مع اقتحام التكنولوجيا الرقمية حياتنا اليومية، أخذت العديد من الأشكال والأدوات تتغير لتظهر وسائل جديدة، فالاتصالات لم تعد مقصورة فقط على الهاتف المنزلي أو المحمول، بل ظهرت قنوات وبرامج المحادثة التي تنقل الاتصال بالصوت والصورة عبر الإنترنت.. وتحولت الصور الورقية إلى الشكل الإلكتروني لتشاهَد على شاشة الحاسبات ويتم تخزينها على وحدات الذاكرة الإلكترونية. ولم تقف التكنولوجيا الرقمية عند هذا الحد، إذ إنها تحاول ـ وبقوة - اقتحام مجالات أكثر قرباً من الباحثين المثقفين والأدباء والقراء بشكل عام، بالتحول من الكتاب الورقي المطبوع إلى الكتب الإلكترونية.
ربما هناك عائق محدد أمام هذا الواقع، حيث التكنولوجيا لا تكون موفقة دائماً. فرغم مميزاتها وسرعة الوصول إليها إلا أنها عجزت عن توفير علاقة الصداقة والمصاحبة والحميمة والأنس بين كل من القارئ والكتاب الورقي.. حتى إن بعضهم عشق رائحة الورق مع القراءة، بينما الكتب الإلكترونية افتقدت أحياناً إلى الدقة والمصداقية والتوثيق الموجود في الكتب الورقية.
إن هذا فعلياً ما يؤكده، محمد عباس، مسؤول دار «الحديثة للنشر»، موضحاً أن هناك فرقاً بين القراءة الورقية للكتب أو المقروءة إلكترونياً، والفرق يأتي لصالح الكتاب الورقي بالطبع؛ الذي مازال يحظى بقبول القارئ لأسباب كثيرة تتعلق بالمصداقية أولاً، حيث تكون الكتب مسجلة رسمياً ومفهرسة وأقرب إلى التوثيق والتدقيق، علاوة على أن الكثير من الكتب المطبوعة «الورقية» غير متوافرة على شبكات الإنترنت، ولا يوجد لها شكل إلكتروني حتى هذه اللحظة.
اختلافات جوهرية
ويتطرق عباس إلى جانب آخر لا يخلو من الأهمية، يتعلق بوجود اختلافات جوهرية بين الطبعات المختلفة للكتاب الورقي الواحد والتي تم طبعها عبر عشرات السنين وربما المئات، ويقول: من يتحرى الدقة في تصنيف كل طبعة حاليًا على الإنترنت، يجد القائمين على المواقع الإلكترونية يستعينون بإحدى الطبعات المتوافرة في الأسواق التي ربما فقدت أثناء طبعاتها من الفصول أو الفقرات ما لا يتماشى مع دواعي العصر، ويكشف ذلك حرص الباحثين على اقتناء الطبعات الأولى لكتب الحديث والتفسير مقابل آلاف الجنيهات، كما أن الدارسين مازالوا يبحثون عن الكتاب الورقي رغم توافر الأسطوانات الإلكترونية.
الخل الوفي
ويوضح خالد العمري، صاحب «دار الفاروق» للنشر، أن معظم دواوين الشعر التي تُباع بصحبة بصوت الشاعر، يقوم المشتري بإعادة الـ للبائع؛ لأنه لا يعرف كيف يتعامل مع القصيدة المسجَّلة صوتياً، وأرجع ذلك إلى أن القارئ العربي لم يعتد إلا بالكتاب المقروء.
