أربعة أيام كانت كافية لتجذب خمسين صالة فنون من أنحاء العالم كله، عرضت أعمالها في فندق قصر الإمارات، في أبوظبي، تحت مظلة «معرض فن أبوظبي 2010»، والأعمال على اختلافها، بين مجسمات ولوحات وفيديو آرت وتصميم. وغيره، مثلت الاتجاه الحديث في الفن، وهي أنتجها فنانون من أنحاء العالم، منهم ما زال يبدع، ومنهم من رحل عن الحياة تاركا تجربته ملكا للبشرية. وهو ما يؤكد أن الفن يمثل مبدعه في كل زمان ومكان، ويمكن للعمل وحده أن يحاور المشاهد، عبر خطوطه وألوانه ومجسماته، من الواقعية إلى أحدث الاتجاهات الفنية التي طغت على المعرض.
ضم «آرت أبوظبي» أعمالا تعكس التجارب الفنية المعاصرة والحديثة، بترتيب لا يغفل عن التخصص، حيث توزع على ثلاثة أقسام هي «سجنتشر» للفنانين الناشئين، و«بيوند» للتركيبات الفنية الضخمة، و«بداية» لصالات الفنون الجديدة الناشئة. والملفت أن الصالات تضم مجموعات متنوعة من الأعمال، تعكس بتفاصيلها ذلك الغنى الذي يتميز فيه الفنان عن الآخر، ومقدار تميزه بتجربته وتفرده بما يقدمه، على اختلاف مراحل إنتاجه الفني، لتحاكي الأعمال بمجملها، أذواق المشاهدين على اختلافها.
أعمال حديثة ومعاصرة
برز من بين تلك الصالات، غاليري «باتريس تريجانو» التي عرضت مجموعــــة من الأعمال الفنية الحديثـــة والمعاصرة، تعود لرواد الفن التشكيلي في العالم، مثل ماتيس وميرو وبيكابيا وجياكوميتـــي والفنان الإسباني بابلو بيكاسو، الذي عرضت لوحته الزيتية بعنوان «عصفور على الطاولة»، حيث كان رسمها رائد التكعيبية في العام 1919، مجسدا بها رؤيته الفنية التكعيبية، ومعتمدا على القطع في الألوان والأشكال التي تبدو هندسية.
ولم تقتصـــر معروضات غـــــاليري «باتريس تريجانــــو» على فنانين غربيين بل اهتمــــت بإبراز فنانـــين عـــرب، أمثال التونسية مريم بودربالــــة، والعراقي حليم الكريم، وغيرهما. كما يختص الغاليري في فن نحت الصروح التذكارية، مثل إسهامه في نصب تمثال «سيزار» الموجـــــود في منطقـــة ديفيس، بالقرب من باريس، والذي يصل ارتفاعه إلى عشرة أمتار.
وكان هناك في المعرض، وبين صالة وأخرى، حكايات متنوعة تنسجها الأعمال على اختلافها، فمن معروضات لفنانين من العالم إلى أعمال فنانين محليين، وظهرت هذه الأعمال، على سبيل المثال، بين معروضات «هنر غاليري» التي قدمت عملا للفنان عبد القادر الريس الذي يعد واحدا من رواد الفن التشكيلي الإماراتي، وفي لوحته التجريدية التي رسمها بالألـــوان المائيــــة في العام 2009، كرس الريس جهوده لإبراز جمالية وتناغـــم الألــــوان مع الخـــط العربي، إذ كتب الحرف «هاء» بأوضاع وأماكـــن مختلفــــة من اللوحة، ما جعلها لوحة تضج بالحركة، خاصة وأنه نثر العديد من الأشكال الهندسية الواضحة والضبابيــــــــة في أكــــثر من مكان.
يعد الفن التجريدي أحد الأقســـام التي تشكل «هنر غاليري» في مقره في دبي، والذي بدأ نشاطه في العام 1998 وقدم من يومها، إلى جانب التجريد، المناظر الطبيعية والخط العربــــي والبورتريـــة. كما شــــارك في أهم الفعاليات على مستوى المنطقة، مثل:
«آرت دبي» وغيرها. وهنـــاك أيضــــا المجسمات التي عرضتها «ألماين ريش غاليري»، والتي تعـــود للفنان «فرانز ويست»، وهي مجسمات تجريدية الشكل واللون، حتى وإن مثلت تصورا ما، إذ معها وفي وهجها يكون هناك التصور الخاص لكل مشاهد رأى العمل، وهو ما يعد ميزة الفن التجريدي الذي يبقى مفتوحا على كل الاحتمالات.
