انتهت انتخابات الصحفيين المصريين، بعد اسبوع حافل من الكر والفر سبق اعادة اختيار مكرم محمد احمد نقيبا في الجولة الثانية مع المرشح الشاب ضياء رشوان، ونقول شابا مجازا، لانه على اعتاب الخمسين من العمر، لكنه قياسا لمنافسه الذي تجاوز السبعين، يعد شابا في عرف أجيال من اعضاء النقابة لم تر على منصب النقيب من هم دون الستين منذ اكثر من ثلاثين عاما.
خاض ضياء الانتخابات تقوده (اشواق التغيير) لدى شريحة واسعة جعلته في الجولة الاولى يكاد يطيح بنقيب مخضرم احتل موقعه لخمس دورات سابقة، وخبرة مهنية ونقابية محل تقدير،لكن كلمة التغيير التي يتحدث عنها الجميع في مصر يبدو انها لا تزال في مقام الاماني، اكثر من كونها قدرة على الفعل، والوصول الى المواقع المنتخبة على اسس ديمقراطية حقيقية، كما هو الحال في النقابات المهنية وفي مقدمتها نقابة الصحفيين.
نقول ان التغيير لا يزال رغبة وان اتسعت شريحة المتطلعين اليه، لان من اسماه احد الزملاء ب (هجوم الجبابرة) من صحفي المؤسسات القومية في يوم انتخابات الاعادة، كان له الكلمة الفصل لصالح مكرم محمد احمد الذي فاز بفارق تجاوز 800 صوت، من بين اكثر من اربعة الاف ممن ادلوا باصواتهم بعدما كان الفارق مع منافسه في الجولة الاولى لا يتعدى الاربعين صوتا.
اذن الرغبة في ابقاء الامور على حالها،تغلبت على (اشواق التغيير) التي راهن عليها رشوان، لان تلك الاشواق للمراقب من بعيد لم تنضج بعد وسط الجماعة الصحافية بكل وعيها، فماذا عن رجل الشارع العادي الذي تربى على الامثال من نوع (إللي تعرفه احسن من إللي متعرفوش) وهي القاعدة التي تحكم اغلب الانتخابات العامة، وبشكل خاص على المواقع القيادية الكبرى، ويجب الا ننسى ان انتخابات الصحفيين تسبق الاقتراع على برلمان جديد في 2010.
قد يعتبر بعض الزملاء ممن كانت قلوبهم مع رشوان بالقول ان معركة الاعادة لم تكن متكافئة، لأن (الدولة) ألقت بثقلها خلف مكرم محمد احمد، وسارع الوزراء الى تقديم الوعود بمساكن ودعم مادي للصحفيين، ما قلب المعادلة رأسا على عقب، خاصة اذا علمنا ان غالبية الجماعة الصحفية تعاني كما هو المواطن المصري من مشكلات اقتصادية جد صعبة.
ربما يكون هذا الرأي له وجاهته، في ضوء ان انتخابات النقابة المصرية دائما ما يتنازعها تياران: احدهما يخوض الانتخابات مسلح بالدعوة الى ان تلعب النقابة دورا في القضايا العامة التي تواجه المجتمع المصري، والثاني يميل الى الاكتفاء بتقديم الخدمات للاعضاء على اعتبار ان العمل النقابي هو بالاساس مساعدة لابناء المهنة الواحدة على مواجهة المشكلات التي تواجههم على صعيد المهنة او في حياتهم اليومية.
وطالما تنافس التياران لكن الغلبة على موقع النقيب تحديدا تكون لصالح التيار الثاني وهذا الوضع للإنصاف لم يأت به مكرم محمد احمد، بل الامر شبه قاعدة مستقرة منذ سنوات طوال.
انفعال البعض وحتى حزن البعض من انصار ضياء رشوان،لا يجب ان يحجب حقيقة انحياز عدد كبير من الصحافيين الى الحصول على بعض المكاسب، التي قد تعتبر رشوة قلبت كفة الميزان، لكن لا احد يلوم او يزايد على انسان تطحنه الظروف الاقتصادية، عندما تتمكن نقابته بشكل واقعي ملموس من مد يد العون، وانتزاع بعض الحقوق المشروعة من الدولة في شكل دعم مادي مباشر او الحصول على مسكن بعد ان بات حلم البعض الحصول على اربعة جدران تحمي اسرته وتصون كرامته.
وبالتالي فان التيار الذي يميل الى افساح المجال امام ان تلعب النقابة دورا اوسع في الحياة العامة، عليه ان يعترف ان الخدمة المباشرة للصحفي لاتزال هي الكلمة الاكثر تأثيرا، بغض الطرف عن الاسباب ،ومن هنا على هذا التيار ان يبحث عن طرق لاكتساب بعض المهارات في الحصول على تلك الخدمات، والا يرتكن الى وعي جماعة تشكل جزءا من نخبة العقول في المجتمع المصري، لانه كما يبدو (ليس بالرأي وحده يصوت الإنسان).