شهدت العلاقات الأميركية الروسية تطورا ملحوظا في العام 2009 في ظل حكم الرئيسين الشابين باراك أوباما وديمتري ميدفيديف، ولم يكن أحد يتوقع هذا التطور السريع والإيجابي، خاصة بعد أحداث حرب القوقاز بين روسيا وجورجيا في أغسطس من العام 2008 والموقف الأميركي المؤيد لجورجيا على نقيض الموقف الأوروبي المنحاز لروسيا، الأمر الذي جعل موسكو تتحفظ في الترحيب بالرئيس الأميركي الجديد أوباما، بل ذهبت أكثر من ذلك إلى اتخاذ موقف حاد تجاهه يوم إعلان فوزه في الانتخابات.

حيث ألقى الرئيس الروسي ميدفيديف خطابا بعد ساعات من إعلان فوز أوباما لم يهنئ فيه الرئيس الجديد، بل ذهب يهدد بوضع صواريخ «إسكندر» الباليستية الروسية في إقليم كالينينجراد الروسي الواقع في قلب أوروبا في مواجهة الدرع الصاروخي الأميركي، الأمر الذي فهم منه العالم أن موسكو لا ترحب بالإدارة الأميركية الجديدة.

وعلى الجانب الاخر كان موقف الرئيس الأميركي الجديد أوباما إيجابيا تجاه روسيا، حيث وعد بالعمل على تحسين العلاقات وتجاوز الخلافات معها، وقد أوفى أوباما بوعده وبشكل لم تكن موسكو نفسها تتوقعه، حيث أعلن في 17 سبتمبر الماضي تخلي الولايات المتحدة عن نشر عناصر الدرع الصاروخي على أراضي بولندا وتشيكيا، ولقى القرار ترحيبا كبيرا من روسيا والأوروبيين باستثناء البلدين بولندا وتشيكيا اللتين اعتبرتا القرار إهانة وخزلان لهما من جانب واشنطن.

هدية مقابل الدرع

يمكن القول أن قرار أوباما هذا كان أفضل هدية ودليل لموسكو على حسن نوايا الإدارة الأميركية الجديدة تجاهها وسعيها لتحسين العلاقات معها، وكان على موسكو أن تفكر في تقديم المقابل لهذا القرار، إن لم يكن من باب التعاون المتبادل وبداية صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، فعلى الأقل من جانب المجاملة والدعم للرئيس أوباما، وقد أعلن الرئيس الروسي ميدفيديف بعد هذا القرار تخلي موسكو عن فكرة نشر صواريخ «إسكندر» في إقليم كاليننجراد، ولكن بالقطع لم يكن هذا هو كل ما تنتظره واشنطن من موسكو، بل كانت تنتظر ما هو أكبر.

كما كان الرئيس أوباما نفسه وعلى المستوى الشخصي ينتظر من موسكو شيء هام يبرر حصوله على جائزة نوبل للسلام في أكتوبر الماضي، هذه الجائزة التي انتقدها الكثيرون ولم يجدوا لها أي مبرر ولا أية إنجازات يستحق عنها أوباما الجائزة، لقد كان أوباما ينتظر من موسكو توقيع معاهدة جديدة للحد من الأسلحة الإستراتيجية النووية كبديلة لمعاهدة ستارت ـ 1 التي انتهت مدتها في الخامس من ديسمبر 2009.

ورغم أن المداولات حول المعاهدة الجديدة كانت دائرة منذ أكثر من أربعة أشهر مضت إلا أن موسكو لم تشأ أن تقدم هذه الهدية لأوباما قبل ذهابه لاستلام جائزة نوبل بخمسة أيام، وتحججت موسكو بأن المعاهدة الجديدة تحتاج لمزيد من البحث والدراسة قبل إعدادها للتوقيع، وكل ما قدمته لأوباما هو الموافقة على تمديد العمل بالمعاهدة المنتهية لحين توقيع معاهدة جديدة، وفي الواقع أن هذا التمديد لا يفيد في شيء ولا يقدم أي جديد، حيث أن التقليص الذي نصت عليه المعاهدة المنتهية التي تم توقيعها عام 1990 قد تم بالفعل منذ أكثر من عشر سنوات مضت، ولا يوجد جديد يبرر تمديدها.

