كان الحدث الاقتصادي الأبرز والأهم على الساحة العربية خلال العام الماضي، هو انعقاد أول قمة اقتصادية عربية بعد سلسلة القمم السياسية العربية، بما يفتح الطريق لقمم ثقافية واجتماعية وبيئية وإنسانية في المستقبل. وهذه القمة احتضنتها دولة الكويت في يناير بداية العام 2009 وجرى التحضير والإعداد لها بعناية من قبل الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وأجهزتها المتخصصة مثل مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي.
وكان الحدث الأهم الثاني خليجيا. حيث احتضنت الكويت أيضا في منصف ديسمبر المنصرم مؤتمر قمة دول مجلس التعاون الخليجي، وقد بحثت القمة العديد من القضايا الاقتصادية منها الاتحاد النقدي ومشروعات الربط الكهربائي وغير ذلك من القضايا السياسية الخليجية والعربية والعالمية. وتنبع أهميته القمة الأولى التي انعقدت في يناير من السعي المدروس للبحث عن «خارطة طريق واضحة المعالم»، لمستقبل الاقتصادات العربية، بالإضافة إلى ربط القضايا الاجتماعية والتنموية بالقضايا الاقتصادية العربية، ليبقى الأهم من وضع خارطة الطريق الاقتصادية والاجتماعية على أساس التكامل العربي هو السير الجاد على مساراتها نحو الأهداف التي حددت لها، خصوصا والوطن العربي يستشرف هذه المعالم الرئيسية منذ اتفاقية «الوحدة الاقتصادية العربية» منذ زمن طوي مضى وبالتحديد عام 1957التي سبقت اتفاقية السوق الأوروبية المشتركة والتي بدأت عام 1975، وقد بدأ ت الدول العربية مؤخرا السير عبر مراحل متوالية ومتكاملة، وبجداول زمنية محددة وصولا إلى الهدف الكبير الذي أكد ضرورته الكبرى وطال انتظاره بتحقيق الوحدة الاقتصادية العربية، بدءً من «منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى» التي بدأت مسارها عام 2005 والمحدد لاكتمالها عام 2010 ودخولا إلى الاتحاد الجمركي العربي والمحدد لبدايته العام 2015 في الطريق إلى السوق العربية المشتركة المتوقع بدايتها عام 2020يمكن أن تتبلور عام 2025 كما أو ضح ذلك الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى.
قمة في الأزمة
واكتسبت أيضا أول قمة عربية اقتصادية واجتماعية عربية أهمية مضاعفة من كونها جاءت في ذروة الأزمة المالية الأميركية والتي تحولت إلى الأزمة الاقتصادية العالمية فانعكست سلبا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية خصوصا في الدول النامية والتي يشكل الوطن العربي جزءا حيويا منها، وبالتالي لو لم تكن مثل هذه القمة مقررة من قبل، لفرضت الأزمة الاقتصادية العالمية على الدول العربية الاجتماع لبحث كيفية التنسيق والتكامل في مواجهتها، مثلما فرضت على كل التجمعات الإقليمية تقريبا التجمع لوضع الحلول الإقليمية لها.
والتكامل الاقتصادي الدولي يقوم على الاعتماد المتبادل بين اقتصاديات مجموعة من الدول، يربط بينها عامل جغرافي أو سياسي أو اجتماعي مشترك، بدرجات مختلفة وعلى أسس معينة، بهدف زيادة ودعم قدراتها الاقتصادية والاجتماعية، وتسهيل عملية التنمية والاستفادة من الميزة النسبية التي تتمتع بها الدول الأخرى. وتتعدد أشكال هذا التكامل ما بين نظام تفضيلي إلى مشروعات مشتركة واتحاد جمركي ومنطقة تجارة حرة إلى سوق موحدة، فما بالنا باجتماع كل هذه العناصر الرابطة بين أقطار الوطن العربي.
كما أن الملف السياسي العربي وخاصة الفلسطيني بسبب العدوان الصهيوني الوحشي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة فرض نفسه فرضا على هذه القمة الاقتصادية بما بدا واضحا أنه لا يمكن فصل الشئون السياسية عن المسائل الاقتصادية، كما لا يمكن معه فصل القضايا الاقتصادية عن القضايا الاجتماعية والتنموية.. لذا خرجت القمة بانجازات اقتصادية هامة مثلما حققت خطوات إيجابية سياسية عربية وفلسطينية، واجتماعية وتنموية أيضا.
