سلسلة من المكتشفات الأثرية في أبوظبي، أوضحت الكثير من الحقائق التاريخية حول طبيعة جغرافية المنطقة والحضارات التي مرت عليها، منذ ملايين السنين. وتأتي هذه المكتشفات بعد جهود نوعية من قبل هيئة أبوظبي للثقافة والتراث من أجل اكتشاف وحفظ وحماية التراث الثقافي المادي لإمارة أبوظبي، وبالتالي إدارته وتطويره، بما في ذلك المواقع الأثرية والثقافية والمباني التاريخية والمقتنيات الأثرية والمخطوطات.
تتزامن أعمال ومبادرات «ثقافية أبوظبي» في هذا الاتجاه، مع الإشراف على إنجاز مشروع شامل، لإعداد الخرائط لكافة مواقع البقايا الحيوانية المتحجرة في أبوظبي، وتنتشر غالبية هذه المواقع على طول امتداد المنطقة الغربية.
وثقت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في مطبوعاتها الرسمية، ومشاركاتها الخارجية في المحافل الثقافية الدولية، أهم معالم التراث المادي في دولة الإمارات، ومنها ما يزيد على 1200 موقع أثري، تمتد من عام 3000 قبل الميلاد، وصولا إلى فترة الجاهلية المتأخرة قبل ظهور الإسلام، إضافة إلى ما يزيد على 100 مبنى تاريخي، يرجع تاريخ بعضها لـ300 عام مضت، وهذا إلى جانب الكثير من المعلومات والصور عن المناطق الثقافية المهمة. وترجع الاكتشافات الأثرية في أبوظبي إلى الفترة ما بين 2000 إلى 2500 قبل الميلاد، وتمثل أجزاءً مترابطة من حضارة عريقة، تعرف عالميا باسم «حضارة أم النار». إذ ساهمت التنقيبات عن النفط في اكتشاف مقابر حجرية قديمة، وتم العثور على دلائل وعلامات على وجود مستوطنات ومقابر ومعالم حضارة لسكان كانوا يتمتعون بالمهارة في تذويب النحاس، وكانت لهم اتصالات تجارية قوية مع مختلف مناطق آسيا. وفي جزيرة مرواح تم الكشف عن هياكل عظمية أثبتت الأبحاث والاختبارات أنها تعود إلى أفراد ينتمون لشعب استوطن أبوظبي منذ ما يزيد على 7500 سنة. وأما المواقع التاريخية الأخرى فتروي قصصاً مختلفة، إذ تتميز مدينة العين بثراء معالمها التاريخية التي تعود إلى العصور: الحجري، البرونزي، الحديدي، الهيليني، الجاهلية، وأيضا ما بعد ظهور الإسلام.
وكشفت أعمال التنقيب المشتركة بين الهيئة، وأبرز المؤسسات العلمية في العالم في مجال أعمال التنقيب، عن المواقع الأثرية والمتحجرات، خلال العام الماضي، منها جمجمتان كاملتان لتمساحين ضخمين، من فصيلة تماسيح كانت تعيش في المنطقة، التي كان ينساب فيها نهر قبل نحو 8 ملايين سنة مضت. وبرهنت دراسة تفاصيل الصخور على وجود النمل الأبيض الأحفوري.
ويقدر عمر الاكتشافات في مواقع جديدة، إلى ما بين 6 إلى 8 ملايين سنة، واحتوت على نوعيات عالية الجودة من المتحجرات، حيث عاشت أنواع كثيرة من الحيوانات، من بينها الفيلة، وأفراس النهر، والظباء، والزراف، والقرود والقوارض والحيوانات آكلة اللحوم الصغيرة والكبيرة والنعام والسلاحف والتماسيح والأسماك.
ورغم وجود أدلة على البيئة الصحراوية، إلا أن هذه الكائنات قد خلفها النهر الكبير الذي كان يجري بأسباب الحياة، بتدفقه البطيء عبر المنطقة، علاوة على وجود الغطاء النباتي المزدهر الذي يضم الأشجار الكبيرة. علماً أن هذه الحيوانات تشبه تلك المعروفة في شرقي إفريقيا خلال الفترة الزمنية نفسها. وهي تقابل أيضاً بعض الأنواع الأوروبية والآسيوية من الفترة الزمنية ذاتها.
وتركت الفترة الإسلامية المتأخرة العديد من الأدوات الحجرية في منطقة «الشويب» قرب مدينة العين، إذ تجاور أدوات أخرى تعود لفترة العصر الحجري الحديث. ومن الآثار التي تم العثور عليها في منطقة الشويب في العين: زوج أقراط من الفضة «شغاب»، قطعتا عملة من البرونز، حلقة دائرية صغيرة الحجم، أجزاء من الأدوات الحجرية التي كانت تستخدم كمدقات وأدوات لطحن الحبوب، أدوات حجرية لشحذ السكاكين، بقايا مواقد للنار يمكن أن تكون للطبخ وجد بجانبها بقايا عظام الحيوانات، مجاميع لكسر الفخار.
كما عثر في بعض الأحيان في هذه المواقع، على عدد من الشظايا الصوانية العائدة لفترة العصر الحجري الحديث، ما يدل على وجود مواقع تخص فترة العصر الحجري الحديث، ربما دفنت تحت الرمال، أو مواقع قريبة منها. وتم التأكد أن هذه المواقع مشابهة لتلك المواقع التي تم مسحها سابقا من قبل الهيئة، خلال المواسم السابقة، كمواقع محضر المري وموقع بدوع الشويبر جنوبي منطقة الختم، ومواقع في منطقة الخزنة «غابات بوخيسة»، والكثير من المواقع التي تم توثيقها خلال مسوحات المعاينة الأولية الثقافية في مناطق متعددة من أبوظبي.
عمليات الترميم
ترميم المباني القديمة ذات العمارة الطينية والحصون والقلاع والقصر التي تعود لقرون مضت، جانب آخر توليه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث اهتمامها الخاص. وتضم مدينة العين عددا كبيرا من أقدم المباني في إمارة أبوظبي، ولعل أهمها قلعة الجاهلي التي بنيت في أواخر القرن التاسع عشر، وشهدت عملية ترميم ضخمة جعلت منها منارة ثقافية لمدينة العين والمنطقة، عبر استضافتها للعديد من الفعاليات الموسيقية والفنية والثقافية، على مدار العام. وذلك بعد أن رمُمت القلعة بحسب المعايير الدولية المعتمدة من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو»، وهو ما أهلها لتكون مركزا ثقافيا ومقصدا رئيسا للزوار والسياح. وهي تضم مركزا للمعلومات، وصالة عرض مؤقتة، وصالة عرض دائمة عن الرحالة والكاتب والمصور مبارك بن لندن «ويلفريد ثيسجر»، الذي عبر صحراء الربع الخالي مرتين في أربعينات القرن العشرين، إضافة إلى ركن لبيع الكتب.
وأما متحف العين الذي أنشأه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ليكون أقدم متحف في الإمارات، فيسرد بين أجنحته ملامح الحياة الإماراتية القديمة قبل النفط، وأبرز الاكتشافات الأثرية المهمة في المنطقة، والتي يصل أكثرها قدماً، إلى فترة العصر الحجري.