معارض استيعادية
حرصت «ميم غاليري»، إلى جانب الغاليريات التي تجمع الاختلاف في مساحاتها المخصصة للعرض، وتحت عنوان معارض استيعادية، على تقديم مطبوعات تختزل التجربة الفنية لعدد من رواد الفن، مثل مطبوعات إبداعات العراقي ضياء العزاوي، حيث جاءت معروضاتها بشكل دراســــة متكاملـــة تسلـــط الضوء على مراحل تطور مسيرة الفنان من خلال 200 لوحة أبدعها العزاوي منذ ستينيات القرن الماضي، وصولا إلى أحدث أعماله.
وتتضمن الدراسة مقالات باللغتين العربية والانجليزية للدكتورة ندى شبوط وأسعد عرابي وبولاند الحيدري ونادين ديسيندر، إلى جانب سيرته الذاتية الشاملة التي تضم ما يزيد على 140 موضوعا يتمحور حول حياة العزاوي، وكذلك قائمة المعارض التي شارك فيها، وصور نادرة من أرشيفه الخاص.
وكتبت شبوط في إحدى المقالات، والتي جاءت بعنوان «الفن العربي المعاصر تشكيل الجماليات العربية»:
«نتعرف على العديد من مراحل حياة العــــزاوي الفنية، ورحلة استكشافه للحرف، والشعر والأدب العربي من خلال نتاجاته الفنية».
وأما أسعد عرابي فركز من خلال مساهمته التي تحمل عنوان «الحديث والموروث»، على تأثير الفن والثقافة السومرية والآشورية، على أعمال العـــــزاوي، فضلا عن تأثره بجواد سليم، إحدى الشخصيات العراقيـــــة الرائــدة في الفن العالمي. أما مقالتا بولاند الحيـــــدري ونادين ديسيندر، واللتان كتبتا أساسا بمناسبـــــة معرض «أربعة فنانين من العراق» الذي نظمه معهد العالم العربي في العام 1988، فتناولتــــا المهــــارات الاستثنائيـــة للعزاوي كرسام ونحات، وبراعته في استخدام الألوان، ودوره كشخصية رائدة في عالم الفن الحديث والمعاصر.
والفناـــن الثاني الــــذي ركـــزت عليه «ميم غاليري» هو الإيراني برويز تنــــاولي، وفيه استعـــادة لبداياتــه المهنية وحتى اليوم، وذلك عبر أكثر من 250 لوحة فنية رسمها الفنـــان منذ بداية الستينيـــات ولغايــــة الآن، إلى جانب العــديد من المقـــالات باللغتين العربيـــة والانجليزية لمجموعة من أصدقاء الفنان وعائلتــــه، وأيضا فنانين وأكاديميين. إذ يتحدث المهندس المعماري الشهير كامران ديبا عن صداقته مع الفنان في أواسط الستينيات، والمشاريع المشتركة التي جمعتهما سوية، وهذا في حين كشفت مريم مسعودي عن الصداقة التي جمعتها مع الفنان منذ السبعينيـــات وإلى الآن. وتشــــرح وجهـــة نظرهـــا باعتبــــــارها من هواة اقتناء الأعمال الفنيــــة والداعمين للحــــركة الفنيـــة في إيران.
وفي المقالــــة التي كتبتها أليريزا سامي أزار نتعرف عــــلى كيفيــــة عـــودة تنـــاولي إلى إيران، واستقباله كفنان رائد بعد سنوات من العيــــش في كندا، وذلك لتعريف القـــارئ بأعمــاله في إيــران، في فترة ما قبل الثورة.
