يعد العام 2009 فارقاً في تاريخ العلاقات البينية بين دول الخليج العربي، فقد توج في نهايته بالنتائج التي تمخضت عنها قمة الكويت الخليجي، والتي انعقدت في ديسمبر في نفس العام، حيث مهدت الطريق أمام وحدة خليجية تشبه إلى حد كبير الوحدة الأوروبية، حيث تم اتخاذ العديد من الخطوات في مجال الاقتصاد.

وقد حققت قمة الكويت، وهي الثلاثين من نوعها منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي، خطوات ملموسة بالنسبة إلى المشاريع التكاملية الاقتصادية بين الدول الأعضاء. فقد تم تدشين المرحلة الأولى من مشروع الربط الكهربائي. كما أكدت القمة مواصلة مشروع السوق الخليجية المشتركة الذي يهدف إلى تعزيز روح المواطنة الخليجية في مسائل العمل والإقامة والتجارة والتعليم. الجديد في الأمر هو إقرار القادة مبدأ المساواة بين مواطني دول المجلس في مجال التعليم الفني. ويرتكز مفهوم السوق المشتركة إلى منح وسائل الإنتاج مطلق الحركة في التنقل بين الدول الأعضاء، ما يعني تحقيق مبدأ المواطنة الخليجية. ويتشكل مشروع السوق المشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي الذي دخل حيز التنفيذ عام 2008 من عشرة مسارات، هي: حرية التنقل والإقامة، والعمل في القطاعات الحكومية والأهلية، والتأمين الاجتماعي والتقاعد، و ممارسة المهن والحرف، ومزاولة جميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية، و تملك العقارات، وانتقال الرساميل، والمساواة في المعاملة الضريبية، و تداول وشراء الأسهم وتأسيس الشركات. والاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية.

وقررت القمة الشروع في تنفيذ متطلبات الاتحاد النقدي وقد تم تم تدشين المجلس النقدي برئاسة الكويت. وسيتولى المجلس استكمال المتطلبات الفنية والتنظيمية، فضلا عن تأسيس بنك مركزي وإصدار عملة موحدة.

وقد جاءت نتائج القمة مبهرة، لأنها كانت هي المرة الأولى منذ غزو الكويت واحتلالها، التي تقوم فيها الدول الست بتفعيل استراتيجية للأمن الخليجي الجماعي، وذلك عند الحديث عن الاعتداءات التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية على الحدود مع اليمن ومعركتها مع الحوثيين. وقد تم تشكيل قوة التدخل السريع هدفها المواجهة الجماعية للإرهاب، وليس إنشاء شبه جيش مشترك للتدخل في النزاعات الإقليمية أو تلك ما بين دول الخليج العربية، وهو أمر يعتبر خطوة وحدودية صغيرة لكن يمكن البناء عليها في المستقبل.

ونجحت القمة في تجاوز الخلاف حول الأمين العام الجديد، والذي كان سببا للخلاف بين قطر والبحرين، لكن أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح نجح في إيجاد صيغة تحول دول الفشل، حيث تم إرجاء الاختيار. وهذه هي المرة الأولى التي لا يتم فيها اختيار الأمين العام المقبل لمجلس التعاون، علماً أن هناك دورية في انتماء المرشح للدولة التي يحين دورها. وما حدث في الكويت أن القمة دعمت ترشيحً البحرين لتولي منصب الأمين العام، وليس المرشح الذي طرحت البحرين اسمه، ولذلك جاءت التوصيات بترشيح للدولة وليس للشخص. وهذه سابقة، فلقد جرت العادة أن تتقدم الدولة بمرشحها من دون اعتراض. ما حدث في القمة كان خروجا عن المألوف. لكن كان تجاوز هذه الأزمة في حد ذاته يمثل نجاحا باهرا للقمة، ساعد على التوصل إلى النتائج الايجابية على الصعيدين الاقتصادي والأمني.. هذا من الناحية البينية الخليجية.

