الكشكول) و(الشمعني) و(ظهرك بالك) و(حط بالخرج) و(النديم) و(المضحك المبكي) و(الدبور) و(الدومري). وغيرها. وفن الكاريكاتير لا يمكنه أن يفعل شيئاً دون الصحافة.

فهي الحضن الذي نشأ وترعرع وتطور فيه، ومن خلالها وبوساطتها، وصل إلى الناس، بقطاعهم العريض، وقام بدوره التحريضي والإصلاحي والتنويري، والنضالي، والترويحي. ويعتمد فن الكاريكاتير بتقديم مواضيعه وأفكاره، على الأشكال المباشرة والرموز والإشارات المكثفة، وأحياناً على الكلمات والنصوص، وأفضله ما كان مختصراً ومختزلاً ومفهوماً بلمح البصر.

 

أنواع الكاريكاتير

أحياناً يعتمد رسام الكاريكاتير على الأشكال والرسوم، لتقديم الفكرة، وأحياناً أخرى، يُسعف الرسم والأشكال بنصوص أو كلمات قليلة. وفي الحالين، على فن الكاريكاتير أن يقدم للمتلقي المعنى الجوهري والمُركّز والمفاجئ، وأحياناً كثيرة، غير المعقول، لكن على هذا الفن أن يبقى لصيقاً بالواقع، فمنه يستعير أشكاله ومفرداته ورموزه وإشاراته، ثم يقوم باختزالها وتحويرها، إنما ضمن قواعد وأصول باتت معروفة.

وهناك من يرى أن أفضل أنواع رسوم الكاريكاتير، هي تلك التي تعتمد على الرسم فقط، بما قل ودل، على أن تنسجم وتتلاءم هذه اللغة، وبشكل كبير، مع أهدافه وغاياته. وهناك من يرى أن تعاون الرسم و(الكلمة) هو نوع من التعاون بين نوعين من الإشارات المتميزة، وقد كان للرسامين، قديماً وحديثاً، صولات وجولات، في عملية إخضاع الخط العربي، أو الكلمة، إلى نوع من التشخيص القادر على أن يعكس معناها، كأن يكتب الخطاط أو الرسام كلمة (عصفور) على هيئة عصفور، أو يرسم بكلمة (سيف) سيفاً..

وهكذا. وحتى رسامي الكاريكاتير، كثيراً ما حوّلوا كلمات في رسومهم، أو بعض حروفها، إلى وجوه وأشكال ضاحكة، ما جعل المقروء يلتقي بالمرئي، والمنصوص بالمرئي. ولفن الكاريكاتير علاقة متبادلة مع فن الملصق، والرسوم المتتابعة، لاسيما الهزليّة.

ومن أهم مقومات فن الكاريكاتير الناجح، قيامه بقلب المعنى العام للحدث وتبديله، ثم عرضه على عدة مراحل، ولتحقيق ذلك، لا بد من توفر عنصرين أساسيين في رسام الكاريكاتير، الأول: موهبة الرسم والخبرة والدربة والإمكانية في التعامل معه. والثاني: موهبة التقاط الفكرة الذكيّة، الجديدة، المعبرة، وعكسها عبر الرسم والعناصر الأخرى في رسمة الكاريكاتير، بجلاء ووضوح واختزال، لتصل إلى المتلقي بيسر وسهولة وقوة.

ومن جانب آخر، يُصنف الكاريكاتير ضمن أجناس وأنواع، وفقاً للمهمة أو الوظيفة المناطة به. فقد يكون الكاريكاتير ناقداً ساخراً، أو كاشفاً ومعرياً، أو حاضناً لنكتة، أو مفارقة باسمة، أو مُثيراً للضحك، أو مشيراً إلى مسلبة أو عيب. وقد تًناط به مهمة توجيهيّة، أو إعلاميّة، أو إعلانيّة. فمنه الاجتماعي، والتربوي، والسياسي، والثقافي، والاقتصادي.

وكل هذه الخصائص والسمات والمهام، تأتي ضمن إطار السخريّة الحاضرة فيه جنباً إلى جنب، مع باقي الانفعالات الإنسانيّة، كالحزن والفرح والحب والكره والدهشة (كما يقول رسام الكاريكاتير اللبناني عبد الحليم حمود). ويؤكد حمود أن السخريّة وما يتبعها من ابتسام أو ضحك، يشكلان اللبنة الأوليّة لبناء الصرح الكاريكاتيري، منذ بدأ هذا الفن مسيرته الأولى قبل آلاف السنين.