إعمار غزة
وافتتح أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أعمال مؤتمر القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية في الكويت، وعلى رأس ملفاتها «الأزمة في غزة» إلى جانب محاولة رأب الصدع بين الدول العربية، والذي ظهر قبل أيام من عقد هذه القمة، من خلال «قمة غزة» في العاصمة القطرية، الدوحة.
وخلال الجلسة المعلنة، أعلن أمير الكويت عن تبرع الكويت بـ 34 مليون دولار لتمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فيما أعلن عن مساهمة بلاده بـ 500 مليون دولار في إطار مبادرة كويتية تنموية برأس مال ملياري دولار لتوفير الموارد المالية اللازمة للمشاريع التنموية بإدارة الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.
أما العاهل السعودي، الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، فقد تبرعت بلاده بمبلغ مليار دولار لإعادة إعمار غزة. وذلك بالإضافة إلى ما سبق أن أعلنه أمير قطر، سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، خلال قمة غزة في الدوحة، عندما أعلن عن تبرعه بمبلغ 250 مليون دولار.
القمة الاقتصادية العربية عقدت وسط «تحديات بالغة الدقة» تتمثل في بعدين، الأول «اقتصادي» وهو الأزمة المالية التي تعصف بدول العالم ومن بينها بالطبع دول المنطقة، والثاني «سياسي» يتمثل في التطورات الساخنة بالمنطقة، جراء ما جرى من عدوان إسرائيلي إجرامي على مدار الأسابيع الثلاثة السابقة على انعقادها في قطاع غزة.
وتضمن بيان القمة عدة بنود يتقدمها «العدوان العسكري الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة وبحث كافة الجوانب المرتبطة بهذا العدوان على قطاع غزة وتداعياته وسبل إيقافه وتحقيق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية». كما تضمن مشاريع إعادة إعمار قطاع غزة والأوضاع الصحية للقطاع والأزمة المالية العالمية وتداعياتها على الاقتصاديات العربية، ومشروع الربط الكهربائي العربي ومخطط الربط البري العربي بالسكك الحديدية والبرنامج الطارئ للأمن الغذائي والاتحاد الجمركي والأمن المائي.
بطالة العرب
وتتضمن البرنامج المتكامل لدعم التشغيل والحد من البطالة في الدول العربية والحد من الفقر والبرنامج العربي لتنفيذ الأهداف التنموية للألفية الحالية وتطوير التعليم وتحسين مستوى الرعاية الصحية ودور القطاع الخاص في دعم العمل العربي المشترك والتحضير للقمة التنموية الاقتصادية والاجتماعية المقبلة المقرر عقدها في مصر.
وتضمن مشروع قرار إعادة إعمار قطاع غزة برنامج إعادة التأهيل والبناء بالتنسيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية وفق الآليات العربية والدولية المعتمدة لدعم الشعب الفلسطيني والاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثة لأهالي قطاع غزة. كما يتضمن تقديم الدعم المالي والفني اللازم لإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الصحية وتحسين الأوضاع المعيشية لسكان القطاع وتكليف مجلس وزراء الصحة العرب بإنشاء المستشفيات الميدانية وتوفير الطواقم الطبية والكوادر الصحية القادرة على توفير الرعاية الصحية وتقديم الخدمات الطبية.
أما فيما يتعلق بالأزمة المالية العالمية وتداعياتها على الاقتصاديات العربية فقد تقرر التأكيد على استمرار مساندة الدول العربية ومؤسساتها المالية الوطنية وتعزيز الرقابة والإشراف عليها وممارسة الدول العربية دورا أكثر فاعلية في العلاقات الاقتصادية الدولية والمشاركة في الجهود الدولية لضمان الاستقرار المالي العالمي إضافة إلى قيام محافظي البنوك المركزية ومؤسسات النقد العربية بزيادة التنسيق والترابط بين الأجهزة الرقابية في الدول العربية.
كما ناقشت القمة أيضاً مشروعات الربط الكهربائي العربي ومخطط الربط البري العربي للسكك الحديدية والبرنامج الطارئ للأمن الغذائي والاتحاد الجمركي العربي. وكذلك مشروعات الأمن المائي والبرنامج المتكامل لدعم التشغيل والحد من البطالة في الدول العربية والبرنامج العربي للحد من الفقر في الدول العربية.