تحديات إقليمية ودولية

وعلى الصعيد الإقليمي، لم تتميز علاقات دول الخليج العربي سواء مجتمعة ومن داخل إطار مجلس التعاون الخليجي أو منفردة بدول الجوار الجغرافي بالتفاعل الكبير أو المكثف في عام 2009، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب في مقدمتها انشغال دول الخليج بالأزمة المالية العالمية التي وصلت تأثيراتها إلى دول الخليج ذاتها، وانشغال دول الجوار الجغرافي بملفات أخرى داخلية أو إقليمية أو دولية جعلت علاقاتها بالخليج العربي في حدها الأدنى.

فعلى سبيل المثال فان تركيا التي تعد من ابرز دول الجوار علاقة بالخليج وعلى الأخص فيما يتعلق بالمجال الاقتصادي والاستثمار كانت توجه تركيزها في العام الماضي على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وانشغلت إقليميا بالقضايا التي تساعدها على تحقيق هذا الهدف، والتي تبدو فيها جسرا للتواصل بين أوروبا والعالم الإسلامي، ومن هنا نفهم تركيز تركيا على الوساطة بين سوريا وإسرائيل ومحاولات تدخلها للتهدئة بين إسرائيل وحركة حماس وغيرها من التحركات التركية في منطقة الشرق الأوسط.

أما إيران فقد انشغلت بعدة قضايا أخرى منها انتخاباتها الرئاسية، ثم بالأحداث التي تلتها والتي ظلت مستمرة لعدة أسابيع، كذلك ظل الملف النووي الإيراني مطروحاً طوال العام، الأمر الذي استحوذ على قدر كبير من اهتمام الدبلوماسية الإيرانية.

وهذا الاهتمام استحوذ على جزء كبير هو الآخر من اهتمام الدبلوماسية الخليجية، بسبب خوف دول الخليج من أن تصبح واحدة من دول الجوار الجغرافي نووية فضلا عن أنها حتى الآن لديها مطامع في دول المنطقة والدليل على ذلك استمرار قضية الجزر الإماراتية المحتلة عالقة بين الطرفين ومن دون حل حتى الآن.

وهناك عدة ملفات لابد من تناولها عند الحديث عن علاقة الخليج بجواره الجغرافي خلال العام المنصرم 2009 وهى: الخليج والقرصنة الصومالية، والخليج وتركيا، وأخيرا الخليج والملف النووي الايرانى.

الخليج والقرصنة

أولا- الخليج والقرصنة الصومالية: تعد ظاهرة القرصنة الصومالية واحدة من القضايا التي أثرت على دول الخليج العربي خلال العام الماضي ولا يرجع ذلك فقط إلى أن سفنا منتمية لدول الخليج وعلى الأخص المملكة العربية السعودية قد تم اختطافها من قبل القراصنة الصوماليين، وإنما إلى تأثير ذلك على صادرات دول الخليج من النفط في وقت عانت فيه دول الخليج نفسها من تداعيات الأزمة المالية العالمية.

وهذة الظاهرة أعادت الاعتبار مرة أخرى إلى مفهوم امن البحر الأحمر كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، بالنظر إلى أن رؤى دول المنطقة رأت أن تدويل هذه الأزمة وتدخل الدول الخارجية لوقف الظاهرة ومواجهتها يمكن أن يؤثر بالسلب على امن المنطقة وعلى دول الخليج ذاتها.

وتشكل أعمال القرصنة المتزايدة والمنتشرة قبالة سواحل الصومال وفي المياه الدولية للبحر الأحمر وأمام خليج عدن ضد السفن التجارية المارة حالة من الإرباك والتداعيات الخطيرة على سلامة وأمن البحر الأحمر وعلى استمراره كممر مائي آمن للتجارة، وأيضاً على المصالح الإستراتيجية للدول المطلة عليه أو تلك التي تعتمد عليه بشكل رئيسي في تجارتها الدولية وعلى رأسها دول الخليج العربي، خاصة وأن حالات القرصنة واختطاف السفن خلال العام 2008 بلغت أكثر من 90 حالة اختطاف طلباً لفدية مالية بحسب تقرير مكتب الملاحة الدولي ومقره لندن.