 

فن السخريّة

شكّل كل ما أنتجته البشريّة من سخريّة ونقد ورسم، محوّر، الجينات الوراثيّة التي وصلت إلى هذا الجنين الذي يدعى (الكاريكاتير). وقد شبّ وترعرع وانتشر وزاد تأثيره في الناس، عندما صاهر الصحافة واقترن بها!! وكغيره من أجناس الثقافة (لاسيما البصريّة)، استفاد فن الكاريكاتير من المعطيات الهائلة التي وفرها الحاسوب لمزاوليه الذين ربطوا نتاجهم به.

أو بعض مراحل إنجاز هذا النتاج، غير أن اتكاءهم على الحاسوب، خدمهم شخصياً أكثر من ما خدم فنهم. فقد وفر الحاسوب لهم، سرعة الإنجاز، ودقته، وجماليّة خارجيّة لفنهم، تشبه إلى حد بعيد، الفاكهة والخضار البلاستيكيّة. أي شكل جميل، وتعبير بارد، فمع الحاسوب، غابت لمسة الفنان المباشرة المفعمة بالإحساس والانفعال، والحاضنة لتفاعله مع الموضوع المعالج .

وهو في ذروته، كما بدأت المواهب المتواضعة الإمكانات والخبرة، تختبئ خلف ما يتيحه لها الحاسوب من قدرات تقانيّة كبيرة، قادرة على تمريرها وتسويقها، بل وأحياناً منافستها للمواهب الحقيقيّة والأصيلة. وهذا الأمر لا ينسحب على رسامي الكاريكاتير فحسب، بل يطال مزاولي الفنون البصريّة الأخرى، لاسيما المصممين الغرافيكيين، ومهندسي الديكور، وحتى المصورين والحفارين والنحاتين... الخ.

 

الكاريكاتير الناقد

يمثل الكاريكاتير العربي الناقد، مجموعة كبيرة من الفنانين، منهم: ناجي العلي، صلاح جاهين، أحمد حجازي، مؤيد نعمة، رشيد قاسي، محمد الزواوي، ممتاز البحرة، عبد الهادي الشماع،علي فرزات، محمود كحيل. ولكل واحد منهم أسلوبه الخاص المتميز بجملة من الخصائص والمقومات والتقانات المتعلقة بالتعليق الأدبي، والشخصيات الكاريكاتيريّة والتكوين.

، وأيضا التشريح والديمومة والآنيّة وأسلوب السخريّة، واعتماد الخط الخارجي وبعض التقانات في إنجاز الرسمة الكاريكاتيريّة المتعددة المواضيع والأهداف، والملتقية جميعها على النقد والسخريّة المتماهيّة بالابتسامة.

إن ثمة علاقة بين فن الكاريكاتير وسيكولوجيا وسيسيولوجيا المجتمع العربي، وبين رسام الكاريكاتير العربي، وجملة من القضايا الهامة المتعلقة مباشرة بقدراته الإبداعيّة، ومراحل عملية الإبداع الفنيّة، وعملية تذوق فن الكاريكاتير، والفرق بينه وبين النقد الفني. ولأن الفنان المبدع مفطور على التمرد والثورة على الواقع، وعدم رضاه عن ما هو سائد، وسعيه الدائم لتغييره، فقد اصطدم إبداعه بحرية الرأي والتعبير، وجعله في معظم الأحيان، مطارداً أو يعاني من التهديد والتضييق عليه.

 

آلية التحريض

وللعامل الاجتماعي تأثيره الكبير في تذوق فن الكاريكاتير العربي، والتوافق الاتصالي بين الكاريكاتير والمتلقي، ولتحقيق هذه الغاية يجب أن يراعي فن الكاريكاتير، اختيار الرموز بما يناسب جمهوره، حيث أن لكل علامة أو رمز أو دلالة، سواء كانت تشكيليّة أو لغوية، مدلولا أو مرجعا.

وأما آلية التحريض في فن الكاريكاتير، فتتم على مستويين: الأول فكري، إذ يخاطب الكاريكاتير جملة من القناعات التي تؤمن بها الجماعات الموجّه إليها، أو المعارف الفكريّة المكوّنة لها. والمستوى الثاني انفعالي، حيث يلجأ الكاريكاتير إلى مخاطبة الشعـــور.

ويقـــوم بشحــذه باستمرار، ليبقى في قمة توهجه وحيويته. ولنجاح عملية تواصل هذا الفن مع المتلقي ونقل رسالته إليه بشكل صحيح وسليم، لا بد من التفاعل بين هذين المستويين، وقيام حالة من التوافق الاتصالي بين المخزون المشترك للرمز وبين المتوجه إليه. وإذا أردنا تقوية الدور التحريضي للكاريكاتير.

ورفع وتيرة تأثيره، فهذا الأمر يتم من خلال عرض ووصف المشكلة التي يتصدى لها، ثم تقييمها وأخذ موقف منها، سلباً كان هذا الموقف أم إيجاباً، ومن ثم يحاول تحريض المتلقي على تبني هذا الموقف، بشكل غير مباشر.