سواء تشبث الرئيس الفلسطيني محمود عباس بموقفه من عدم الترشح ثانية للرئاسة أو تراجع عنه، فإن ما جرى كان في مجمله مستغربا على مستويين:
الأول: يتعلق بالرئيس نفسه.. والثاني: بردود الفعل الأميركية والإسرائيلية.
في المستوى الأول. كان الرئيس هو من صمم - قبل أيام - على إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية، متسلحا بمساندة عربية، لأنه رأى في الانتخابات عقابا لحركة حماس على رفضها المصالحة، فقد كانت تتضمن نصا يحل المعضلة الانتخابية بشقيها.
وكان إصراره نابعاً ـ وفق رؤيته ـ من المصلحتين الوطنية والذاتية، فوطنيا ستحل الانتخابات أزمة شرعية الرئاسة، والتي انتهت في يناير 2009، وذاتيا لأنه من يشغل المنصب. وبذات القدر فإن الانتخابات تمنح الشرعية لاستمرارية نهج السلام مع إسرائيل. وهو النهج الذي اختطه الرئيس عباس والتزم به.
أما على المستوى الثاني، فقد جاءت ردود الفعل من واشنطن وتل أبيب غير منزعجة مما جرى، وكانت في جوهرها دعوة للرئيس عباس كي يمضي قدما فيما قرره، وتعني ضمنا التضحية به كشريك موثوق في عملية السلام.
على الرغم مما عرف عنه من ميل إلى المفاوضات العارية، وعداؤه المعلن للمقاومة المسلحة.
وتاريخيا كان الرجل يحظى دوما بالمساندة من أجل هذا النهج، فواشنطن وتل أبيب هما من فرضه، بمساندة عربية، رئيسا للوزراء على الراحل ياسر عرفات، عندما انسدت عملية السلام مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون.
وهما أيضا من أيد توسيع صلاحياته الأمنية والسياسية على حساب عرفات، وهما أيضا من سانده ضد حركة حماس، منذ فوزها في الانتخابات التشريعية.
وهكذا فان سيرة الرجل وتاريخه يبرآنه من أية شبهة اعتادت واشنطن وتل أبيب أن ترميا بها أطرافاً فلسطينية وعربية تتخذ المقاومة طريقا لتحرير الأرض.. ولهذا يمكن قراءة ما جرى في عدة سياقات:
الأول: أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تريدان سلطة وطنية حقيقة تعبر عن طموحات الشعب الفلسطيني، فهما على استعداد للتخلص من أي قيادة لا تسير معهما في مخططات تصفية القضية.
وها هو عباس يتم التخلص منه عبر إقصاء الذات، بعدما تم التخلص من الرئيس عرفات عن طريق القتل بالسم.
ثانياً: ما يحدث يكشف أن أزمات الساحة الفلسطينية بقدر ما تعزى لأسباب داخلية، فإن العامل الخارجي، وخاصة الأميركي الإسرائيلي المسنود عربيا، سبب مباشر في هذه الأزمات، سواء على صعيد تعطيل المصالحة أو إضعاف السلطة، في إطار إفراغ عملية السلام من المطالب الفلسطينية العادلة.
وتتماثل في ذلك مواقف الرئيس بارك أوباما مع سلفه الرئيس جورج بوش، بل إن ما يحدث مع الرئيس عباس يكذب امكانية اتباع أوباما لأي سياسة جديدة حيال القضية الفلسطينية.
ثالثاً: ما يجري مع الرئيس محمود عباس قابل للتكرار مع أي قيادة فلسطينية أو عربية تحاول التحرك الجاد لتحقيق الأماني الفلسطينية والعربية، لأن أميركا وإسرائيل لا تريدان السلام العادل بقدر ما تريدانه سلاماً إسرائيلياً.
رابعاً: قرار الرئيس عباس يمثل اعترافاً بفشل نهج السلام مع إسرائيل. وهذا يوجب على الفصائل الفلسطينية التوجه إلى النهج الآخر المتمثل في المقاومة المسلحة، أو على الأقل الجمع مرحليا بين النهجين معاً في برنامج وطني، يكف يد الأجهزة الأمنية عن المقاومين.
فهذا التوجه كفيل بإعادة توحيد الساحة الفلسطينية، وقادر أيضاً ـ إذا ما حظي بتوافق عربي ـ على إنهاء حالة الحرب الأهلية القائمة بين من يسمون (عرب الممانعة) و(عرب الاعتدال)، لأن كلا منهما يحاول تجيير الملف الفلسطيني كقيمة مضافة في علاقاته الدولية والإقليمية.
خامساً: يمثل درس الرئيس محمود عباس عبرة لكل المتطلعين إلى إرضاء السياستين الأميركية والإسرائيلية على حساب المصالح الوطنية والثوابت التاريخية، لأن أجندتهما الاستعمارية الاستيطانية تعلو على الأشخاص. وما حدث للرئيس محمود عباس حدث لآخرين قبله بالإطاحة أو الاغتيال، فالرقص مع الذئاب ينتهي دوماً إلى نهش الأوطان.