ترانزيت مشروط

ذهب أوباما لاستلام نوبل في العاشر من ديسمبر وليس لديه ما يبرر حصوله على هذه الجائزة، ورأى البعض أن موسكو خذلت أوباما وبخلت عليه بشئ أقل بكثير مما قدمه لها، ولكن الروس كان لهم وجهة نظر أخرى في قضية تقليص الأسلحة الإستراتيجية النووية في ظل الظروف والمتغيرات التي استجدت على الساحة الدولية في العقد الأخير.

شيء اخر هام للغاية بالنسبة لواشنطن وتريد مساعدة روسيا فيه لكنها تجد مماطلة ووعود بدون تنفيذ، فقد قرر الرئيس الأميركي أوباما إرسال ثلاثين ألف عسكري أميركي لأفغانستان، وهذا الكم الكبير من الجنود الأميركيين يحتاج لدعم عسكري وعتاد وغذاء ومؤن بشكل شبه يومي، ولا يوجد عبور آمن لهذه الإمدادات إلى أفغانستان سوى من جهة الشمال عن طريق روسيا ودول وسط أسيا الصغيرة مثل أوزبكستان وقيرغيزيا اللتان طردتا القواعد العسكرية من أراضيهما بإيحاء من موسكو.

ولا تستطيع هذه الدول بدون موافقة موسكو أن تسمح لواشنطن أو حلف الناتو باستخدام أراضيها ومطاراتها كترانزيت للإمدادات للقوات الأميركية والدولية في أفغانستان، روسيا من جانبها أبدت موافقتها على الترانزيت عبر أراضيها ولكن للمواد (الإنسانية) فقط، أي للغذاء والدواء وأي شيء غير عسكري، ولدى موسكو اعتراضات كثيرة وجوهرية حول مسار العمليات في أفغانستان، وواشنطن وقيادة حلف الناتو لا يقبلان أي تدخل من أية جهة أجنبية في مسار العمليات العسكرية في أفغانستان.

سياسة الواقع المأزوم

واقع الأمر أن هناك خلافات كثيرة بين موسكو وواشنطن يصعب حسمها على مستوى رؤساء الدولتين، وموسكو لن تجد فرصة أفضل من الآن للضغط على واشنطن لكي تخضع لشروطها وتلبي متطلباتها، خاصة في ظل الأزمة المالية والاقتصادية الحادة التي تواجهها الولايات المتحدة، وأيضا في ظل ورطة القوات الأميركية والأجنبية في أفغانستان وعدم إحراز أي تقدم على الساحة هناك في مواجهة طالبان.

موسكو تعلم جيدا أن من مصلحتها التعاون مع واشنطن والناتو للقضاء على الإرهاب في أفغانستان القريبة منها والتي تشكل بوضعها هذا تهديدا كبيرا لأمنها وأمن المنطقة المحيطة بها، لكنها في نفس الوقت يغضبها كثيرا وجود لوبي وتكتل مضاد لها ويعمل ضد مصالحها وأمنها داخل مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة وفي قيادة حلف الناتو.

وهذا اللوبي يدعم بشكل واضح الدول الصغيرة المتمردة على روسيا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق مثل جورجيا وأوكرانيا ويدعم الأنظمة الحاكمة المناهضة لروسيا في هذه الدول بالمال والسلاح ويحرضها على التحرش بروسيا عن طريق الاعتداء على جيرانها الصغار المشمولين بحمايتها مثل أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وتعلم موسكو جيدا أن هناك من يعد لحرب جديدة في القوقاز تستهدف جر روسيا لنزاعات وحروب تستهلك طاقاتها وتعطل مسيرة التنمية لديها.

ومن هذا المنطلق فإن لدى موسكو تحفظات كثيرة تعوق تطور علاقاتها مع واشنطن، ولا يستطيع الكرملين في ظل هذه الظروف أن يدعم الرئيس الأميركي أوباما ويعطيه ما يتمناه من روسيا، خاصة بعد قراره إرسال القوات إلى أفغانستان، والذي يعكس في نظر موسكو حقيقة مؤكدة وهي أن أوباما لن يستطيع مواجهة صقور الحرب في واشنطن ولن يستطيع أن يكون رجل سلام كما يتمنى.

د. ليونيد ألكسندروفتش