شهد العام الماضي 2009 بلوغ الأزمات والتحديات الاقتصادية العالمية قمتها حيث بدأت الأزمة أميركية ثم صدرت إلى العالم، مما فرض على الدول الكبرى التحرك لمحاولة وضع الحلول الممكنة للسيطرة عليها. وعقدت قمتان عالميتان للأزمة بقيادة مجموعة العشرين. وفي القمتين شاركت دولة عربية وحيدة هي السعودية، وبلدان إسلاميان كبيران هما إندونيسيا وتركيا.
كما شهد العالم توازيا مع هذه الأزمة أزمات في الغذاء والطاقة. وفي مواجهة أزمة الغذاء انعقدت قمة عالمية في العاصمة الإيطالية روما، وخرجت بقرارات استهدفت بعض الحلول غير المشبعة، أما في مواجهة أزمة الطاقة فقد سارع العالم لتطوير الطاقة المتجددة والنظيفة، وسارعت الدول المصدرة للغاز بتطوير المنتدى إلى منظمة مقرها العاصمة القطرية «الدوحة» وعلى مستوى مجموعة العشرين، شهد العام المنصرم اجتماعين في محاولة للبحث عن مخارج من الأزمة المالية العالمية، كان الأول في الثاني من أبريل 2009، وعقد في العاصمة البريطانية لندن، أما الثاني فعقد في نهاية سبتمبر في بيتسبرج بالولايات المتحدة الأميركية.
قمة لندن... وقد انعقدت قمة لندن وسط تشاؤم معلن، انتهى إلى توافق واضح لدى قادة الدول الكبرى باتخاذ قرارات جادة وحاسمة وعملية وواقعية أيضا، وصدر البيان الختامي الذي تضمن قرارا هاما وعمليا يدعم المؤسسات المالية العالمية ومنها صندوق النقد الدولي بأكثر من تريليون دولار، ويستهدف دعم واقتصاديات الدول النامية والفقيرة، وإقراض الدول التي تعاني من الأزمة، وأيضا لدعم سوق العمل في مواجهة موجة البطالة المتنامية التي تجتاح العالم. وأنهى المؤتمرون قمتهم بالإعلان أيضا عن حزمة إجراءات اقتصادية متكاملة في اتجاه معالجة الخلل، سواء بضخ الأموال اللازمة لإنعاش الاقتصاد العالمي نسبيا، وتقوية دور صندوق النقد الدولي.
وتتلخص هذه الحزمة في تخصيص 500 مليار دولار لتعزيز دور صندوق النقد الدولي، وتمكينه من تقديم القروض للاقتصاديات المتعثرة، ورصد مبلغ 250 مليار دولار أميركي لتمويل الخطوات والإجراءات التي من شأنها تعزز وتنشِّط حركة التجارة العالمية، وتقديم مبلغ 250 مليارا أخرى لصندوق النقد الدولي لتعزيز حقوق السحب الخاصة (أو خدمة السحب على المكشوف) التي تمكن الدول من الاقتراض منها، تخصيص مبلغ 100 مليار دولار لمساعدة بنوك التنمية في العالم للتمكن من تقديم القروض للدول الفقيرة. وبينما قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن قمة لندن كانت «مثمرة جدا وشكلت نقطة تحول كبرى عبر اتخاذها مجموعة جهود منسقة لا سابق لها، وقالت المستشارة الألمانية إن القمة توصلت إلى «تسوية تاريخية لأزمة استثنائية»، وقال الرئيس الفرنسي ساركوزي «هذه النتائج هي أكثر مما كان يمكن أن نتخيَّل». وذكر المدير العام لصندوق النقد الدولي، إن «هذه القرارات تشكل أكبر خطة نهوض اقتصادي موحدة» ومع ذلك كله، تبقى الدول النامية والفقيرة الأكثر معاناة وتضررا.
قمة بيتسبرج
وقررت قمة بيتسبرج أن تحل قمة العشرين محل مجموعة السبع للدول الغنية باعتبارها المنتدى الرئيسي لصناعة السياسات العالمية، وتعهدت بإعطاء الصين دورا أكبر في إعادة بناء وتوجيه الاقتصاد العالمي، وذلك من خلال تحويل بعض حقوق التصويت في صندوق النقد الدولي من الدول الغنية إليها، مما يشير إلى تغير في ميزان النفوذ الاقتصادي بفعل الأزمة المالية. وتعهدت باستمرار خطط الحفز الاقتصادي لحين التأكد من التعافي الاقتصادي.
وناقشت القمة في سابقة عالمية إخضاع العاملين في القطاع المصرفي لإجراءات رقابية صارمة، وإنشاء مجلس عالمي للاستقرار المالي ليعمل مع صندوق النقد الدولي ويكون مسؤولا عن التأكد من سلامة العمليات المالية العابرة للحدود بين الدول ويقدم آلية إنذار مبكر للنظام المالي، واتخاذ المزيد من عمليات التنظيم والرقابة على صناديق الاستثمار السيادية والوكالات التي تمنح الائتمان.
