هاجر، بعد الحرب العالمية الثانية، عدد من الكتّاب من مناطق متفرقة من أوروبا، إلى فرنسا، فتعلموا لغتها، وكتبوا بها، وأنتجوا أدباً خاصاً، بل وصاغوا روحها الإبداعية على مرّ الأجيال. ليندمجوا في المجتمع الفرنسي إلى حد الذوبان فيه بعد أن تخلوا عن لغتهم الأم. ولم يعد يُطلق عليهم تسمية «الكتّاب الفرانكفونيين»، وهكذا كما هو الحال مع كتّاب المغرب العربي ومصر ولبنان، الذين يكتبون بالفرنسية، حيث الانغلاق في «الهوية الفرانكفونية» يأخذ منحى سياسيا أكثر مما هو أدبي. ولعل تبني اللغة الفرنسية عند كل من: ميلان كونديرا، هكتور بيانكيوتي، إيميل سيوران، صموئيل بيكيت وأندريه ماكين ويوجين يونسكو وخورخي سومبريم، يفسر بأن اللغة ليست أداة أدبية فقط، بل إنها تتطلب أكثر من تسطير الكلمات.

ربما نفهم أن الكتاب (الفرانكفونيين) في المغرب وأفريقيا وجزر الأنتيل قد عاشوا في قلب اللغة الفرنسية أو عاشوا ازدواجية اللغة على الأقل، ولكن من الغريب أن يأتي كتاب وأدباء ينحدرون من بيئات وعوالم مختلفة تماما إلى اللغة الفرنسية. ولعل أبرز أمثلة ذلك، الكاتب التشيكي الشهير ميلان كونديرا، وهو أحد الروائيين الأكثر شهرة في العالم. فقد استقر في باريس منذ عام ‬1975 وكتب أعمالا ثلاثة بلغة موليير وبروست وستندا، وهي: (فن الرواية خيانة الوصايا)، وروايتاه الأخيرتان (البطيء) و (الهوية). إن ما يدهش أكثر، أمام موجة الإقبال على تبني اللغة الفرنسية والتعبير بها، هو موقف الفرنسيين من ذلك. فكيف يفكر هذا الشعب الذي يبدو «كوسموبوليتيا»، أي عالمياً، ويؤمن بمركزية الأعراق والأجناس، وهو تائه في اتخاذ المواقف بين «التمثيل» باعتباره افتخارا قوميا، وبين النظرة البعيدة المعتمدة على المنفى الذي سيبقى «دخيلا»على الدوام؟

أدباء على الهامش

إن جائزة غونكور الأدبية، والتي فاز بها، أخيرا، الروسي أندريه ماكين، قدمت على أنها انتصار فرنسي، ومصارحة عشق لهذه اللغة وهذه الثقافة، وبرهان على التفوق. وهكذا منح أندريه ماكين بطاقة إقامة في الأدب الفرنسي. وفي الوقت ذاته فقد انقسم أعضاء «الأكاديمية الفرنسية» بين موافق ومعارض، على اختيار كاتب أجنبي، بالتعبير الفرنسي، وهو الإسباني خورخي سوبريم، وقد استدركت الأكاديمية الفرنسية العريقة خطأها بضم الروائي الأرجنتيني هكتور بيانكيوتي بين صفوف أعضائها. وبرز الموقف المتناقض ذاته إزاء ثلاثة كتاب آخرين أضافوا دماء جديدة للأدب الفرنسي، في النصف الثاني من القرن العشرين، وهم: يوجين يونسكو، وصموئيل بيكيت، وإيميل سيوران.وقد دخل يوجين يونسكو إلى قاموس عظماء الأدب الفرنسي بقوة، وهو الروماني الذي فتح عينيه على حروف اللغة الفرنسية، وذلك مثل الكاتب الأميركي جوليان غرين الذي ولد في فرنسا، حيث كثيرا ما اعتبر هو وآخرون أمثاله، من الأدباء الهامشيين في اللغة الفرنسية. كما يعد صموئيل بيكيت، سيد الفكاهة السوداء ذات الطابع الأيرلندي. وأيضا إيميل سيوران، الفيلسوف الروماني الذي أمضى حياته بأكملها حبيسا في إحدى (غرف الخدم) في باريس، ولكنه غير وجه الفلسفة الفرنسية، إذا لم نقل الفلسفة قاطبة! وفي عام ‬1948، كتب مؤلف روماني شاب يدعى يوجين يونسكو، مسرحيته الشهيرة بالفرنسية (المغنية الصلعاء)، التي مازالت تعرض على خشبة المسرح منذ ما يزيد على نصف قرن في الحي اللاتيني. ويقول على لسان شخصياته السيد والسيدة مارتين، وهما يصرخان: «كم هو شيء عجيب وكم هو شيء غريب!». وهنا يبقى السؤال المطروح: هل أن اللغة الفرنسية ضرورة أم اختيار؟

