أشاع انتخاب باراك أوباما للرئاسة الأميركية، أجواء من التفاؤل والارتياح على مستوى العالم، وعلق عليه الكثيرون آمالا كبيرة بالاستقرار والسلام العالمي، بعد ثماني سنوات عجاف في عهد سلفه بوش الابن. وقد فسر الكثيرون منح أوباما جائزة نوبل للسلام، وهو لم يكمل «فترته الجنينية» في الحكم، على أنه احتفاء برحيل بوش، أكثر منه مكافأة لأوباما على شيء لم يفعله، ولا يبدو أنه قادر على فعله أصلا! ويبدو أن أوباما نفسه قد صدّق هذه الآمال، وبالغ في تقدير مدى قدرته على تحقيقها.

أوباما ظلم نفسه بهذا التقدير المبالغ فيه لقدرته على تغيير العالم، أثناء حملته الانتخابية وبعد تسلمه السلطة، فطفق يطلق الدعوات ويوزع الآمال في كل اتجاه. فتارة يخاطب العالم الإسلامي، وحينا يدعو لعالم خالٍ من الأسلحة النووية، بينما جيوش أميركا وأجهزة مخابراتها تعيث قتلا وفسادا في أكثر من بلد إسلامي، والأسلحة النووية والتكنولوجيا القادرة على تصنيعها يزدادان انتشارا في العالم.

لكن الظلم الأكبر وقع على أوباما من غيره مرتين. الأولى، من أولئك الذين علقوا عليه آمالا أكبر من قدراته وإمكانياته، حتى لو كان صادقا في ما يدعيه. والثانية، من الذين يعتبرون أن الرئيس الأميركي، أي رئيس، هو صانع القرار الوحيد في السياسات الأميركية، وخاصة السياسة الخارجية التي تتحكم فيها اللوبيات وجماعات الضغط المختلفة في أميركا.

فمنذ الرئيس جون كنيدي الذي لم يكمل ولايته الأولى واغتيل عام 1963، ولم تكشف تفاصيل اغتياله حتى اليوم، لم تعرف أميركا رئيسا مستقلا في قراراته وأحكامه عن تلك اللوبيات والجماعات، وكلما حاول رئيس أن «يخرج عن النص»، وُضعت في طريقه العراقيل ووجد أمامه مصدات لا يستطيع تجاوزها.

حدث ذلك مع جيمي كارتر، الذي كان أول، وربما آخر رئيس أميركي ينجح في تحقيق صلح بين إسرائيل ودولة عربية كبرى بحجم مصر ومكانتها. كما حصل مع جورج بوش الأب، رغم التحالف الدولي غير المسبوق الذي استطاع أن يحققه، مع وزير خارجيته جيمس بيكر، إبان حرب الخليج الثانية عام 1991. والشيء ذاته حدث مع بيل كلينتون عندما داعبته آمال تحقيق إنجاز، ولو جزئي، في ميدان الصراع العربي الصهيوني.

وقبل هؤلاء جميعا، ريتشارد نيكسون الذي أنهى حرب فيتنام وأقام علاقات دبلوماسية مع الصين، في ذروة الحرب الباردة، ومع ذلك كله أرغم على الاستقالة من منصبه، في سابقة أميركية هي الأولى من نوعها! فهل سيكون باراك أوباما استثناء بين كل هؤلاء الرؤساء، وهو الآتي في الوقت الضائع من عمر الإمبراطورية الأميركية؟!

في المقابل، اعتبر كل من رونالد ريغان وبوش الابن بطلين قوميين أميركيين، وهما الآتيان من «المجهول السياسي»، فالأول ممثل فاشل سابق، والثاني لم يكن يعرف مجرد أسماء بعض أقرب حلفاء أميركا وأتباعها من رؤساء الدول الأخرى، مع أنه سكّير متهور ومتهرب من الخدمة العسكرية!

والقضية هنا ليست قضية اللوبي اليهودي وحده، المتغلغل والمؤثر فعلا في مفاصل صنع القرار الأميركي، سياسيا واقتصاديا وإعلاميا. فمنافس بوش الابن في الانتخابات الرئاسية الأولى التي فاز بها، وهو آل غور، يهودي مخلص ليهوديته، كما أن اليهودي الصهيوني المتشدد وعضو مجلس الشيوخ الأميركي عن الحزب الديمقراطي، جوزيف ليبرمان، كان منافسا محتملا لبوش في الانتخابات الرئاسية الثانية التي أعيد فيها انتخابه.

لكن الصهيونية في أميركا، وفي البلدان الغربية عموما، ليست قاصرة على اليهود، فهناك صهاينة أكثر صهيونية من بعض اليهود أنفسهم، والخشية أن يكون ذلك قد وصل إلى بعض الدول الإسلامية، وربما العربية أيضا!

أميركا ليست بلدا يحتكر فيه الرئيس صنع القرار والعمل بما يريد. وفي الجانب الإيجابي الظاهري، يبدو هذا تجسيدا للديمقراطية ودولة المؤسسات، لكنه في جوهره وحقيقته يعود إلى تلك اللوبيات التي لا تقبل الخروج، حتى للرئيس، عن إرادتها أو عكس أجنداتها ومصالحها الخاصة، وهي التي تتحكم في الرأي العام الأميركي عبر وسائل الضغط المختلفة، وعلى رأسها الإعلام، وتوجهه حيث شاءت. والانتخابات، مهما كانت نزاهة الاقتراع والفرز، ليست أكثر من تطبيق ذكي لقاعدة «شاوروهن وخالفوهن».

أما الذين ما زالوا يحلقون في الأوهام، فعليهم أن ينزلوا قليلا إلى أرض الواقع، ليدركوا أن التأثير في السياسات الأميركية، إما أن يكون عبر تلك اللوبيات، من داخلها أو بتفكيكها.. أو لا يكون.

altilimity@hotmail.com