ومن المتوقع أن تكون إحصاءات عام 2009 اقرب إلى هذه الأرقام أو تزيد عنها قليلا، وهو ما دفع العديد من شركات النقل البحري العالمية للإعلان عن تغيير خط سيرها الملاحي وتحويله إلى طريق رأس الرجاء الصالح برغم تضاعف التكلفة حيث اعتبر مكتب النقل البحري أن منطقة البحر الأحمر وخاصة قبالة السواحل الصومالية وخليج عدن من أخطر الممرات المائية في العالم مما رفع من قيمة التأمين على السفن المتجهة إليه.

وذلك يعنى أن تكاليف نقل البضائع والنفط من منطقة الخليج أو الواردات القادمة إلى المنطقة ستصبح أعلى عنها الآن بما يشكل تهديدا خطرا لتجارة المنطقة واقتصادياتها.

البحر الأحمر قناة وصل بين البحار والمحيطات المفتوحة، ومن هنا تزيد أهميته الإستراتيجية سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية أو الأمنية، وهو الطريق الرئيسي الذي يمر من خلاله نفط الخليج العربي وإيران إلى الأسواق العالمية في أوروبا، وتحتاج أوروبا إلى نقل حوالي 60% من احتياجاتها للطاقة عبر البحر الأحمر، وأيضاً نقل حوالي 25% من احتياجات الولايات المتحدة الأميركية من النفط العربي. وللبحر الأحمر أهمية كبرى للأمن العربي سواء على المستوى القومي أو على المستوى القطري للدول العربية المطلة عليه.

بؤرة صراع

وحسب دراسة لسمير العبدلى نائب رئيس مركز الدراسات والبحوث اليمني وأستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة صنعاء، فان خطورة القرصنة على البحر الأحمر وممراته تتمثل في إمكانية تحول طرق التجارة الدولية والنقل البحري عنه مما يضعف من مدخولات الدول المطلة عليه اقتصاديا.

وأن يتحول البحر الأحمر إلى بؤرة للصراعات والحروب والتدخلات الإقليمية والدولية النشطة وجماعات الإرهاب الدولي ومافيا المخدرات. وأن يتم تدويل البحر الأحمر وممراته مما يفقد الدول العربية السيادة عليه والحصول على الثروات التي يحتويها وأن تكون إسرائيل اللاعبَ الأساسي في رسم إستراتيجيته الأمنية والاقتصادية وفق مصالحها وحلفائها في إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد بعيداً عن المصالح العربية.

وبين الدول الخليجية فان السعودية كانت هي الأكثر تأثرا من هذة الظاهرة ويرجع ذلك إلى أنها هي إحدى الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، والذي يعتبر بالنسبة لها أحد الشرايين الهامة البديلة لتصدير منتجاتها بعيداً عن موانئ التصدير الواقعة على الخليج العربي والتي تعرضت باستمرار خلال العقود الثلاثة الأخيرة لعدم الاستقرار.

فالمملكة العربية سابقاً تحفظت على دعوة اليمن لحضور مؤتمر تعز عام 1977 للدول العربية المطلة على البحر الأحمر للتباحث حول ترتيبات الأمن العربي فيه وذلك في ظل ظروف دولية وإقليمية كانت تهدف إلى تحجيم الدور اليمني والعربي في البحر الأحمر. ولكن في ظل المتغيرات والظروف الدولية الأخيرة أبدى كثير من المحللين السعوديين تخوفهم على أمن المملكة واقتصادها واستثماراتها من تطور عمليات القرصنة في البحر الأحمر.

