حينما سيتوجه الأوكرانيون إلى صناديق الاقتراع في الـ 17 من شهر يناير المقبل للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية الخامسة في بلادهم منذ نيلها استقلالها، فإنهم في واقع الأمر لن يعبروا فقط عن رأيهم وينتخبوا مرشحهم المفضل. تكتسي انتخابات الشهر المقبل أهميةً كبيرة وذات مغزى لعوامل عدة أهمها على سبيل المثال أنها الأولى منذ اندلاع الثورة البرتقالية التي أطاحت برجال الكرملين في أوكرانيا قبل نحو خمسة أعوام.
كما أن الاستحقاق سيشكل محطةً مفصلية بالنسبة لمستقبل البلاد على طريق انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي وحلف «ناتو» كما سعت دوماً رموز الثورة.
والحال، أن الترقب على أشده لمعرفة ما ستسفر عنه النتائج وفي ما إذا كانت الخريطة الانتخابية بعد ال17 من يناير ستبقى منقسمة على نفسها بالشكل الحاد الذي هي عليه الآن بين شرقٍ موالٍ لروسيا، بأقليته الروسية التي تشكل نحو 20 في المئة من السكان، وغربٍ أوكراني لا يرى بلاده إلا جزءاً من المنظومة الغربية بكل ما تشكله من انفتاحٍ سياسي وما يعنيه ذلك من تنميةٍ اقتصادية تدفع بعيداً عن إرث الاتحاد السوفييتي البائد.
يأتي كل ذلك وسط حالة شبه الإفلاس التي تعاني منها أوكرانيا منذ قرابة عام ما أدى إلى إغلاق الكثير من المصانع وخلق مصاعب جمة للمصارف في بلدٍ يعتمد اقتصاده على التعدين والتصنيع والاستثمار بالإضافة إلى الزراعة.
واستطلاعات الرأي التي أجريت مؤخراً أظهرت تشاؤم الأوكرانيين من العملية السياسية برمتها حيث أعرب 92 في المئة عن عدم رضاهم عن الوضع السياسي في ما أشار 82 في المئة إلى توقعاتهم بحصول تزوير في الانتخابات.
وتبدو المنافسة محصورة بين زعيم «حزب الأقاليم » فيكتور يانكوفيتش، وهو حليف قديم للكرملين، ورئيسة الوزراء الحالية يوليا تيموشينكو.
أما الرئيس الحالي فيكتور يوشينكو، فتبدو حظوظه ضعيفةً مع التناقص الرهيب في شعبيته التي تدهورت إلى حدٍ بعيدٍ بسبب الأزمات الاقتصادية الناشئة عن الجمود السياسي والعصي التي وضعت من قبل الأخ الأكبر في عجلة النظام. لا يزال نفوذ روسيا قوياً في أوكرانيا، قاعدة عسكرية في الجنوب وقواعد سياسية تتركز في الشرق تؤكد باستمرار أن مستقبل أوكرانيا يجب أن يكون مع موسكو بفعل الديموغرافية والتاريخ والقيم المشتركة، ولا مكان في نادي الأغنياء الأوروبيين لكي لا تتحول البلاد إلى رومانيا ثانية في الاتحاد الأوروبي، أي الحلقة الأضعف غير المرغوب فيها التي تشكل عبأً على الكبار.
أما المشروع الآخر، وتمثله تيموشينكو حليفة يوشينكو السابقة، فيشعر بالغضب من وريثة الإمبراطورية الشيوعية التي ينظر إليها الأوكرانيون، خاصةً القوميين منهم في الغرب، كقوةٍ محتلةٍ سبب ارتباطهم بها حتى العام 2004 تأخر أوكرانيا عن ركب حداثة النظام المؤسساتي الذي تتمتع بهم جارتهم بولندا، والتي أضحت منذ زمنٍ عضواً في الاتحاد الأوروبي.
ولأن كل شيءٍ مباح في الحب والحرب، سحبت تيموشينكو البساط من تحت أقدام يانكوفيتش بتقاربها المؤقت مع رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين صاحب القبضة الحديدية في بلاده وعادت من نافذة اتفاقات الغاز، ميدانها المفضل، لتكسب أصوات الأقلية الروسية التي لطالما اتهمتها باتباع سياساتٍ تهمش لغتها وثقافتها وحضورها في أوكرانيا.
لن يكون الشهر المقبل بارداً في كييف كما هي العادة إذاً، بل ستشهد البلاد استحقاقاً ساخناً لا يمكن وصفه إلا بالمصيري. سيستيقظ الأوكرانيون صبيحة ال18 من يناير متمنين استهلال العام الجديد بهديةٍ تدفن حالة التشظي وتختم مرحلة «مكانك راوح»، ولكن خوفهم يبقى أن تفضي نتيجة الاقتراع إلى إطلاق عهد «خطوة إلى الأمام خطوتين إلى الوراء » في حال عودة الأخ الأكبر مجدداً إلى سدة الحكم أو حتى انتهاء الانتخابات الرئاسية إلى ما انتهت عليه نظيرتها التشريعية العام 2007 من دون رابحٍ ولا خاسرٍ.