إن المجد الفني لهذا البلد(فرنسا) يتميز بعدم الخلط بين تاريخه وتاريخ بيكاسو. فالجمهورية الفرنسية، باعتبارها مجموعة قيم السلطة الثقافية، كثيرا ما قدرت الرسام براك أكثر مما قدرت بيكاسو. وفرنسا، التي تاهت بمنفييها الكبار، ترددت على الدوام في تخليد أولئك الأجانب الذين لم يولدوا من رحمها، على عكس الولايات المتحدة الأميركية تماما. إنها الآن بحاجة أكثر إلى الأصوات الآتية من بعيد، مثل ما كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى الكتاب الأجانب، ولكنها تمتنع من ذلك خجلا ومكرا وعنصرية.

الإشعاع الفني الفرنسي والفن الحديث

إن المرحلة الكبيرة الأخرى هي مرحلة الإشعاع الفني الفرنسي وولادة الفن الحديث في باريس باعتبارها مختبرا تجريبيا لكافة الأساليب الفنية. ومنذ عام ‬1893 كتب أوسكار وايلد «سالوم» باللغة الفرنسية، وقد اقتفى أثره مجموعة من الكتاب الأميركيين، إضافة إلى الكتاب المهاجرين من الروس والرومانيين والبولونيين والإسبان. وفي مقاهي مونمارتر ومونبرناس أصبحت مداولة اللغة الفرنسية «عالمية». وتقول الكاتبة نينا بيربيروفا: «لو كان جويس يسيطر على اللغة الفرنسية سيطرة كاملة، لكتب روايته- يوليسيس- بها». وفي الحقيقة إن الذين كانوا يسيطرون على اللغة الفرنسية كانوا نادرين، باستثناء أولئك الكتاب الذين عايشوا هذه اللغة منذ طفولتهم، مثل تريستان تزارا الذي ولد في رومانيا وأسس في زيوريخ ومن ثم في باريس، حركة الدادائية، وكتب باللغة الفرنسية عبارته التاريخية: « اشربوا حليب العصافير، واغسلوا ألواح الشكولاتة التي بحوزتكم، دادا، دادا، كلوا من لحم العجل». ومنذ تلك الفترة بدأت اللغة الإنجليزية بسبب امتداد الإمبراطورية البريطانية وظهور الولايات المتحدة، تنافس اللغة الفرنسية، منافسة جادة، وخصوصا عند الكتاب.

واعتاد البولوني الشاب جوزيف كونراد التمرين على اللغتين، ومصيره كرحالة هو الذي قاده نحو اللغة الإنجليزية التي يتحدث بها البحارة. كما جاء فلاديمير نوبوكوف من روسيا، ومكث سنوات طويلة في باريس، وهو كان تربى في روسيا على اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وقد اختار اللغة الفرنسية في عام ‬1940. والمجموعة الأخيرة من الفنانين المنفيين وصلت إلى باريس قبل أو بعد الحرب العالمية الثانية، فتبنت اللغة الفرنسية في اللحظة التي بدأت بها هذه اللغة تسير نحو الانحطاط، وأبرز هؤلاء الكتاب الذين تبنوا اللغة الفرنسية هم عباقرة «مسرح اللامعقول»: الإيرلندي صموئيل بيكيت، والروماني يوجين يونسكو، والروسي آداموف. ويعتبر صموئيل بيكيت نموذجا لسلوك كاتب إزاء اللغة الفرنسية. وقبل الحرب، كان يعتبر في باريس في محيط جيمس جويس، وكان يعمل سكرتيرا له، وكتب أعماله الأولى باللغة الإنجليزية. ولأنه تخلى عن اللهجة الدارجة الأصلية له، أخذت أعماله طابع القراءة، وروايته الأولى باللغة الإنجليزية «مورفي»، أخذت شهرتها بسبب بساطة اللغة، وذوقه في الصور ولعبة الأفعال. وابتداء من كتبه الأولى في القصص ورواية «مولي »‬1948، كتب باللغة الفرنسية. ومنذ ذلك الحين أصبح فن بيكيت يتمتع بثقل أدبي هام للغاية. ومن خلال تبني الفرنسية أكثر من تبينه الإنجليزية اختار بيكيت لغة أكثر عالمية، على العكس من كازانوفا. وهذا ما يسمح له أن ينبذ مجانية اللغة. وقد قال في هذا الصدد: «كان بالنسبة لي أكثر إثارة الكتابة بالفرنسية». والموقف ذاته تبناه نابوكوف: «كان علي أن أقايض مصطلحاتي وكلماتي الأصيلة في اللغة الروسية، والتي كانت بعيدة عن جميع الإشكاليات، بإنجليزية رديئة بديلة، خالية من جميع الإكسسوارات». والرهان ذاته يتكرر ثانية وبعد مرور أربعين عاما، عند الكاتب التشيكي ميلان كونديرا الذي يعيش في باريس منذ عام ‬1975، إذ يقول: «إن كل عبارة أكتبها تمثل غزوة، مغامرة، اكتشاف، دهشة. لا يمكن للغة الفرنسية أن تعوّض لغة أصولي وجذوري، إنها لغة أناي العاطفية. إن تعاملي وعلاقتي مع اللغة الفرنسية تشبه تماما علاقة حبي في الرابعة عشرة. معها أنا خائب الأمل من شدة حبي لغريتا غاربو. وهي تمرح وتمرح وتنظر إلى هذا الطفل المسكين وتنفجر بالضحك. وهو يقول لها بصوت مرتعش: (إنني أريد وصالك)، فترد وهي مبتسمة بسخرية:(أنت! أوه كلا كلا حقا)».

