هل انحرفت الرياضة في كثير من البلدان العربية، حتى صارت مصدر قلق للرأي العام؟ لماذا تحوّلت إلى أداة للتباعد، بدل أن تكون جسرا للتواصل يمتن اللحمة بين الشعوب، فزرعت البغضاء والأحقاد بين الإخوة الذين وحدهم التاريخ والمصير المشترك.
وصارت العلاقات أحيانا مرهونة بنتيجة مقابلة رياضية في كرة القدم؟
أنْ تسيل دماء المصريين على أرض الجزائر من أجل تحريرها من الاحتلال الفرنسي، فهذا أمر لا يدعو للدهشة والعجب، وأن يضحي الجزائري بدمائه وحياته من أجل الدفاع عن مصر وعن قضية العرب فلسطين، فهذا ليس منة منهم، وهذا الأمر هو الوضع الطبيعي بين الإخوة والأشقاء. ولكن أنْ تسيل دماء الشعبين من أجل كرة قدم فهذا غير مقبول تماماً.
الرياضة بطبيعتها تقرب بين الشعوب، وتكون سببا لتحسين ما أفسدته السياسة بين الدول، ولكن أن يحصل العكس هذا والله لهو الشيء المستغرب والمستهجن بين دولتين مثل مصر والجزائر يجمعهما التاريخ والجغرافيا والدين واللغة والمصير المشترك.
وعلينا أن ننظر ونتعلم من كرة القدم في العالم الغربي وفى أميركا اللاتينية، فما أجمل تلك الصور التي تصلنا من العالم الغربي المتحضر، في مختلف المنافسات الرياضية الشريفة، التي تظهر المتفرجين في قمة السمو المدني، يناصر كل طرف فريقه بأسلوب حضاري راق، يعبر فيه عن تقديره للفريق المنتصر ولو كان خصما لفريقه المفضل لأنهم لا يتعصبون للفريق بقدر تعصبهم وتشجيعهم للأداء.
إن التصعيد والتحميس الذي لم نر عُشره في الغيرة على حرمة الدين وحرمة الأوطان العربية التي تُنتهك كل ثانية من قبل العدو الصهيوني وأمثاله تجاه العرب ودينهم، لدليل على قلة وعي شعب البلدين.
إنَّها لعبة كرة قدم «، لا فلسطين ولا العراق هي السيف الذي في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعب؛ ولكن، هل للمهزومين في كل قضية ينبغي لهم أن ينتصروا لها، وفيها، من نصرٍ يسعون إليه غير هذا الذي يمكن أن يجيئهم من صراع «القدم والكرة».
هل كان الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ورفاقه في منتصف القرن الماضي بنصرتهم لإخوتهم في الجزائر تدفعهم حسابات الربح والخسارة، أم هبوا من أجل نصرة الجزائر لأنهم يعتبرون- من جهة- أن استقلال مصر، سيظل منقوصا والجزائر تحت الاحتلال؟
لم نكن نتخيل على الإطلاق أن تتحول مباراة كرة قدم بين فريقين شقيقين إلى مهاترات يندى لها الجبين وتعتصر لها القلوب أسى وألما وحزنا. لا نصدق أبدا أن ما حدث هو بين مصر والجزائر... فالبلدان شقيقان بينهما من علاقات الود ما لم يتوافر لأي قطرين عربيين.. بين الشعبين بل الشعب الواحد علاقات مصاهرة وقرابة وروابط دم لا يمكن أن تؤثر فيها هذه الحوادث العابرة.
كانت مصر السند الأول والأقوى الذي دعم الثورة واحتضن الثوار حتى انتصرت الجزائر وتخلصت من الاستعمار الفرنسي.. ولا يمكن لأي جزائري أن ينكر هذا الفضل الذي تعتبره مصر واجبا مقدسا تفرضه الأخوة العربية والإسلامية..
كما لا يمكن في المقابل إن تنكر مصر دور الجزائر في الحروب التي خاضتها ضد إسرائيل، إذ خضبت دماء الجزائريين أرض سيناء وشواطئ القناة.. واختلطت دماء الشهداء من الجانبين.. وهذه وحدة الدم لا يمكن أن تؤثر سلبا على علاقة الشعب العربي الواحد في مصر والجزائر.
نحن نثق أن في البلدين رجالا حكماء، يغلّبون العقل على العاطفة، ويترفّعون عن الصغائر، ويبذلون كل جهد ممكن للحيلولة دون تدهور العلاقات إلى الحد الذي لا تحمد عقباه.. ينبغي عدم إعطاء الفرصة لمن يصطادون في الماء العكر، وإذكاء نار الفتنة، أتمنى أن تلتقي هذه العقول والقلوب المخلصة في البلدين على عمل مشترك يهدف إلى تخفيف حدة التوتر الجماهيري وإعادة الود إلى مساره بين الطرفين، وألا نظل تلك الأحداث المؤسفة مسرحية هزلية يشاهدها العالم ويضحك علينا كما هو الآن.
هذه الأحداث ساهم في تأجيجها وسائل الإعلام في البلدين، فاستغلوا عواطف الشباب الملتهبة، ودسوا السم في العسل. وكان لهم ما أرادوا، فانجرف الشباب المتحمس ووقعوا في هاوية الفتنة دون أن يحسبوا حسابا لنتائجها..همهم أن يرفعوا أصواتهم بهتافات تنضح كراهية وتؤجج الأحقاد في النفوس.. أمر مؤسف حقا، ومخجل حقا، لأننا مهما اختلفنا فنحن إخوة بيننا من أواصر الود ما يمكننا من تجاوز كل الخلافات مهما كانت.