ما وراء الأبواب
أقيم، على هامش «فن أبوظبي ــ 2010 »، معرض «ما وراء الأبواب» في «غالــــيري وان» في قصـــر الإمارات، وعرض في أروقته تسعين لوحة تعود لأشهـــر الفنانين الذين تعتبر أعمالهم من أهم الأعمال الفنيـــة في المنطقة، خلال 80 عاماً. هي تعود لأفراد ومؤسسات، وقد وفرتها دار «كريستيز» للعرض بالتعاون مع مقتنيها. ومن الأعمـــال التي عرضت، لوحة بعنوان «مشهد سيروس»، رسمها الفنان المصري محمود سعيد (1897 ــــ 1964) في العام 1947، وفي اللوحة جسد سعيد مشهدا من ميناء «ســيروس» في اليونان، فالموانئ كثيرا ما حضرت في أعمال هذا الفنان المصري، والتي رسمها أثناء جولات سفـــره حـــول العالم. وفي هــــذه العمل يمكن التعرف على أعمال أحد رواد المدرســــة التشكيلية المصريـــــة المعاصــرة، وهو عبـــارة عن لوحـــة للفنان الســــوري فاتح المدرس (1922 ــــ 1999)، الذي يعـــد رائدا من رواد الحـــركـــة التشكيليــة السورية، وفي لوحته تلك غير المعنونـــة، رسم المدرس وجـــوهـــــا بشريــــــة متجـــــاورة مع بعضها، تعبر بشكــــل كـــبير عن الضعــــف والخنـــــــــوع، كونهــــــا وجـــوهــا مغمضــــــــة العينين ودون أفــــواه، ما يجعلهــــا عاجــــزة عن التعبير، وهـــــــــذه الوجــــــوه فعليا، ميزت كــــثيرا لوحــــات المـــدرس، الذي عكــــــس عبر فنـــه، مختلف الأحـــداث السياسيــــة والتحـــولات الاجتماعيــــــــة المريرة.
وأمـــــا لوحـــة الفنـــان الإيـــراني «سهـــراب سبهـــــــري» (1928 ــــ 1980)، فهــي واحـــدة من سلسلــــة لوحاتـــه التجريدية، التي تتألف من 10 إلى 12 لوحة، ومعظمهـــا معـــروض في مؤسســــات وهيئــــات عامة، وهي، إن اختلفت بأماكــــن عرضهــــا، ترتبط بخصــــائص مشتركـــة، كالتناغـــم والتواؤم بين الخطوط الملونـــة المائلـــة، والمرسومــــة إما متجــاورة أو متباعدة، وذلك على خلفيـــة مستويـــة ومعتمـــة، ما أبرز ذلك التباين الهندسي.
ويمثل العمل الإيراني الثاني في المعــــرض، للفنـــــان الإيراني «برويز تنافــــولي» الذي ولد عام 1937، منحوتــــة منفـــذة في العام 1970 كتب فيها بشكل فني كلمة «لاشيء» أو «العدم» باللغة الفارسية، وهو ما يعكــــس تصـــوف الفنان، مع العلـــم أنه قال في تفسير العمـــل:
«إن ما شدني لإنجـــــازه أن الكلمــــة نفســـها في الفارسيـــة تشبه جسم الإنســــان، وإذا كانـــت الكلمــــة نفسهــــا توحـــي بالكآبـــة والبــــــؤس، إلا أن بقيــــة أعمــــالي النحتيــــة تبـــدو واقفــــــة أو جالســــة».
ومن الإبداعات الخاصة بمنطقة الخليــــج، برز عمل الفنـــان السعودي عبد الناصر غارم، الذي يعتبر من أبـــرز الفنانين الجــــدد على الساحة الفنية، وهو يعبر في عملـــــــه «الكتلــــة الإسمنتية»، التي نفذها في العام 2009، يعبر عن إصـــــــلاح السلــــوك الإنساني من خلال كلمات كتبهـــا باللغة العربيــــة، مستعينا بمواد مختلفة، مثل الطوابع المطاطيـــــة. وإلى جانب أعمـــال غارم، عرضت العديد مـــن الأعمال لفنانين عراقيين، مثل أعمال الفنان إسماعيل الشيخلي، وأعمـــال الفنـــان نـــوري الــــراوي، وأعمـــال آدم حنين، وغيرهم.