الفقر موضوع غير مستحب، أيا كانت الزاوية التي تنظر إليه منها، لكنه يفرض نفسه بقوة اليوم على عالمنا العربي، لأن معادلاته الشائكة غدت أكثر خطورة مما كنا نتصور، وأشد استعصاء على الحل، وتنذر بعواقب وخيمة بكل المعايير.
ست ملاحظات تقفز إلى الذهن فورا، لدى تأمل العواقب المتفجرة لهذه الظاهرة: أولا ـ الفقر في عالمنا العربي ظاهرة تكاد تكون كلية الحضور، ففي التسعينات من القرن الماضي كانت نسبة العرب الذين يعيشون تحت خط الفقر 9 .17 % من مجموع السكان، وفي عام 2005 وصلت هذه النسبة إلى 4 .18%، مع مؤشرات مؤكدة إلى سوء توزيع الموارد، فهناك فقير من بين كل 4 من سكان الريف في مصر والمغرب، مقابل فقير لكل 10 من سكان الحضر في البلدين. ثانيا ـ الفقر في العالم العربي ظاهرة دائرية، بمعنى أنها تشبه حلقة جهنمية لا سبيل إلى الفكاك منها، وتشير الاحصاءات إلى أن معظم الدول العربية لن تحقق أهدافها التنموية للألفية، وبخاصة في ميداني الصحة والتعليم، في الموعد المحدد عالميا لبلوغ هذه الأهداف، وهو عام 2015، والاستثناء من ذلك هو دول الخليج العربية.
ثالثا ـ الفقر العربي ظاهرة محبطة حتى في حالات النجاح النسبي في التصدي له، فهناك دول عربية، مثل قطر وسلطنة عمان ومصر وتونس والأردن، حققت انخفاضات في معدلات الفقر البشري خلال العقد الأول من الألفية الثالثة بنسبة فاقت 25%، ولكن عند مقارنة أداء هذه الدول بنظيرتها من العالم التي لها الترتيب نفسه في دليل التنمية البشرية، نجد أن أداء الدول العربية كان يمكن أن يكون أفضل مما تحقق.
رابعا ـ الفقر العربي متعلق مباشرة بالضرورات الحياتية، وعلى نحو سلبي مجددا، فواردات الطعام شكلت في عام 2006 أكثر من 16% من إجمالي واردات المنطقة، والدول العربية أكثر استقلالية في إنتاج الأطعمة الخاصة بالأغنياء، كاللحوم والأسماك و الخضار، مقارنة بأغذية الفقراء كالحبوب والدهون والسكر، التي يتم استيراد معظمها، وبالتالي يتأثر الفقراء العرب أكثر من غيرهم بأي تغيرات في الأسعار العالمية للطعام.
خامسا ـ الفقر العربي هو الجزء الطافي من جبل جليد ظواهر مصاحبة، وعلى سبيل المثال يشهد العالم العربي تصاعدا مستمرا في نسب البطالة، ففي الثمانينات كان متوسط نسبة البطالة في الجزائر ومصر والأردن والمغرب وتونس و سوريا 6 .10%وما لبث أن ارتفع في التسعينات إلى 5 .14%.
سادسا ـ الفقر العربي ظاهرة يكتنفها اليأس، ومن ثم نراها تستدعي حلولا يائسة، هكذا لم تتردد أعداد كبيرة من الشباب العربي في ركوب السفن للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا تحت طائلة الغرق أو الانتهاء إلى ظلمة السجون ومعسكرات التجميع الأوروبية تمهيدا للترحيل.
هذه الملاحظات تفتح المجال لتلمس ملمحين من أكثر قسمات الفقر العربي خطورة وضراوة:
لقد تحول الفقر في بعض الدول العربية إلى أداة للتلاعب الاجتماعي، هكذا يمكنك أن ترصد بصمات وتطبيقات مباشرة لمعطيات المدرسة السلوكية الأميركية في التلاعب ليس بسلم القيم في المجتمع العربي فحسب، وإنما بمكوناته وآليات حراكه أيضا.
بالتوازي مع ما سبق تحول الإفقار في بعض المجتمعات العربية إلى مزيج مروع من آليات التربح وأدوات الحركة السياسية، هكذا أصبح التلاعب بمصائر أعداد كبيرة من البشر منجما للمغانم وأداة لتحقيق أهداف بعينها على أرضية الصراع السياسي الداخلي.
العين التي ترصد هذين الملمحين من ملامح الفقر العربي لن يغيب عنها أن تدرك أن ذلك يجري في عدد من المجتمعات العربية، فيما يتم حجب تأثير آليات الضبط الاجتماعي عن غابة تداعيات الفقر تلك، ومن هنا بالضبط يغدو التردي الأمني سمة سائدة في الشارع في بعض الدول العربية، ولا يتم التصدي له إلا عندما تلوح بوادر الخطر على الأنظمة في تلك الدول.
هنا، على وجه الدقة، تعود إلى الذاكرة ملامح من فكر المناضل المارتنيكي فرانز فانون، الذي ارتبط اسمه بحركة التحرير الوطني الجزائري، لكن العالم يعود إلى الاهتمام به ليس من جانب تأصيله لنظرية العنف السياسي، في غمار الصراع بين الاستعمار وقوى التحرر، وإنما من زاوية ملاحظاته الملهمة حول التنمية والتطور في العالم الثالث.
قبل عقود مضت، حذرنا فانون من العواقب الخطيرة لأحزمة الفقر المتضخمة حول المدن، والناجمة عن ظاهرة طرد ملايين المعدمين من الريف، وهو واقع يصل اليوم إلى حد أصبحت معه هذه الأحزمة مندرجة في صميم المدن العربية.
وتتداعى إلى الذهن أيضا تحذيرات فانون من أن الشرائح الأقل وعيا وتنظيما من هذه الملايين يمكن أن تتحول إلى كتلة رجراجة، كالمدفع الذي يمكن أن يقصف في كل الاتجاهات، وقد رأينا التوظيف المروع لجانب من هذه الشرائح في التلاعب بالشارع السياسي في بعض العواصم العربية، أمام كاميرات الفضائيات العالمية والإقليمية.
غير أن التحذير الذي ينبغي أن يرتفع عاليا اليوم هو أن برامج التنمية الحقيقية وخططها، وليس التلاعب، هي التي ينبغي أن تكون أداة التعامل مع مشكلة الفقر في عالمنا العربي.
إن أولئك الذين يرون أن من المقبول استمرار فرض الفقر على الملايين العربية، وأنه من البراعة توظيف الإفقار سياسيا واجتماعيا، عليهم أن يدركوا أنه لابد من علاجات هيكلية للفقر وتبعاته، في صميم خطط التنمية، وأن يعرفوا أن من يزرع الريح لا يحصد إلا العاصفة، ومن يغرس الشرر لا يجني إلا الحريق.