عامان قبل القمة
يُذكر أن فكرة هذه القمة سبقت انعقادها قبل عامين، عندما اقترحت كل من مصر والكويت ضرورة أن يكون للعرب قمة خاصة تعالج قضاياهم الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما دفع بالدولتين إلى طرح الفكرة لأول مرة في قمة الرياض 2007، ولاقت ترحيباً واسعاً من جميع الدول العربية.
وعلى مدى هذين العامين عكفت جميع مؤسسات العمل العربي المشترك على الإعداد للقمة، والتي وصف الكثيرون الإعداد لها بأنه «كان الأفضل» في تاريخ العمل العربي المشترك، خاصة فيما يتعلق بالنواحي الاقتصادية، وفق وصف وكالة الأنباء الكويتية.
وفي إطار هذا الإعداد استضافت الكويت العديد من الاجتماعات التحضيرية للقمة، بدأت بأول اجتماع من نوعه جمع بين وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية، إلى جانب اجتماع وزراء الخارجية العرب، والاجتماع المشترك لوزراء الخارجية والمالية العرب، وهي الاجتماعات التي مهدت لهذه القمة الاقتصادية، كما شهدت الكويت أيضا أعمال المنتدى الاقتصاد والاجتماعي، الذي شارك فيه مجموعة كبيرة من المسؤولين الحكوميين وممثلي القطاع الخاص العربي.
وحسب مصادر جامعة الدول العربية فإن القمة الاقتصادية العربية جذبت إليها «أكبر حشد من المسؤولين العرب»، سواء على مستوى العمل العربي المشترك، أو مستوى كل دولة، مقارنة بالقمم العربية السابقة.
مستقبل القمم الاقتصادية
وأكد الأمين العام للجامعة في كلمة أمام ملتقى القاهرة الرابع للاستثمار: أنه لن تكون هناك قمة اقتصادية عربية قادمة ما لم تنفذ التوصيات التي أقرتها القمة الاقتصادية التي عقدت في الكويت يناير الماضي.
مشيراً إلى أن هناك بعض التحركات البسيطة في هذا الاتجاه، حيث بدأ تفعيل الصندوق العربي الخاص بمساعدة المشروعات الصغيرة والمتوسطة الذي يقدر رأس ماله بنحو ملياري دولار تعهدت حتى الآن كل من الكويت والسعودية بتقديم 500 مليون دولار لكل منهما، كما تعهدت مصر بتقديم 20 مليون دولار أخرى وذلك نظراً لأهمية هذا الصندوق في توفير فرص عمل للشباب العربي.
مشددا على أهمية الدور الذي تقوم به الصناديق العربية في مجال تطوير وتنمية البنية الأساسية في الدول العربية، حيث تقوم تلك الصناديق بتمويل مشروعات الربط الكهربائي والطرق السريعة الحرة ومشروعات الغاز والسكك الحديدية.
لافتاً إلى أن هناك خطوات عملية كبرى تتم في هذا الإطار، حيث أوشك الطريق الذي يربط بين مصر والسودان على الانتهاء ولم يتبقَّ منه سوى 28 كيلومتراً فقط، وطريق موريتانيا وغرب وشرق الجزائر، والطريق البري الذي يربط بين مصر وليبيا، بالإضافة إلى الطرق التي تربط بين الدول الخليجية. وقال موسى: إن تلك المشروعات تساعد على تطوير التعاون الاقتصادي بين الدول العربية، حيث إنه من الصعب أن ننطلق عالمياً دون أن تكون هناك شبكة ربط قوية بين الدول العربية.
ودعا موسى المستثمرين العرب للتوجه للاستثمار في جنوب السودان خاصة في مدينة جوبا، لما في ذلك من نفع اقتصادي وسياسي لجعل وحدة السودان قائمة ولربط جنوبه بشماله..
مضيفاً أن جنوب السودان من الناحية الاقتصادية يعد أرضاً خصبة للاستثمار وتتوفر فيه كافة العناصر الأساسية من نفط ومعادن ومياه، وأعلن موسى أن الأمانة العامة للجامعة العربية تقوم حالياً بتنظيم مؤتمر للاستثمار في جوبا خلال فبراير المقبل، وذلك لاطلاع كافة رجال الأعمال والمستثمرين على فرص الاستثمار الحقيقية المتوفرة هناك.
