شكّلت العمارة القديمة، بشقيها المديني الباذخ المتقن والحاضن لمواد وخامات وخبرات فنيّة وحرفيّة رفيّعة، والريفي البسيط شبه البدائي القائم على مواد وخامات البيئة الطبيعيّة المتوفرة في مكانها، شكّلت موضوعاً أثيراً للفنانين التشكيليين العرب، منذ عاودوا اتصالهم بالفنون التشكيلية، وتبنوا تقاناتها واتجاهاتها المعاصرة، مدفوعين بهاجس أساس، هو تأكيد هويّة محليّة في منجزهم البصري الجديد، يدل على الزمان والمكان الذي ولد فيه هذا المنجز.
لاسيما بعدأن اكتشفوا مدى شغف الفنان التشكيلي الأوروبي بهذا الموضوع، وقيام عدد كبير من الفنانين المستشرقين، برسم وتصوير هذه العمارة، سواء بصيغتها الواقعيّة، وبمواجهة مباشرة لجمالياتها على أرض الواقع، عبر قيامهم بزيارة البلدان العربيّة والمكوث فيها، أو من خلال قراءاتهم عن الشرق العربي، وإصغائهم لأحاديث زملائهم ومعارفهم من الذين زاروه لأكثر من هدف وغاية.
وهذه الفئة من الفنانين المستشرقين، مزجت بين الواقع والخيال، ما أوقع بعض أعمال الفنانين، في المبالغة والشطط والإساءة للشرق العربي والإسلامي، تارة بقصد، وتارة أخرى بغير قصد، وهذا الأمر لم يقتصر على الفنانين التشكيليين الأوروبيين المستشرقين، وإنما تجاوزهم إلى الكتاب والشعراء والمفكرين الذين نظروا إلى الشرق، من خلال أجواء ألف ليلة وليلة، وليس من خلال واقعه الحضاري الضارب في الأصالة والقدم والنبل!!
دوافع مختلفة
لفت الفنان التشكيلي الأوروبي الذي اتجه بأعماله صوب الشرق، وهو مُشيح نظره عن الإرث الإغريقي والروماني المكرور والممجوج، انتباه التشكيليين العرب، ودون قصد، إلى الكنوز البصريّة الجماليّة الكامنة في بلدانهم (ومن بينها النسيج العمراني القديم والأصيل) فالتفتوا إليها، مدفوعين بهاجس التفرد والتملص من تلابيب الاتجاهات والموضوعات التي أخذوها عن الغرب، ووجدوا أنفسهم يكررونها بنوع من الببغائية الباردة، بإرادة ولا إرادة، مؤكدين بذلك المقولة المعروفة (كل إفرنجي برنجي)!!
وفي سوريا، استأثرت (دمشق القديمة) باهتمام عدد كبير من الفنانين التشكيليين، على اختلاف اختصاصاتهم، فعكفوا على رسمها وتصويرها، وإبراز جمالياتها، بأكثر من صيغة وأسلوب، مدفوعين إلى ذلك، بجملة من الهواجس، من بينها، تأكيد خصوصيّة محليّة في أعمالهم، والإشارة الصريحة والمباشرة، إلى ما تتمتع به المدينة القديمة من نسيج عمراني فريد، هو ابن بيئته الطبيعيّة والاجتماعيّة، والرد الروحي والموضوعي، على هذه البيئة الغنيّة بمدلولاتها وقيمها الإنسانيّة والحضاريّة الرفيعة.
وتالياً التحذير من معول الهدم النازل بهذا النسيج تدميراً وفتكاً وإلغاءً، تقوده أطماع التجار والسماسرة ومقتنصو الفرص تارة، وتارة أخرى، الأهداف الخبيثة، لمبشري العولمة القادمين من خلف الحدود، بهذا اللبوس أو ذاك؟!! وفي الحقيقة لم يقتصر الاهتمام الشغوف بدمشق القديمة وجماليات معمارها، على الفنانين التشكيليين السوريين، بل تعداهم ليشمل المصورين الضوئيين، والسينمائيين، والأدباء، وطلاب كليتي الفنون الجميلة وهندسة العمارة، والوطنيين الغيورين من المهندسين وأصحاب الفعاليات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والإعلاميين...
وغيرهم، بحيث أصبحت قضية إيقاف الخطر الداهم على النسيج المعماري الفريد، والمحافظة عليه، همهم الأساس، لما يمثله من دلالات وطنيّة وقوميّة وإنسانيّة واجتماعيّة وجماليّة وحضارية.