وأشار هؤلاء إلى أن نفط المملكة المصدر عبر البحر الأحمر ومشاريع تحلية المياه ومستلزمات عملية التنمية التي يتم استيرادها عبر موانئ المملكة على البحر الأحمر مهددة، وطالبوا الرياض بضرورة دعوة الدول المطلة على البحر الأحمر إلى عقد اجتماع لوضع إطار للتعاون الإستراتيجي المشترك. ناهيك بالطبع عن أن عدة سفن سعودية كانت من تلك التي خطفها قراصنة الصومال خلال العام الماضي 2009.

العلاقات مع تركيا

ثانيا- العلاقات التركية الخليجية: لكي نتناول العلاقات الخليجية التركية في عام 2009 لابد وان نرجع إلى سبتمبر من العام الذي سبقه، حيث تم توقيع مذكرة التفاهم بين الجانب التركي ودول مجلس التعاون الخليجي، أثناء اجتماع وزراء خارجية الدول المعنية في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية في 3 سبتمبر 2008.

وبتوقيع هذه المذكرة كان من المتوقع أن تشهد هذه العلاقات بموجبها انتعاشًا واضحًا، وبقدر وجود العديد من الدوافع والمحفزات التي أدت إلى الإسراع بخطى التقارب والتعاون التركي مع دول مجلس التعاون الخليجي، فإن واقع ذلك التعاون انحصر في المجال الاقتصادي، وارجع المراقبون هذا الأمر في المقام الأول إلى وجود العديد من المعوقات والإشكالات التي تقف حجر عثرة أمام التكامل الخليجي ـ التركي.

وحسب دراسة لزياد عبد الوهاب النعيمي، فإن أبرز هذه المعوقات هي غياب الآليات اللازمة لتطوير العلاقات؛ بسبب اتباع تركيا لسياسة الانعزالية تجاه المنطقة العربية وان كانت بدأت تتخلى عنها مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم ولكن التوازنات الداخلية التركية جعلت عملية التخلي بطيئة بعض الشيء يضاف إلى ذلك نظرة الريبة من قبل دول مجلس التعاون الخليجي لتطور العلاقات التركية الإسرائيلية، منذ منتصف التسعينات، وتخوفها من أن تكون أنقرة هي السبيل الإسرائيلي لاختراق اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، وتطبيع العلاقات معها.

ويضيف نفس المصدر أسبابا أخرى منها عدم رضا دول الخليج عن المبادرات التركية الرامية إلى جعل الماء التركي مقابل النفط الخليجي، وذلك من خلال مشروع (أنابيب السلام)، وأن تركيا لا تستطيع التخلي عن ارتباطاتها السياسية والعسكرية مع الغرب، خاصة في ظل عضويتها في حلف الناتو، وحرص الغرب على ضرورة الوجود التركي في منطقة الخليج العربي كعنصر توازن في مواجهة الدورين العراقي والإيراني، مع وجود تحفظ غربي ـ أميركي على توسع الدور التركي في منطقة الخليج العربي، لما يمثل ذلك من تخلي تركيا عن الوصايا الأميركية. وهذا الدور أي التوازن مع كل من العراق وإيران يعطى للعلاقات الخليجية التركية طابعا مختلفا عن كونها تستهدف مصالح الطرفين فقط من دون حسابات أخرى.

تطور العلاقات

وكانت النقلة النوعية في مسار العلاقات بين الطرفين التركي والخليجي والتي يمكن اعتبارها بمثابة بداية الطريق لإزالة المعوقات التي سبق لنا الإشارة إليها تتمثل في عقد الاجتماع الوزاري التركي الخليجي الأول في يوليو الماضي 2009 في اسطنبول والذي اختتم بوضع خريطة طريق مشتركة لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والدفاعية والأمنية بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي وبالتأكيد على حرص الدول المشاركة على التعاون من اجل تكريس الأمن والاستقرار في المنطقة.