ويشير إلى أن الأجيال المختلفة نشأت على حب القراءة والاطلاع؛ لذلك ظل رفيقها أينما ذهبت وهذا بالتأكيد ما قد يفتقده القارئ للكتاب الإلكتروني اليوم. وأشار في هذا الصدد إلى أن الأسلوب الفريد للجاحظ في وصفه للكتاب خير دليل على قيمة الكتاب الورقي، فقد وصفه بـ«الخل الوفي، الذي لا يخون أبداً وأنه الرفيق في الحل والترحال، والناصح بصدق، والمخلص الأمين الذي يصاحبك أثناء الاستراحة وتضعه تحت رأسك، ولا يكلِّفك ضيافة أو مأكلاً أو مشرباً».
طبيعة خاصة
كما يؤكد محمد عبدالعزيز، روائي شاب، أنه من الصعب أن يظل جالساً أمام الكمبيوتر لساعات سواء للقراءة أو المشاهدة، فهذا إرهاق وملل على حد تعبيره، بينما الكتاب الورقي المطبوع له طبيعة خاصة تتيح نوعاً من الحرية ليست فقط الثقافية وإنما حرية الحركة أيضاً، كما يرى أن الكتاب الإلكتروني يشتِّت ذهن قارئه، ويُوقعه في فخ النسيان. فالدول المتقدمة صاحبة الاختراع الرقمي مازالت حريصة على القراءة في أماكن مختلفة، كما أن سوق الكتاب المطبوع مزدهرة لديهم، لافتاً إلى أنه التقى بعدد من الشباب الأوروبي ولاحظ أنهم لايزالون يحتفظون بالكتاب الورقي رغم انتشار الإلكتروني لديهم بصورة مذهلة.
فكرة الحرية
وهذا ما أكده أيضاً الباحث أسامه السيد، مضيفاً أن أهمية الكتاب الورقي تكمُن في مروره بمراحل مهمة في إعداد مادته الصحيحة ونصوصه على أساس علمي دقيق، من حيث المراجع التي يعتمد عليها، وأيضاً التصحيح التاريخي، والمراجعات اللغوية. وعلى النقيض نجد هناك عشوائية في إنتاج الكتاب الإلكتروني، حيث إن هذه النوعية من الكتب يمكن إعدادها ونشرها على الشبكة العنكبوتية دون تصحيح أو مراجعة، ولا تعترف الجامعات المصرية بالمراجع الإلكترونية التي من الممكن العبث بمضمونها بالتحريف أو التزوير. ويركز أيضاً على فكرة الحرية التي يمنحها الكتاب الورقي، فهو يشعر - على حد تعبيره - بأنه حبيس أو مقيد الحركة أثناء القراءة على الإنترنت.
قارئ مختلف
ويشير الشاعر سمير أبو الحسن، إلى أساليب تعليمنا التي تعتمد على المنهج المكتوب على الورق، وما خلفته الصحافة الورقية والمطبوعة من ترسيخ لفكرة الورق أكثر، أما الكتيب والنشر الإلكتروني فله زمن محدد، حيث يلجأ إليه القارئ للاستقصاء السريع للمعلومة من الإنترنت، بينما تظل المتعة للكتاب الورقي.
ويضيف أن هناك بعض المواقع الإلكترونية التي انتقلت من فكرة الكتب الإلكترونية إلى الكتب المسموعة؛ ما يعني حصول المشترك على مكتبة متنقلة معه تضم ما لا يقل عن 15 ألف كتاب، إلا أن هذه الخدمة لم يتم تفعيلها في كثير من البلدان العربية في الوقت الحالي، موضحاً أن الكتاب الإلكتروني بدأ يجد له قارئاً من النوعية القادرة.
ويبين الناقد الأدبي رابح بدير أن التكنولوجيا تتيح فقط للراغبين وسيلة جديدة للتثقيف، وليس من المطلوب أن تلاقي إقبالاً من الجميع، فهي ليست أكثر من وسيلة ترويج ثقافية قد تفيد الكاتب، ربما لانتشار الإنترنت الذي اعتمد عليه كثيرون في العالم كله في ظل ثورة المعلومات، إلا أنه مازال غير قادر على إحالة الكتاب الورقي إلى التقاعد.