وبنظرة عامة، إلى نتاج الرسامين والمصورين، نجد أنه قل ما غابت دمشق القديمة عنه، سواء انضوى هذا النتاج في معارض جماعيّة أو فرديّة. بل لقد كُرست أعمال معارض بكاملها لهذا الموضوع الأثير الدافئ. كما أفردت معارض لتفاصيل ومفردات منها، كالأبواب والشبابيك والسبل والمهن والحرف التقليديّة، والعادات والاحتفالات الشعبية... وغيرها.
اهتمام عام
لم يقتصر الاهتمام على الفنانين الدمشقيين، وإنما تجاوزهم ليشمل نسبة كبيرة من الفنانين التشكيليين السوريين الذين تناولوها، بأساليب وصيغ ورؤى مختلفة،ظلت في حدود المقروء والمفهوم من المعالجات الفنيّة.
وفي طليعة الفنانين التشكيليين السوريين الذين أولوا اهتماماً كبيراً لدمشق القديمة، الفنان ناظم الجعفري الذي قدم ما يربو على خمسة آلاف لوحة ودراسة ورسمة لمعالمها، بأسلوبه الواقعي المشوب بروح الانطباعيّة، واضعاً من خلالها، يده على مكامن السحر والجمال فيها، مؤرخاً وموثقاً بالفن المحروس بالموهبة والخبرة، لهذه الأوجه الأصيلة من الزمن الجميل الذي غاب أو يكاد، ليس من دمشق فحسب، بل من المدن والبلدات السوريّة والعربيّة كافة!!
لقد كرس الفنان الجعفري كامل تجربته الفنيّة الطويلة لدمشق القديمة، بحيث أصبحت مخيلته مشبعة بأدق تفاصيلها، وقد أسعفه العمر الطويل، والعشق النبيل، للقيام بمسحها بالكامل. وما يقلق الآن هو المصير المجهول لهذا الكنز الثمين من الأعمال الفنيّة التي كانت مكدسة في مرسم ومنزل الفنان بدمشق، علماً أنه أبدى استعداده للتبرع بها للدولة إذا ما أخذت طريقها إلى رحاب متحف يحمل اسمه!!
ومن التجارب التي تكرست بكاملها لموضوع دمشق القديمة، تجربة الفنان سهيل معتوق المتفردة الأسلوب والصياغة. فهو يأخذ العناصر البارزة من عمارتها:واجهات البيوت، النوافذ، الأبواب الدرابزونات، النباتات، الأخشاب، أسلاك نشر الغسيل وملاقطه، الهلال، بعض الوحدات الزخرفيّة.
ثم يقوم بتبسيطها وإعادة تشكيلها، ضمن تكوين هندسي مدروس بدقة شديدة، يُطل من خلفية غامقة، يتداخل معها بواسطة مساحات هندسيّة، تُشكّل امتدادات باهتة لبعض عناصر التكوين، ما يجعله شديد الارتباط العضوي بها، وفي الوقت نفسه، بارزاً ومؤكداً من خلالها، والعكس صحيح أيضاً.
حب وخوف
ومن التجارب التي شكلت دمشق القديمة محورها، تجربة الفنان عبد الرحمن مهنا الذي تناولها بصيغة واقعيّة مبسطة، وبألوان الشمع، وبإحساس فنان شاعر يعشق ويخاف، ويحب.. لكن بتوجس العاشق الحذر. والخوف لدى هذا الفنان لا يأتي من دمشق القديمة، البسيطة، الطيبة، إنما من ما يتهددها من مخاطر الإزالة والتدمير لصالح علب الكبريت الإسمنتية.
لقد شغلت دمشق القديمة وجدان الفنان مهنا وفكره، فرسمها من خلال مئات اللوحات، وبرؤية متفردة، فهو لا يأخذها كما هي في الواقع، بل من خلال انطباع أو تأثير معين، يتفاعل داخله، ثم يقوم بسكب تداعياته فوق سطح اللوحة، وبشيء من الاختزال الشكلي المستوعب لتفاصيل وخصوصية معمار دمشق القديمة الفريد.
دمشق من خشب
في هذا السياق تأتي تجربة الفنان التلقائي محمود جلال العشا، الذي كرس تجربته لدمشق القديمة والمهن والحرف والاحتفالات والمناسبات والعادات والتقاليد المرتبطة بها. والفنان العشا، نفذ لوحته بصيغة واقعيّة بسيطة وعفوية وصادقة، وبتقنية خشب اللاتيه والمعاكس المقصوص والملصوق فوق بعضه البعض، لتبدو اللوحة لديه وكأنها نحت نافر.
