قبل الغزو الأميركي للعراق، واثناءه وبعد اكتمال احتلال ارض الرافدين في ربيع 2003، بدا رئيس الوزراء البريطاني وقتها توني بلير، كالتابع المطيع لسيد البيت الأبيض آنذاك جورج بوش، الذي اعتبر أن الحرب تحتم رفع شعار من ليس معي فهو ضدي، لكن بلير لم يكتف بأن يكون مع بوش، بل ذهب بعيداً في انحيازه، لدرجة تجاهل نصيحة المدعي العام البريطاني السابق بيتر غولدسميث الذي ابلغه بعدم شرعية الحرب، فما كان من بلير الذي كان متحمساً للعبة راعي البقر الأميركي إلا تجاهل هذه النصيحة، والمضي قدما في التخطيط للغزو قبل ثمانية اشهر من تنفيذه.
بلير الذي تهكمت عليه الصحافة البريطانية إبان الحرب، وجعلته في رسومها الكاريكاتورية كالكلب التابع لصاحبه بوش، بات الآن في وضع لا يحسد عليه، رغم مغادرته 10 دوننغ ستريت مقر رئاسة الوزراء البريطانية، بعد أن باتت قصة الحرب.
وما جرى قبلها وبعدها، في يد لجنة تحقيق مستقلة يرأسها جون شيلكوت، والتي بدأت سماع شهادات لمسؤولين بريطانيين سابقين توثق لمدى تبعية بلير لبوش، فالأمر كان حقيقة، وليس مجرد تهكم أطلقته الصحافة تعليقا على التطابق غير المسبوق بين لندن وواشنطن بشأن الإطاحة بصدام حسين، وقيام بلير بترديد المبررات الاميركية للغزو، كالببغاء الذي قال عنه شاعرنا الكبير احمد شوقي (عقله في أذنيه).
شهادات المسؤولين البريطانيين السابقين أمام لجنة شيلكوت، كشفت إلى أي مدى ضلل بلير الشعب البريطاني بشأن الحرب لدرجة انه اخفي رسالة سرية من المدعي العام السابق عن وزراء في حكومته حتى لا يواجه بتمردهم، ولم يطلع سوى حفنه ضئيلة من أنصاره عليها، بعد أن اقسموا أن يحافظوا على سريتها ، خشية الرأي العام الذي أبدى رفضه للحرب، وخرج إلى الشوارع بكثافة للتعبير عن هذا الموقف.
أخطاء الحكام مهما حاولوا التستر عليها، لابد أن يأتي يوم كشفها، وقد جاء هذا اليوم بأسرع مما اعتقد بلير الذي بات في مصيدة شيلكوت الذي ينتظر أن يستدعيه أمام لجنته لسماع ملابسات كل ما دار خلف الكواليس التي كانت سببا في غزو بلد بلا أية شرعية، والتسبب في مقتل عشرات الألوف من الأبرياء وتشريد ملايين العراقيين عبر العالم.