خلافات واتفاقات
وكانت خلافات حادة قد طفت على السطح بين ألمانيا وفرنسا من جهة والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة أخرى، خاصة في القمة الأولى، بشأن أولويات القمم، إذ طالب المعسكر الأول بفرض قوانين وأنظمة أكثر صرامة على النظام المالي الدولي، بينما رأى المعسكر الثاني أن الإنفاق الحكومي من شأنه معالجة الأزمة..
وبينما دخل الأميركيون والبريطانيون إلى المؤتمر مختلفين في الرؤى في طرق الحل مع الفرنسيين والألمان فلقد جاء ت الإجراءات المتوافق عليها بين الجانبين كقواسم مشتركة ليخرجوا متفقين لمصارف من الديون السامة أو المعدومة
ولكن هذه القرارات في حد ذاتها تعد غير مسبوقة، فلم يحدث من قبل أن اتفقت الدول الكبرى على العمل المشترك في مواجهة أزمة عالمية على هذا النحو، ولكن على ما يبدو حتى الآن على أرض الواقع أن قرارات القمة لم تتجاوز حدود القول إلى الفعل.
ولم تتخذ فيها حتى الآن أية إجراءات عملية، هذا في الوقت الذي تتفاقم فيه تداعيات الأزمة المالية العالمية، ويتواصل مسلسل انهيار المؤسسات الصناعية والمالية في الدول الكبيرة، وتزداد نسبة الخسائر والبطالة بسبب الأزمة يوما بعد يوم، فخلال الشهور الماضية زادت البطالة في الدول الكبيرة بنسب تتراوح بين 2% و5%.
كما انهار العديد من البنوك، ففي الولايات المتحدة وحدها انهار نحو 140 بنكا، وتفيد تقديرات الاحتياطي الفيدرالي أن العدد من الممكن أن يصل إلى بنك 500. كما لا تزال بعض القطاعات الرئيسية تعاني من جراء الأزمة مثل قطاع السيارات في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. ويشكك البعض في نوايا الدول الكبيرة حول تنفيذ قرارات القمتين، وربما ينعكس هذا في الصمت والتجاهل العام لقرارات القمة حتى الآن، وكأنها لم تكن.
وكانت روسيا أكثر واقعية وصراحة عندما اعتذرت عن المشاركة في تنفيذ هذه القرارات بحجة أنها مسؤولة عن دعم جيرانها فقط، وأنها خصصت صندوقا برأسمال عشرة مليارات من الدولارات لهذا الغرض، ورغم تأييد روسيا لقرارات القمة إلا أنها تحفظت على إعطاء هذه الأموال لصندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الدولية القائمة إلا بعد إجراء إصلاحات جذرية في هذه المؤسسات.
وهذا الأمر يعكس بوضوح عدم فاعلية القرارات، وأنها كانت مجرد إجراء تجميلي لشكل الدول الكبيرة التي هي في الأساس المسؤولة عن الأزمة، أما الدول النامية والفقيرة فهي الضحية التي تغرق الآن في براثن الأزمة ولا تجد من يمد لها يد الإنقاذ، وكيف يمكن للدول الكبيرة أن تساعدها وتنقذها إذا كانت هي نفسها تواجه نفس الخطر.
نظام اقتصادي جديد
ويبدو أننا أمام بداية نظام اقتصادي عالمي جديد يولد قيصريا من رحم الأزمة المالية العالمية، خصوصا أن العالم فعلا في حاجة إلى نظام اقتصادي عالمي جديد أكثر عدلا وإنسانية وعالمية لا عولمية، من نظام بدأ يمضي إن لم يكن قد مضى فعلا، بما في هذا النظام المقبل من نظام مالي جديد يعالج خلل وعلل النظام المصرفي العالمي الحالي، ونظام نقدي عالمي جديد يؤمن غطاء مضمونا يحمى قيم العملات النقدية ولا يبقى رهينة للدولار المتراجع، بعد أن أصبح بلا غطاء حقيقي مضمون.
نظام قد يقوم على الذهب كما اقترحت ماليزيا قبل الأزمة بسنوات أو على سلة معادن بدلا من الغطاء الورقي الدولاري المطبوع بلا رصيد، أو على بديل آخر بسلة عملات أخرى كما تطالب الصين وروسيا.
ومن المرتقب أن تعقد القمة المقبلة لمجموعة العشرين في كندا العام 2010، ومن بعدها في كوريا الشمالية. ومن المرتقب أن تشهد تلك الاجتماعات قرارات حول كيفية إصلاح صندوق النقد الدولي وإعطاء أصوات أكثر للدول النامية.
«منتدى الغاز» شقيق «أوبك»
وقبيل ميلاد العام الجديد 2010 وفي نهاية هذا العام 2009، شهدت العاصمة القطرية الدوحة يوم 9 ديسمبر الماضي ميلاد منظمة دولية جديدة للدول المصدرة للغاز لتكون الشقيقة الصغرى لمنظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك»، مع انتهاء أعمال الاجتماع التاسع لـ «منتدى الدول المصدرة للغاز» بانتخاب الروسي ليونيد بوخانوفسكي أمينا عاما للمنتدى.