ولتأكيد البعد الثالث فيها، والإيهام باللون وتدرجاته، يلجأ إلى استعمال ألواح خشبية متفاوتة الغمق والفتوحة، إنما تنحدر جميعها من ألوان الخشب الطبيعيّة المتدرجة من البني الغامق إلى العسلي فالبيج المتعدد الدرجات.
أحب العشا مدينته وطقوسها الشعبيّة التي عاشها في طفولته ويفاعته، يوم كان الزمن جميلاً، والعافية نقية، والحب حقيقياً، والإلفة صادقة، والحياة بسيطة وساحرة.
ولأنه شعر بانسحاب هذا الزمن الجميل، وبالتدريج من الحياة المعاصرة، سارع إلى لملمة ملامحه من الواقع ومحفوظات الذاكرة، وجمدها في لوحات يتطلب إنجاز الواحدة منها أياماً طويلة، وجهوداً كبيرة ومضنيّة، مع ذلك، عكف هذا الشيخ الفنان على إنجازها حتى رحيله عن الحياة العام الماضي، بسعادة طاغية، ودون التفكير بمردودها المادي، لاعتقاده أن الثمن الحقيقي، حصل عليه أثناء انكبابه على العمل، وهي السعادة النقية، الشفيفة، العميقة، التي كانت تتملكه أثناء اقترافه لفعل الفن، وإنجازه بالشكل الذي يحب ويرغب.
وللفنان ماريو موصلي، تجربة متميزة في رصد جماليات دمشق القديمة ونقلها إلى الخطوط والتقانات اللونية المختلفة، حيث تناولها برؤى عديدة، ونزعة تجريبية واضحة.
ومن الفنانين الذين عشقوا دمشق الأصيلة، وكرسوا تجربتهم لها، ممدوح قشلان، صاحب الأسلوب المميز القائم على تبسيط الشكل الواقعي وهندسته، والدرجات اللونيّة الصريحة، وقد أوقف غالبية تجربته، لحارات وأبنية دمشق القديمة وناسها.
كما أفرد الفنان عز الدين شموط، جانباً كبيراً من تجربته، لهذا الموضوع الذي عالجه بصيغة واقعيّة زاوج فيها بين خصائص وتقانات فن الحفر المطبوع والتصوير، وصولاً إلى حالة متطورة من البحث التشكيلي، وصفها المؤرخ (فرانسوا جياكوميني) بالقول:« دمشق... هذه المدينة، هذه الحقيقة، يعود إليها عز الدين شموط بذكريات الطفولة، وبتجربته كفنان يعيش في أوروبا.
يُعيد على قماش اللوحة، تكوين حارة (باب توما) و(جورة الهدبا) و(باب السلام)، ويحبك واجهات البيوت بالأطناب الخشبيّة و(موتيفات) السجاد الهندسية، ويجدل مرة ثانية نتف (البزوريّة) المعطرة، والطرقات الممشوقة، والدكاكين الملوّنة، بشكل متين. يُعيد إحياء التقليد القديم للترصيع والرقش الدمشقي. يرمم لنا ضوء الممرات المقببة، هذه الإضاءة المسرحيّة النحيلة العذبة، مع النظام الثابت لداخل البيت الدمشقي.
حيث الظل الخفيف يغلف الأقمشة المطرزة.. دنا منها الفنان برؤية كلاسيكية للضوء«. لقد مزج الفنان شموط في أعماله، وعبر تقنية معقدة، داخل وخارج البيت الدمشقي القديم، ضمن رؤية واقعية رصينة مشوبة، بنوع من الخيال المنحاز إلى سورياليّة خاصة، عكست موهبته وخبراته التقانيّة الرفيعة.
كما عكست الحب الكبير الذي يكنه لدمشق التي يجدد فيها ذاكرته البصريّة، كلما أصابها الوهن، أو تسربت إلى أحاسيسه برودة الغربة الباريسية. ومن الفنانين الذين تناولوا دمشق القديمة في أعمالهم: زياد الرومي، عز الدين همت، هيثم الكردي، جورج جنورة، عصام الشاطر، أحمد ابراهيم، عبد الحميد دبس وزيت.
وسعيد نصري، غازي الخالدي، وليد قارصلي، مروان بطش،أنور دياب، محمد علي الحمصي، منصور الحناوي،قتيبة الشهابي، عبد المنان شما، سهيل الأحدب، محمد ضبعان، خير الدين الأيوبي، خالد الأسود، ناثر حسني... وغيرهم الكثير.