كان المشهد العربي خلال الأيام الماضية بائساً بحق، فالأجواء كانت فعلا أجواء فتنة.. والسبب كرة القدم.
العلة قديمة، والأعراض تم رصدها منذ سنوات، ولكن للأسف لم تتحرك السلطات في البلدان العربية لتدارك هذا الوضع واحتوائه، بل ربما عزفت على الوتر النشاز للهروب من استحقاقات داخلية.. وربما لإلهاء الشعوب عن المطالبة بحقوق ضائعة.
في العديد من بقاع العالم كانت الرياضة، وبينها كرة القدم، وسيلة للتقارب السياسي.. فمن مباراة كرة القدم بين تركيا وأرمينيا قبل أسابيع قليلة، إلى ما عرف بدبلوماسية البينغ بونغ بين الولايات المتحدة والصين مطلع السبعينات من القرن الماضي. وهناك أيضاً ما أطلق عليه دبلوماسية المصارعة بين الولايات المتحدة وعدوتها إيران.
ولكن، على خلاف ذلك فالأوضاع داخل «الأمة» العربية تسير على عكس التيار فالفرقة تتلون بألوان فانيلات الفرق الرياضية، حتى داخل الوطن الواحد لا بين فريقين من بلدين كما كان عليه الحال في الأيام الماضية بين الجزائر ومصر.
يفسر البعض الاحتقان الذي طغى على أجواء تلك المباراة بأنه تعصب رياضي وقتي، آني.. ولكنه للأسف تحول إلى عصبية جاهلية زرعت أحقادا بين شعوب يفترض أنها ذات تاريخ مشترك. ويرى البعض ما جرى في الشارع انعكاساً لأزمة متوترة بين حكومتي البلدين.. ولا يستبعد البعض نظرية المؤامرة!
وللأسف، كنا نتمنى رؤية مثل هذه المشاعر الغاضبة عندما أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية على أبرياء غزة قبل نحو 11 شهراً.
وهكذا، تبرز من خضم غبار المعركة الإعلامية التي رافقت مباراة التأهل لكأس العالم 2010 بين مصر والجزائر خيوط مخطط رهيب يتمحور على تشويه كل معان جميلة، فالفوز في تصفيات، أو حتى مباراة، بات هو البطولة.. ولا عزاء لكل أبطال الثورات المصرية والجزائرية.
والتأهل إلى كأس العالم بات هو المعركة.. ولا صوت يجب أن يعلو فوقه.. فلنترحم على كل معركة رفعت شعارات غير شعار: إلى كيب تاون 2010.
والخطط السرية باتت موكلة إلى المدربين، لا إلى أركان الحرب، ولا حتى الخبراء الاقتصاديين الذين يفترض بهم أن يجدوا حلولا لما تعانيه الشعوب العربية، وبخاصة شعبي مصر والجزائر اللذين يعانيان من أوضاع اقتصادية صعبة، أدت من ضمن ما أدت من أزمات وتوترات إلى فقدان الأعصاب.
والأخطر أن المعارك العربية بات نطاقها لا يزيد على مليون متر مربع (100 هكتار) هو حجم أكبر ملعب كرة قدم عربي. وعليه لا مانع ـ وفق ذلك ـ من استضافة المنتخب الإسرائيلي حتى نهزمه شر هزيمة في ملاعبنا... الخلاصة المرة، أن الرياضة العربية سقطت كما سقط كل شيء.
وما يجري في الملاعب العربية من المحيط إلى المحيط يؤكد أن القطاع الرياضي بات مسموماً، لأنه بات أداة في يد السلطة.
وإذا كان لنا أن نعلق على ربط السياسة والرياضة، فلا بد من الاستشهاد (المقصود الاقتباس، لا الاستشهاد في ساحات الملاعب) بجملة لرئيس اللجنة الأولمبية الدولية السابق خوان سامارانش الذي قال في إحدى المناسبات إن «المسابقات الرياضية.. تعكس حقيقة العالم، والعلاقات الدولية»، وعليه فالكرة باتت أمام مصر والجزائر للتحرك لعلاج ما بينهما، فلا يمكن لعاقل، ولا حتى مجنون، أن يقنع أن ما جرى مجرد مباراة.