ويضم المنتدى الواقع مقر أمانته في الدوحة 11 دولة هي روسيا وقطر وإيران ومصر والجزائر وليبيا ونيجيريا وفنزويلا وبوليفيا وترينداد توباغو وغينيا الاستوائية. فيما تتمتع كل من النرويج وهولندا وكازاخستان بصفة مراقب، وتشير التقارير إلى أن دول هذا المنتدى تضخ نحو 40% من إنتاج الغاز العالمي وتملك 70% من الاحتياطات، ويشكل إنتاج روسيا وحدها 70% من إنتاج هذه الدول بما يعادل نحو 28% من الإنتاج العالمي.
وقد دعا الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر في افتتاحه للمنتدى في الدوحة الدول الأعضاء إلى مواجهة المشكلة الرئيسية في سوق الغاز العالمية الآن، وهي اتساع الهوة بين أسعار النفط المرتفعة وأسعار الغاز المنخفضة، وأشار سموه إلى أن أسعار النفط والغاز كانت متقاربة دائما وانخفضتا معا في بداية العام الجاري، ثم عاد النفط للارتفاع بينما بقيت أسعار الغاز كما هي. وطالب المنظمة الجديدة بدراسة هذه الظاهرة جيدا والسعي لتفاديها في أقرب وقت لتحقيق التعادل بين أسعار النفط والغاز باعتبارهما المصدرين الأساسيين للطاقة في العالم الآن.
وتحدث وزير الطاقة والصناعة القطري عبد الله بن حمد العطية قائلا: «ما زلنا نشعر أن الغاز لا يعامل كالنفط على المستوى العالمي ونرى أن هناك فروقات كبيرة بين أسعار الغاز كوحدة حرارية والنفط كوحدة حرارية، ورغم أن للغاز مميزات كبيرة ولكنه لا يعامل معاملة عادلة مثل مصادر الطاقة المختلفة، يجب أن تترابط أسعار الغاز مع النفط».
وأضاف العطية: «أن مهام المنتدى المستقبلية ستتضمن مناقشة قضية الأسعار مع الدول المستهلكة لإقناعهم بأهمية إيجاد آلية للتعامل بين الغاز ومصادر الطاقة الأخرى وأسعار الغاز ستعامل بإنصاف في المستقبل مع تزايد الطلب عليه، والوضع الحالي لا يعد مقياساً لاسيما في ظل الأزمة المالية العالمية والانكماش الاقتصادي، ومن المؤكد أنه مع تناقص ونفاد احتياطيات النفط فإن الغاز سيكون الخيار الأول في المستقبل».
ليست مثل «أوبك»
ويذكر أن منتدى الدول المصدرة للغاز قد تأسس في اجتماع الدول الأعضاء في موسكو في 23 ديسمبر من العام 2008، حيث صادق وزراء طاقة هذه الدول على ميثاق المنظمة الجديدة، وجرى في الاجتماع التصويت على اختيار الدولة التي ستستضيف مقر المنظمة، حيث تنافست عليه العاصمة القطرية الدوحة وسان بطرسبرج الروسية، وفازت الدوحة بفارق صوت واحد.
ووصف الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف توقيع الاتفاق حول إنشاء هذه المنظمة بأنه حدث تاريخي سيكون له تأثير كبير على سوق الطاقة العالمية وخاصة أسواق الغاز، وأضاف «إن الاستقرار العالمي وأمن الطاقة، والتوازن بين البلدان المصدرة والمستهلكة وبلدان الترانزيت سيكون مرهونا دائما بالقرارات التي ستصدر عن هذه المنظمة».
وقال وزير الطاقة الروسي سيرجي شماتكو «لا ينبغي المضاهاة أو المقارنة بين المنظمة الجديدة للغاز وأوبك النفطية، حيث أن الدول أعضاء منظمة الغاز لن يكون بينهم أي تنسيق أو اتفاق حول كميات الإنتاج لدى كل منهم، ولا يمكن المقارنة بين عمليات الإنتاج والنقل والتسويق في الغاز بمثيلاتها في النفط، كما أن عملية احتكار إمداد الغاز غير ممكنة، وذلك لان الكثير من العقود في هذا المجال هي طويلة الأمد.
كما أن أسعار الغاز ليست مثل النفط متعلقة بأسعار البورصات، ويمكن الاتفاق عليها لمدة سنة على الأقل». وأضاف شماتكو قائلاً في الدوحة «تعبير أوبك للغاز غير مناسب، وكل ما نهدف إليه مع المنظمة الجديدة هو تنسيق سياسات الإنتاج والتسويق بين الدول المصدرة للغاز للتوصل إلى استقرار لقوانين اللعبة في سوق الغاز العالمية».
ممدوح طه