تساهم هيئة دبي للثقافة والفنون (دبي للثقافة) في دعم وتفعيل حركة الفن التشكيلي في دبي والمنطقة، من خلال دورها الذي يبدأ بتعزيز البنية التحتية لملامح المشهد الثقافي والفني، إلى المبادرات التي تثري النسيج التاريخي والمعاصر للثقافة في الإمارة، وأحدثها برنامج (الفنان المقيم).
تَمثل دور (دبي للثقافة) في إطار دعم الفن التشكيلي، بالعديد من المبادرات غير المعلنة التي تبدأ بالأمور اللوجستية المرتبطة بالعدد القياسي من الغاليريات في دبي ونشاطاتها، إلى رعاية المبادرات التي تساهم بدور فاعل في تطوير الأحداث والفعاليات الثقافية في دبي، وأحدثها التعاون مع (مؤسسة دلفينا) لتنظيم برنامج عالمي لإقامة الفنانين في منطقة البستكية التاريخية.
وبهدف تسليط الضوء على النشاط الأخير الذي أطلقته (دبي للثقافة) والمتمثل في برنامج (الفنان المقيم)، التقت (مسارات) بعدد من المشاركين في المشروع من الجانب الإداري والفني، في مقر البرنامج بالبيت رقم 44 بمنطقة البستكية، والفنانين المستضافين من قبل البرنامج، وهم الفنان الإيراني عباس أقحوان المقيم في كندا.
والبريطاني توبياس كولير، فضلاً عن الفنانات الإماراتيات الثلاث اللواتي استطعن التميز في الساحة الفنية المحلية من خلال تجربتهن الإبداعية، وهن هند بن دميثان، وشيخة المزروعي، وشما العامري. علماً بأن تنفيذ هذا المشروع تم بالتعاون مع كل من (تشكيل) للإبداع الفني التي تأسست عام 2008 من قبل الشيخة لطيفة بنت مكتوم، والقائمون على معرض (آرت دبي) السنوي، و(المجلس الثقافي البريطاني).
دبي للثقافة
كالتقينا بـ سالم باليوحه مدير المشاريع والفعاليات في الهيئة، للتعرف على أهداف مشروع برنامج (الفنان المقيم) ومن ثم دور (دبي للثقافة) في قطاع الفن التشكيلي.
قال باليوحه:(نسعى من خلال هذا البرنامج الذي يمتد لمدة ثمانية أسابيع ابتداء من 12 فبراير الماضي، إلى مد جسور التواصل مع الحضارات الأخرى والحوار بين كبار الفنانين من الخارج وفناني الإمارات، وتبادل الخبرات والأفكار والتجارب الكفيلة بفتح آفاق جديدة لدى الجميع. أما اختيار المكان فكان استنادا إلى ما تتميز به منطقة البستكية التاريخية، كما وفر البيت التراثي 44 بغرفه العشر وردهته الفسيحة مساحة ملائمة لإقامة وعمل الفنانين.
كما يعمل الفنانون الخمسة على مشاريعهم الخاصة بشكل مستقل، بهدف تقديم عملين في إطار الفن التركيبي الذي يجمع بين الفن البصري والعملي، ليتم عرضها في كل من معرض السكة الفني بالبستكية، والدورة الخامسة من معرض (آرت دبي).
وبشأن دعم (دبي للثقافة) لقطاع الفن التشكيلي بصورة عامة قال، (يبدأ دورنا على صعيد البنية التحتية لهذا القطاع، من خلال التنسيق والتعاون مع الدوائر الأخرى المعنية لمواكبة الحركة الفنية. فعلى سبيل المثال كان يتطلب في السابق الحصول على ترخيص لإنشاء أي غاليري، أن يتضمن الترخيص 21 نشاطاً من الأثاث إلى التحف فاللوحات وغيرها. وبمساعدة (دبي للثقافة) التي أقامت ورش عمل مع تلك الدوائر. كذلك الأمر مع لجوء العديد من الغاليريات إلى منطقة القوز الصناعية لتوفر المواصفات المطلوبة للغاليري من حيث المساحة، حيث تم دراسة هذا الموضوع مع الجهة المعنية للحصول على رخصهم في منطقة صناعية).
وأضاف، (تم على صعيد دعم الحركة الفنية، إطلاق مبادرة (جائزة الشيخ محمد بن راشد لداعمي الفنون) التي تعنى بتكريم وتشجيع مقتني الأعمال الفنية في المنطقة والذين يساهمون بشكل فعلي في عم الحركة الفنية ونهضتها سواء من خلال اقتنائهم أو من خلال عرض مجموعات مقتنياتهم بصورة دائمة، مثل مجموعة فرجام ومؤسسة بارجيل وغاليري ترافيك.