واعتبر وزير الخارجية التركي احمد داود أوغلو في مؤتمر صحافي في ختام الاجتماع أنه تم فتح صفحة جديدة في العلاقات بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي عنوانها التعاون لمواجهة التحديات في المنطقة والعمل على الاستقرار والسلم فيها.

من جهته رأى وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي الرئيس الحالي للمجلس أن الاجتماع كان ناجحا للغاية وانه حقق الهدف الذي عقد من أجله. وقال الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد الرحمن العطية إن المسائل التي نوقشت خلال الاجتماع كانت موضع اهتمام الدول المشاركة مشيرا إلى أن دول المجلس تقدر الدور التركي النشط في المنطقة.

وأعلن وزير الخارجية التركي ان استثمارات دول المجلس في تركيا وصلت عام 2008 إلى 10 مليارات دولار وان حجم التبادل التجاري تضاعف منذ عام 2002 ثماني مرات ليصل إلى 16. 6 مليارات دولار.

سكة حديد تركيا الخليج

وقد اتفق المشاركون في الاجتماع على إنشاء شبكة سكك حديد تربط دول المنطقة ببعضها، ومنها إلى تركيا و أوروبا، مشيراً إلى أن التجهيز لهذا المشروع جار حالياً. كما تم الاتفاق على بناء طريق يربط دول المجلس يتضمن بناء جسر بين البحرين وقطر كما تم توقيع اتفاق لتشكيل أساس قانوني للعلاقات الاقتصادية بين تركيا ودول المجلس.

وتناول الاجتماع الذي شارك فيه وزراء خارجية تركيا والبحرين والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والسعودية وسلطنة عمان الرئيس الحالي للمجلس والأمين العام للمجلس الآليات اللازمة لتفعيل الاتفاقية الإطارية للتعاون الاقتصادي المشترك التي وقعها الجانبان في البحرين عام 2005 ومذكرة التفاهم التي تم توقيعها في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية في الثاني من سبتمبر عام 2008، كما تناول سير مفاوضات التجارة الحرة بين الطرفين والعمل على الانتهاء من المفاوضات بأسرع وقت ممكن إضافة إلى تعزيز مجالات التعاون الثقافي والتعليمي والعلمي والسياحي.

وهذه النتائج تؤكد أن الاقتصاد مازال هو الذي يطغى على علاقات الجانبين، خاصة وان المشاركين في الاجتماع أكدوا انه ليس تجمعا إقليميا جديدا موجها ضد طرف إقليمي آخر مع وجود تحليلات رأت انه تجمع موجه ضد إيران ودورها الإقليمي بالأساس وهو ما نفاه وزير الخارجية التركية.

وكان الهدف المعلن للاجتماع هو تشجيع التعاون في ثلاثة مجالات أساسية حيث قالت وزارة خارجية تركيا بشكل واضح أن هذا لا يمثل تجمعا جديدا في الشرق الأوسط وأنه ليس ضد طرف ثالث لأنه تم استقبال هذه الفكرة على أنها تمثل تكتلا أو حلفا ضد النفوذ المتصاعد لإيران، وأكدت الأطراف المشاركة إن الاجتماع يرتكز على التعاون الاقتصادي لكن منذ البداية قال المعنيون بأن هذا الأمر لا يتعلق فقط بالقضايا الاقتصادية،وإنما هو أيضا تعاون بشأن الغاز والنفط والطاقة المتجددة وكذلك الأمن والنقل، كذلك فإنه يرتكز أيضا على البحث عن حلول للمشاكل الإقليمية من خلال مبادرات إقليمية.

وعلى الرغم من أن هذا القول الأخير فتح الباب أمام إطلاق تركيا لمبادرات لحل الأزمة بين إيران ودول الخليج حول مسألة الجزر المحتلة من قبل إيران ولكن ذلك لم يحدث حتى نهاية العام بما عزز الاتجاه القائم على أن الاقتصاد هو المحرك الأساسي لعلاقات الطرفين الخليجي والتركي.