القمة الثانية خليجية
وفي الكويت أيضا عقدت القمة الثانية يومي الرابع عشر والخامس عشر من ديسمبر المنصرم، وهي القمة الثلاثين لدول مجلس التعاون الخليجي، وناقشت القمة العديد من القضايا، لكن الاقتصاد كان الحاضر القوي، فق حظي بالنصيب الأكبر، لما فرضته الأزمة الاقتصادية العالمية من تحديات على العالم أجمع، فالاقتصاد كان العنوان الأبرز حيث لا تزال الأزمة المالية تجثم بثقلها على العالم، في ظل نجاح أغلب دول المجلس في تجاوز هذه الأزمة والتغلب على تأثيراتها السلبية.
ورأى المراقبون أن القمة الخليجية اكتسبت أهميتها من مناقشة «الوحدة النقدية الخليجية» و«الاتحاد الجمركي الخليجي» وهما موضوعان يشكلان حضورا منذ قمتي «الدوحة» و«مسقط» إضافة إلى مناقشات القمة للقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وكما جاء في نص البيان الختامي فقد اطلعت القمة على تقارير التقدم المحرز في مجالات الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي ومشاريع تكامل البنية الأساسية بدول المجلس أهمها الربط الكهربائي ودراسة الجدوى الاقتصادية لسكة حديد دول المجلس، وعبرت عن ارتياحها لما تم إحرازه، وأصدرت توجيهاتها بشأنها.
كما وجهت القمة اللجان الوزارية بتفعيل المادة الخامسة من الاتفاقية الاقتصادية الخاصة بتعزيز بيئة الاستثمار بين دول المجلس والمادة (12) الخاصة بتشجيع إقامة المشروعات المشتركة وزيادة الاستثمارات البينية التي تسهم في تحقيق التكامل بين دول المجلس في جميع المجالات.
وذلك بناء على اقترح تقدمت به دولة قطر، وقررت أن تستكمل لجنة التعاون المالي والاقتصادي النظر في المقترح المقدم من دولة قطر بشأن إنشاء بنك تنموي مشترك لدول مجلس التعاون في اجتماعها القادم في ضوء ما قدمته دولة قطر من إيضاحات ومعلومات عن البنك المقترح في ضوء الدراسة التي كلفت لجنة التعاون المالي والاقتصادي الأمانة العامة بإعدادها، وفوض المجلس الوزاري باعتماد تكلفة دراسات الجدوى الاقتصادية للمشروعات المشتركة التي يتم اختيارها من قبل لجنة التعاون المالي والاقتصادي في مجالي التعليم والصحة.
وفيما يتعلق بمشروع سكة حديد دول مجلس التعاون كلفت القمة اللجان الوزارية المعنية والأمانة العامة باستكمال الدراسات التفصيلية للمشروع، ودراسة إنشاء هيئة خليجية لسكة حديد دول مجلس التعاون للإشراف على تنفيذ المشروع بكامله، والتنسيق فيما بين الدول الأعضاء لمواءمة سكة حديد دول مجلس التعاون مع شبكات سكك الحديد الوطنية.
هذا السير على طريق التكامل الاقتصادي الخليجي يتجه نحو التحقيق فإجمالي التجار البينية بين دول المجلس قفزت إلى 64610. 3مليون دولار في عام 2009، وفق بيانات الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يعكس قوة وتنامي العلاقات الاقتصادية، إذ كان حجم هذه التجارة لا يزيد على5925. 8 مليون دولار عام 1984.
ووفق البيانات المسجلة طرف الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي، فان دول المجلس تمتلك ثروات هائلة تؤهلها لموقع متقدم في الاقتصاد العالمي، إذ يقدر الاحتياطي النفطي بنحو 484. 2 مليار برميل. أما احتياطي الغاز فيقدر بنحو 1438. 1 ألف مليار قدم مكعب، ويبلغ الناتج المحلي حوالي 823. 3 مليار دولار، وإجمالي التجارة الخارجية 282. 8 مليار دولار، بواقع 116. 4 مليار دولار للصادرات، ونحو 166. 4 مليار دولار للواردات، ويقدر نصيب الفرد من الناتج المحلي 22. 8 ألف دولار.
وهذه الإمكانيات الاقتصادية هو ما أهل الدول الخليجية للنجاة إلى حد كبير من تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية، ويرجع الفضل في ذلك للحرص المشترك بين دوله على روابط اقتصادية قوية.
ممدوح طه