إن ملف مقاضاة إسرائيل أمام المراجع الدولية من أجل إدانة ما ارتكبته من جرائم، بحق العرب والفلسطينيين متضخم بشكل لا مثيل له؛ فمن دير ياسين إلى مدرسة بحر البقر، وصبرا وشاتيلا، وقانا الأولى والثانية، لم تتوقف المجازر الإسرائيلية طوال أكثر من ستين عاماً، وفي كل مجزرة كانت إسرائيل تنجو بجريمتها من العقاب أو المساءلة بفعل الدعم الأميركي والتكاسل العربي والتواطؤ العالمي.
ليفني ألغت زيارتها إلى بريطانيا خشية صدور هذا الأمر القضائي، وبأنها قد تتعرض إلى الاعتقال والملاحقة القضائية، مدعيةً أن الإلغاء تم على خلفية عدم تنظيم برنامج الزيارة، وذلك خوفاً من اعتقالها بموجب مذكرة الاعتقال التي أصدرها قاض بريطاني، بسبب مسؤوليتها عن الحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة قبل نحو عام.
وعلى الرغم من أن هناك العديد من العقبات والإشكاليات القانونية والسياسية التي تجعل من مسألة ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين ومعاقبتهم بتهم ارتكاب جرائم حرب أمراً صعباً، فإن ذلك لا يمنع حقيقة أن التحرك الجاد في هذا الصدد من خلال الأمر القضائي البريطاني الذي تولى ملاحقة وزيرة الخارجية الصهيونية السابقة تسيبي ليفني باسم دماء أطفال غزة، يمكن أن يسفر عن نتائج إيجابية تردع هؤلاء المسؤولين على الأقل عن تكرار تلك المجازر.
إن المتابعين لملف مطاردة مجرمي الحرب الإسرائيليين يعتقدون أنه أياً كانت الطريقة التي تمت بها المسألة فإن هناك ردعاً قضائياً قد تم تكريسه، ليس فقط كبار الضباط الإسرائيليين المشاركين في جرائم حرب، وهم المطلوبون، وإنما أيضاً القادة السياسيون، وليس فقط السياسيين الموجودين في الحكم الآن، وإنما أيضاً السياسيون السابقون.
الهزيمة العسكرية يمكن تجاوزها خلال سنوات أو حتى عقود، والانهيار الاقتصادي يمكن أن يكون مقدمة لنهضة أخرى طال الزمن أم قصر، غير أنه من الصعب إصلاح صورة تضررت في عيون شعوب بأكملها، والصهيونية التي بنت دولة إسرائيل على لعب دور الضحية في كل مراحل السعي إلى تجسيد المشروع الصهيوني تخسر اليوم كل الجهود التي قامت بها، وهي الآن تواجه هذه الصورة البشعة التي تظهر عليها إسرائيل أمام العالم.
إن ما يحدث من مجازر بحق أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة حالياً، وما حدث في السابق من مذابح وعمليات حصار وتجويع، يفرض على كافة المنظمات الحقوقية والمدنية والمؤسسات الرسمية في العالم العربي سلوك كل السبل الممكنة من أجل ملاحقة كبار القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين في جميع المحافل بتهمة ارتكاب «جرائم ضد الإنسانية» و«جرائم حرب» و«إبادة جماعية»، ولا يتعين أن يتوقف أي جهد في هذا السياق مع وقف الحرب العدوانية الإسرائيلية على غزة؛ فدماء آلاف الأبرياء الذين سقطوا بين قتيل وجريح، يجب ألا تذهب هدراً، كما يجب أن يعي مجرمو الحرب الإسرائيليين أن لهذه الدماء ثمناً يتعين أن يدفعوه.
فالإدانات الخجولة لا تسمن ولا تغني من جوع على هذا الإجرام. لكن المطلوب الآن فزعة واسعة على مستوى الأمة جمعاء مطالبة بدم هؤلاء الأبرياء ومقاضاة السفاحين الإسرائيليين. ولا يساور أحد أية شكوك في أن ما حدث ويحدث في قطاع غزة هو جريمة حرب مكتملة الأركان، طبقاً لما ورد في اتفاقيات جنيف الأربعة واتفاقية إبادة الجنس، من حيث القتل العمد للأطفال والنساء؛ فأكثر من ثلث ضحايا هذا العدوان هم من الأطفال والنساء.
ومن المعروف بحسب الخبراء القانونيين، أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ويظل مقترفوها مطلوباً محاكمتهم مهما طال الزمن، ويحق لأي دولة معاقبتهم متى وجدوا على أرضها، بغض النظر عن مكان ارتكاب هذه الجرائم أو جنسية من قاموا بها أو ضحاياها.
ومن ثم فمن الضروري أن تقوم المؤسسات الحقوقية والرسمية في العالم العربي بتوثيق كافة الجرائم الإسرائيلية المرتكبة بحق العرب والفلسطينيين، وجمع الأدلة والشواهد القانونية التي تؤكد ثبوت هذه الجرائم تمهيداً لملاحقة المسؤولين عنها ومحاكمتهم دوليا. فلقد حرمت أوروبا التشكيك في المحرقة وفي أعداد الضحايا، لكنها اليوم تواجه هذا الكيان المجرم، وهي بطريقة أو بأخرى تواجه حكم التاريخ القاسي الذي يعيد تصنيف المجرمين في مواقعهم الصحيحة.