النووي الإيراني

ثالثا- دول الخليج والملف النووي الإيراني: يعد الملف النووي الايراني هو الحاكم في علاقات دول الخليج العربي بإيران، ذلك انه ومنذ نجاح الثورة الإيرانية وهناك تحليل سائد يرى أن لإيران أطماعا توسعية في منطقة الخليج العربي زاد منها موقفها من الجزر الإماراتية، وبالكشف عن سعى إيران لان تصبح دولة نووية، زاد الهاجس الخليجي حول هذا الأمر حتى وان أكدت إيران مراراً أنها تسعى لامتلاك تكنولوجيا نووية للأغراض السلمية فقط.

وحسب معظم التحليلات والخبراء الخليجيين فإن هناك توافقاً بين دول المجلس حول مبادئ عامة حاكمة للموقف الخليجي من الملف النووي الإيراني، وهذا الموقف يرتكز على المبادئ التالية:

(1) إن دول المجلس تتبنى موقفاً يؤمن بمبدأ وجوب قيام اتفاق إقليمي يشمل منطقة الخليج وربما منطقة الشرق الأوسط عامة، ويشمل إسرائيل بشكل خاص هدفه ترسيخ الأسس القانونية لإعلان المنطقة «منطقة منزوعة السلاح النووي» أو «منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل»، وأن تلتزم جميع دول المنطقة بتطبيق هذا المبدأ، وأن تستحدث آلية دائمة وفعّالة لتنفيذ الاتفاق، ومراقبة الدول التي تمتلك برامج نووية للأغراض السلمية.

وقد تم تأكيد هذا المبدأ، من خلال البيان الذي صدر عقب اجتماعات الدورة الـ 92 لوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي الذي عقد في جدة في 13 سبتمبر 2004م حيث طالب أعضاء المجلس المجتمع الدولي «بالعمل على جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من كافة أسلحة الدمار الشامل».

(2) أن يتم الضغط على إسرائيل، للانضمام إلى معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وإخضاع كافة منشآتها النووية لنظام التفتيش الدولي.

(3) يُعتبر تخلِّي إسرائيل عن قدراتها النووية عاملاً أساسياً وشرطاً ضرورياً لتحقيق مبدأ قيام منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، كما حث قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (49-71) الصادر في 15 ديسمبر 1994م جميع الأطراف في منطقة الشرق الأوسط على اتخاذ الخطوات الجدية والعملية المطلوبة لتطبيق مشروع إعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية.

(4) تعتقد دول مجلس التعاون أن على إسرائيل العمل الجدي على تطبيق تعهداتها القانونية حول الالتزام بجعل منطقة الشرق الأوسط «منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل» التي جاءت ضمن الفقرة الرابعة من معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية لعام 1994م (اتفاق وادي عربة)، فقد تعهّد فيها الطرفان على العمل لجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل التقليدية وغير التقليدية، ضمن إطار سلام عادل ودائم ومستقر.

لا للسلاح النووي

وضمن الإطار العام للشعور بالحاجة لتأسيس منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل دون تأخير، فإن رد الفعل الراهن لدول الخليج يتمحور حول وجود موافقة ضمنية غير معلنة وغير متفق عليها بشكل مسبق على مبدأ وجوب منع إيران من تطوير قدراتها النووية خارج إطار الاستخدامات السلمية.

وعلى الرغم من البروز العلني خلال السنوات الماضية لقضية أخطار البرنامج النووي الإيراني، والادعاء الافتراضي بإمكانية قيام إيران بامتلاك القدرات النووية العسكرية خلال فترة زمنية قصيرة، فإن قيادات دول المجلس الست لم تحاول أن تتخذ موقفاً علنياً يحدد طبيعة مواقف دولها بشكل انفرادي.

