احتفل الألمان الاثنين الماضي (9 نوفمبر) بالذكرى العشرين لسقوط جدار برلين، الذي ظل قرابة ثلاثة عقود (1961-1989) يفصل بين شطري العاصمة الألمانية، الحالية والتاريخية. وشارك في هذه الاحتفالات حشد من قادة العالم الحاليين والسابقين، بمن فيهم ميخائيل غورباتشوف، آخر رئيس للاتحاد السوفييتي الذي بُني الجدار واستمر في ظله وتحت حمايته.
وحُق للألمان أن يحتفلوا بهذه المناسبة، التي تعني النهاية الفعلية لاحتلال بلدهم ثم تقسيمه بعد الحرب العالمية الثانية، وعودة ألمانيا الموحدة إلى مسرح السياسة الدولية، بقوة جديدة وإمكانيات أكبر، جعلت منها لاعباً أساسياً على المستويين الأوروبي والأطلسي وبين القوى العالمية الكبرى.
بالطبع لم تكن تجربة الاحتلال والتقسيم سهلة، وبالتأكيد كانت لها آثارها وانعكاساتها السلبية على النسيج الاجتماعي الألماني، وعلى الأوضاع العامة لألمانيا، سياسياً واقتصادياً، حتى بعد انهيار الجدار وإعادة الوحدة. ولكن الشعب الألماني بشطريه، وخاصة الغربي الذي اضطر لتحمل أعباء اقتصادية أكبر بعد الوحدة، كان مستعداً لدفع ثمن وحدته واستعادة قوته ومكانته بين الأمم.
وكان الإجماع كاملاً بين الألمان، ليس على المستوى الشعبي فحسب، وإنما على مستوى القيادات ومختلف الأحزاب السياسية، رغم تباين رؤاها واختلاف مواقفها حول كثير من القضايا الداخلية والخارجية.
كان الألمان، شعبياً ونُخبوياً، ينظرون إلى الوحدة نظرة مستقبلية، باعتبارها مصدر قوة لتعزيز مكانتهم القارية والدولية، وضماناً لحماية مصالحهم ومواجهة أية تحديات أو مخاطر تهددهم. ولم يكن ذلك فقط من باب العواطف الأخوية أو النزعة القومية، وإنما كان في الأساس من منظور استثماري حقيقي، لا على المدى البعيد فحسب، بل على المدى المتوسط وحتى القصير، كما ظهر فعلاً خلال العقدين الماضيين.
شعوب عديدة أخرى، استفادت من التجربة الألمانية، أو حاولت، فبدأت تستعيد هويتها أو تبحث لها عن هوية جديدة وكينونة خاصة بها، ولو نبشاً في أساطير الماضي وبين مكبات التاريخ.
وحدهم العرب ما زالوا في مدار كوني مختلف، في مرحلة انعدام الوزن أو القدرة على التوازن، رغم توفر الإمكانيات والظروف الدافعة لتغيير هذا الواقع، وأولها الحاجة الماسة والضرورة القصوى، وليس العواطف والتمنيات، لإيجاد موقع على الأرض، يستعيدون فيه توازنهم ويكتسبون وزناً يخولهم العيش على هذا الكوكب، كغيرهم من الشعوب والأمم الأخرى.
وليست المسألة في حاجة إلى «شروط مسبقة» كتلك التي يضعها بعض النخبويين، مثل الديمقراطية والحرية السياسية والاجتماعية، لكي يصل العرب إلى حد أدنى من التكامل، أو مجرد التقارب، في البرامج والسياسات التنموية والعلاقة مع العالم الخارجي.
كما أن العرب ليسوا مجبرين بطبيعة تكوينهم وخصائصهم الجينية، على البقاء في هذا الوضع المتخلف والمختلف عن بقية شعوب العالم، وتجارب الماضي البعيد والقريب دلائل دامغة على ذلك.
فنحن ما زلنا نعيش حتى اللحظة تجارب وحدوية عربية، منها اثنتان، على الأقل، أثبتتا نجاحهما ونضجهما عبر السنين، هما التجربة السعودية والتجربة الإماراتية. فقد استطاع الملك الراحل عبدالعزيز آل سعود أن يوحد معظم أجزاء الجزيرة العربية منذ نحو قرن من الزمان، رغم اتساع المساحة وشح الموارد وقسوة الظروف الاقتصادية والاجتماعية في بدايات القرن العشرين.
أما بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فقد استطاع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وإخوانه الحكام أن يجعلوا من الإمارات السبع المتناثرة، دولة موحدة ونموذجاً وحدوياً يحتذى، ليس على المستوى العربي فحسب، وإنما على مستوى كثير من الدول والشعوب الأخرى. وحين قامت الدولة الاتحادية، لم تكن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أحسن مما كانت عليه في السعودية إبان توحيد المملكة، فلم تكن عوائد النفط موجودة، ولا الموارد الأخرى كافية.
ما كان متوفراً حينها في الحالتين، الإماراتية والسعودية، هو الإرادة الصادقة والعزيمة القوية لإقامة الوحدة وتجميع الجهد، وتحمل المسؤوليات والتبعات المترتبة على ذلك.
ولا أحد يستطيع اليوم أن ينكر ما حققته هاتان التجربتان الوحدويتان، ليس للشعبين السعودي والإماراتي فحسب، وإنما للشعوب العربية كافة.
فمتى يستفيد العرب من التجربة الألمانية، ومن تجاربهم الذاتية الحية والناجحة؟ ومتى يسقطون الجدران المفتعلة، المنظورة وغير المنظورة، التي تفرقهم وتفصل بينهم؟