كما يتم حالياً دراسة مشروع اتحادي مع الجمارك بشأن دخول وخروج اللوحات، إلى جانب تنظيم العديد من النشاطات، كورش العمل الفنية المتخصصة واستقدام الخبراء لإلقاء محاضرات في الجامعات والجهات المعنية، وبعثات الدورات إلى الخارج، إلى جانب توثيق ذاكرة المشهد الفني في دبي من خلال أرشيف يضم كلا ما يتعلق بمستجدات المشهد الفني في الإعلام المطبوع والمرئي والمسموع، والمحفوظ بأحدث التقنيات.
(كما يشمل هذا الدعم التعاون مع القطاع الخاص، مثل تعاوننا مع (آرت إن ذا سيتي) التي أصدرت كتيباً يضم خارطة بمواقع جميع الغاليريات في دبي. كذلك الأمر مع المعرض السنوي (آرت دبي) منذ انطلاقته قبل خمس سنوات، ابتداء بالإشراف والمتابعة لكافة مراحل إعداده بما ينسجم مع توجهات دبي الاستراتيجية، إلى رعاية جانب من أنشطته مثل منتدى (غلوبال آرت) في الدورة الخامسة. كما تقوم (دبي للثقافة) حالياً على دراسة العديد من المشاريع الثقافية من ضمنها مكتبة متخصصة بالفن).
شيخة و106
في إحدى غرف الدور الأرضي، كانت الفنانة الإماراتية شيخة المزروع التي تخرجت العام الماضي من كلية الفنون الجميلة والتصميم بجامعة الشارقة، تعمل على مشروعها في الفن التركيبي (106) الخاص بجدارية ضخمة تضم ما يزيد عن مائة دارة كهربائية، والتي جمعتها من مختلف أنواع أجهزة الكمبيوتر منتهية الصلاحية.
قالت شيخة بشأن مشاركتها في البرنامج، (تواصلنا مع الفنانين من الخارج يولد صيغة جديدة من الحوار والأفكار والتعاون، خاصة مع مناقشتنا للمشاريع التي نقوم بتنفيذها حالياً). أما فيما يتعلق بمضمون مشروعها المشابه لعملها الثاني الخاص بمعرض السكة الفني، (أبحث دوما عن المعاني الجديدة التي يمكن استنباطها من أشياء وبقايا ما نستهلكه في حياتنا العملية والاجتماعية.
والتي ركز عليها كل من الفنان الفرنسي الحداثي مارسيل دوشامب (1887 ؟ 1968)، إضافة إلى رؤية الفنان السويسري بول كلي (1879 ؟ 1940) حول أثر الفنون الشرقية والإسلامية على تحولات فنونهم. وفكرة عملي الجديد مستمدة من واقع عصرنا الذي هيمنت عليه التقنيات الرقمية، ويتماشى مع مستجدات الواقع. وتبلغ مساحة كل من العملين ما يقارب من (مترين ونصف بمترين ونصف).
توبياس والفضاء
كان الفنان البريطاني توبياس كولير الذي يهيمن على أعماله أجواء عالم الفضاء الخارجي بما يحفل به من مجرات وما يحيط بها من كواكب ونجوم، مكباً على الورقة أمامه في غرفته بالدور العلوي، حيث كان يرسم تحت المجهر بقلم الحبر الدقيق الخاص برسومات المخططات.
وقال بشأن تجربته في البرنامج، (شاركت في العديد من البرامج المشابهة آخرها كان في تركيا وسوريا وبلجيكا، ولا يمكنني وصفت تأثير هذه التجارب المرتبطة بثقافة المكان والفنانين، إلا بعد مضي زمن عليها حيث ينعكس هذا التفاعل في عدد من أعمالي الفنية.
وقال بشأن مشروعه الذي سيشارك به، (يتضمن مشروع ست لوحات، ويتطلب زمن العمل على كل لوحة ما يقارب من 20 ساعة من العمل الدقيق. وهذا النوع من العمل يتطلب الكثير من التأني والصبر، كما يساعد على التأمل واستقراء الدلالات.
عباس والأفكار
تتميز أعمال الفنان عباس اخوان بمفهوم ما بعد الحداثة، الفن الذي يعتمد على الفكرة المبتكرة التي تخلق تفاعلاً بين العمل والجمهور والمستمدة أسوة بالفن التركيبي من تفاصيل واقع الحياة اليومية. وتتسم أفكار أخوان الفنية بجمعها بين الحداثة والطرافة والابتكار والنقد الاجتماعي لظاهرة ما.
قال أخوان عن تجربته في البرنامج، يساهم هذا النوع من البرامج في توليد العديد من الأفكار الفنية التي ترتبط بواقع المكان وثقافته. ومشروعي الحالي مرتبط بتفاصيل البيت التراثي الذي نقيم فيه، الذي ألهمني فكرتين احداهما مرتبطة بساحة الدار والأخرى، بالمفهوم القديم لتمديدات المياه التي كانت تعتمد على صنبور واحد لكل بيت. وما أسعى إليه من خلال مثل هذه الأفكار، هو استثارة فكر الزائر ودفعه إلى التفاعل والتأمل من خلال الحالة الفنية التي تؤسسها الفكرة.