وفى العام الفائت، فإن المواقف الخليجية الجماعية كانت تدور حول هذا الموقف، وكان آخرها ما صدر عن القمة الخليجية التي عقدت أعمالها في ديسمبر2009 بالكويت حول الملف النووي الإيراني، حيث دعا قادة الدول الخليجية إيران إلى التعامل بايجابية مع متطلبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية وقرارات الشرعية الدولية، مجددين رفضهم لأي عمل عسكري ضد إيران.

وقال وزير الخارجية الكويتي الشيخ محمد الصباح في مؤتمر صحافي في ختام القمة «ما نتمناه ونطلبه هو أن تلبي إيران ما هو متطلب منها من وكالة الطاقة الذرية، وان تتعامل بايجابية مع قرارات الشرعية الدولية». وأكد أن دول الخليج «لا تريد أبدا أي عمل عسكري «ضد إيران لان أي توتر في هذه المنطقة سينعكس على أوضاعنا».

وفى نفس الوقت فان دول الخليج العربي تؤكد في كل المناسبات على موقفها الثابت من أزمة الجزر الإماراتية، وهو موقف ثابت منذ بداية تسعينات القرن الماضي ويتمثل في تأكيد مجلس التعاون الخليجي رفضه القاطع لاستمرار احتلال إيران لجزر دولة الإمارات العربية المحتلة الثلاث، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، و تأكيده على سيادة دولة الإمارات العربية المتحدة الكاملة على جزرها الثلاث، ودعوته الحكومة الإيرانية إلى إنهاء احتلالها للجزر الثلاث.

حسن النوايا

وهذا الموقف الخليجي الجماعي من إيران يؤكد أن المضي قدما في علاقات إيران مع دول الخليج لابد وان ينطلق من إبداء إيران لنوايا حسنة تجاه المنطقة المحيطة بها، وهو ما لم تقم به إيران بصورة صريحة وواضحة، لكن دول الخليج لا تريد أن توافق القوى الغربية الراغبة في توجيه ضربة عسكرية ضد إيران لان ذلك يمكن أن يحدث فوضى في المنطقة.

وقد رأى محللون مثل راغدة ضرغام أن قمة مجلس التعاون الأخيرة في ديسمبر 2009 مثلت نقلة نوعية في علاقات دول المجلس بإيران حيث تصرفت الكويت بصورة حاسمة عندما لم تعط أي فرصة لاحتمال دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى القمة، فوضعت المؤتمرات المقبلة على النهج الكويتي القائم على أنه لا يمكن لمجلس التعاون القبول برئيس دولة من الجوار لأن مجلس التعاون هو لدول الخليج، وان ما حصل في الدوحة في عام 2008 عندما دعت أحمدي نجاد إلى قمة مجلس التعاون كان الاستثناء وليس تقليداً الذي سوف تتبعه الدول الخليجية في المستقبل.

وبالنسبة إلى الملف النووي، شددت قمة الكويت على الالتزام بالشراكة الدولية وشروط معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. وتحدثت عن منطقة للشرق الأوسط خالية من السلاح النووي ورحبت بجهود دول 5+1 لحل الأزمة بالطرق الدبلوماسية وعبر تسوية سياسية. اي أن القمة أوضحت أن المطلوب من إيران هو ألاّ تتمرد بل أن تنسجم مع قواعد السلوك الدولية، وان تساهم وتفي بما عليها لإنجاح المفاوضات السلمية، وأن تزيل شكوك دول الجوار ومخاوفها.

و حددت قمة الكويت المسؤوليات على إيران بعدما أوضحت ان لإيران الحق باستخدام الطاقة النووية سلمياً تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فجاءت مواقف دول مجلس التعاون في البيان الختامي للقمة بمثابة شروط على إيران. وهذا دليل على استمرار الشكوك الخليجية بإيران.

خالد السرجانى