عرف الانسان على مر العصور أنواعا شتى من الأسوار والجدران والحواجز، اسمنتية كانت أم خشبية أم حديدية أو حتى شائكة، منها المرتفع ومنها المنخفض، منها الممتد ومنها القصير،لكن مهما اختلفت تلك الأشكال وتنوعت إلا أن القاسم المشترك الذي يجمع بينها هو أن أحدثها وأكثرها كفاءة لم يعد يرتبط باحتياجات تأمين الانسان الحماية لنفسه من أخطار الطبيعة وتقلباتها فحسب، وإنما ارتبطت بما تفتقت عنه عقليات القادة والمهندسين العسكريين في أعتى الجيوش في العالم وأكثرها عدوانية، فكانت الجدران والأسوار التي فصلت بين ابناء المجتمع الواحد وربما العائلة والأسرة الواحدة وكان ما يترتب عادة على هذا المشهد غير الانساني من موت ومرض وجوع وحرمان وتشريد وتهجير في قائمة قد تطول كما الأسوار أيضا.
على الرغم من كل ذلك التنوع وتعدد الأشكال والاحتياجات وبغض النظر عما إذا كان محقة من عدمه،إلا أن أحدا لم يسمع قط بمصطلح ظهر على الساحة السياسية العربية ،مؤخرا، وهو «الجدار الفولاذي»، قيد الانشاء تحت أرض العريش المصرية، لم يسمع به أحد على الأقل حين يكون الغرض منه ،في هذه الحالة، هو الفصل بين منطقتين أو قطرين أو مجتمعين.
فما بالك إذا كان هذا الغرض ينحصر فقط في الحيلولة دون وصول بعض من الغذاء والدواء أو ما هو ضروري منه إلى منطقة يسكنها أكثر من مليون ونصف المليون من الناس الآدميين الذين تقطعت بهم السبل وأدركهم العوز إثر حصار وحرب جائرين يشنهما ما يسمى المجتمع الدولي بقيادة واشنطن وربيبتها تل أبيب ومدد كبير من عواصم عربية، ما دفعهم إلى ركوب الصعاب وأهوال الموت زاجين بفلذات أكبادهم إلى أتون أنفاق رملية هشة علها تؤدي بعضا من غرض وتسد رمق طفل أوتداوي مريضا.
مرة أخرى ومن المؤكد أنها لن تكون الأخيرة ستبدو التعليقات حول ما يجري في غزة الفلسطينية وما حولها ساذجة إلى حد البلاهة من كثرة تكرارها حتى باتت روتينيتها روتينية الطعم والشكل والرائحة، لكن ذلك لا ينفي الحاجة الماسة إلى ذلك التكرار طالما ظل الوضع هناك قائما على ما هو عليه تحت قبضة الاحتلال الإسرائيلي البغيض.