الفرانكوفونية: منحى سياسي أم أدبي؟

يقول إيميل سيوران إنه انجدب إلى اللغة الفرنسية من خلال مصطلحاتها وصفاتها المعقدة في التكوينات والإشادات والدلالات، ويشرح ذلك: «يأتي يوم لا يتحدث بالفرنسية أكثر من عدد من يتحدثون باللاتينية اليوم» . وتبدو فرنسا والفرنسية في رواية أندريه ماكين «الوصية الفرنسية»، في منزلة اعتبارا متمايزا، حيث يراها كما لو كان يحلم: «إنها، أي فرنسا، كانت تختلط في أذهاننا بأدبها». إذاً فإن اختيار اللغة الفرنسية لا يمكن أن ينفصل عن الامتياز الذي يتمتع به أدب هذا البلد. لذلك فإن باريس تجذب إليها على الدوام الكتاب من أصقاع الأرض: أميركا اللاتينية، يوغسلافيا، بولونيا، ألبانيا، الجزائر، المغرب وهنا تنبغي الإشارة إلى كتاب كبار جاؤوا إلى هذه اللغة أمثال الإسباني ميشيل ديل كاستيو، والبلغارية جوليا كريستيفا واليوناني فاسيلي الكيسيس. وربما يعود كل ذلك إلى الهوس الأدبي الذي تختلط به مسائل الشكل واللغة والتاريخ والحساسيات المتنوعة. وقد كتب سيوران عن ذلك قائلا: «كنت ساذجا بأن أعتقد أن اللغة هي كل شيء. إنها نوع من الخرافة الفرنسية. كلا، اللغة ليست كل شيء، إنها لا شيء تقريبا. وهنا نجد أن دوستويفسكي وتولستوي لا يشكلان حالة، فعندما يكون لدينا شيء نقوله فإننا نقوله، وهذا كل ما في الأمر». إن الأدب الفرنسي وحده في العالم يخلق هوس الأسلوب، ولهذا السبب ظلت الرواية الفرنسية المعاصرة مادة لا تقرأ ولا نترجم. وكانت هذه اللغة مغلقة ومنطوية على نفسها. ولهذا فإن وضعية كونديرا في اللغة الفرنسية تبدو حرجة. بالنسبة له، فإن الفن الروائي يستخدم الكلمات ولكنه قبل كل شيء يؤسس القصص والشخصيات والصور والأفكار. وليست اللغة هي التي جعلت من بلزاك أو فلوبير شموليا وعالميا، بل إنها نظرتهما إلى العالم. فالرواية ينبغي أن تبقى قابلة للترجمة. وهذا ما يفسر التبدلات التي طرأت على لغة كونديرا. فالفرنسية في روايته «الهوية»، تختلف كثيرا عن اللغة التشكيلية المستخدمة في «السخرية»، أو في «خفة الكائن اللامحتملة». وأيضا كونديرا يلجأ إلى الاستخدامات ذاتها: العبارات المختزلة، والعبارات الخالية من الأفعال أحيانا. وانتفاء التنقيط، أي أنه يستخدم القواعد النحوية في خدمة الشكل ذاته. وهو فن تركيب الأحداث وإخراج الأفكار إخراجا مسرحيا، والانتقال إلى الحديث والخطاب في قلب القص الروائي، إنه فن السرد بامتياز.