الصورة العربية لمجتمع ما هي، في ابسط مفاهيمها وأكثرها وضوحا، كيفية تصور مجتمع لمجتمع آخر، سواء أكان هذا التصور يعبر عن الحقيقة، ويعكس الصفات الواقعية للانتماء إلى ذلك المجتمع الآخر، أم كان هذا التصور يخضع لعملية تشويه مقصودة أو غير مقصودة.

ولا يختلف اثنان في عالمنا العربي اليوم على أن الصورة القومية العربية لدى العديد من شعوب العالم لا تمر بأحسن أحوالها ولا بأكثر حالاتها ازدهارا، وانها أبعد ما تكون عن التألق والقدرة على مخاطبة الآخرين واستقطابهم . إن أي معلق أو مؤلف في الغرب بعامة يبدأ عرضه لأي قضية تتعلق بنا بطرح مجموعة من التساؤلات: من هم العرب؟ مالذي تمثله الأمة العربية التي تتحدث باسمها القومية العربية ؟ ماهي خصائص الشخص الذي يعلن انتماءه إلى المجتمع العربي؟ ما هي مقومات الطابع القومي الذي يستتر خلف هذا المفهوم؟ ماهي علاقة ذلك الطابع القومي بالقوميات المحلية التي تندرج تحت كليات الأمة العربية؟ من المؤكد أن علامات الاستفهام هذه التي يكتنف معظمها قدر غير قليل من الشك وكثير من التوجس تعكس تيارات استمرت على امتداد عقود طويلة لتشويه كل ما هو عربي، سواء بفعل تجمعات فكرية أو دول أو منظمات، انعكست بصمته أوضح ما تكون في الصورة التي تقدمها هوليوود للعالم عن العربي على سبيل المثال.

دعنا نبادر إلى إلقاء نظرة على أحدث كتاب صدر عن العرب، والذي أطل قبل أيام قلائل من كتابة هذه السطور، وهو كتاب» العرب ـ تاريخ « للبروفسور يوجين روجان .

لسوف نلاحظ أن لوجان يكرر على امتداد الكتاب عبارة يشدد عليها في مقاطعه الختامية، حيث يقول:» الحقيقة غير المواتية فيما يتعلق بالعالم العربي اليوم هي أنه في أي انتخابات حرة ونزيهة فإن الأحزاب الأكثر عداء للولايات المتحدة هي الأكثر احتمالا أن تفوز» وعلى الرغم من أن بروفسور لوجان درس تاريخ العرب على يد البير حوراني ،إلا أنه يرسم صورة بالغة القتامة للعرب، ولا يتصور علاقتهم بالغرب إلا في إطار صدامي، يصعب التحرر منه على الطرفين كليهما .

وقبل أن نقفز إلى مادرج عليه الكثيرون من تفسير الوضعية الراهنة للصورة القومية العربية في ضوء معطيات نظرية المؤامرة لابد من تأكيد أن هذه الصورة هي في واقع الأمر أقرب إلى نسيج حي ينتظر من العرب الاشتغال بديناميكية ودأب عليه ليتحول إلى كيان منطلق تدب فيه الحياة والحيوية، أو على النقيض يتعرض للإهمال فيذوي وتتسرب منه الحياة. ويلفت نظرنا في هذا الصدد نموذجان محددان:

النموذج الأول قدمته دبلوماسية الإمارات، في غمار سعيها لجعل أبو ظبي مقرا للمنظمة الدولية للطاقة المتجددة، التي تأسست في 26 يناير الماضي بحضور 75 دولة وما لبث العدد أن ارتفع في انعكاس مباشر لزيادة اهتمام العالمي بالطاقة المتجددة كبديل للطاقة الأحفورية الضارة بالبيئة والمقترنة بالعديد من الأزمات.

ويلفت نظرنا النهج العلمي والعملي الذي اتبعته دبلوماسية الإمارات لتحقيق هذا الانتصار الكبير، ابتداء من البداية البديهية لتجهيز ملف التحرك، فمن غرفة عمليات دائبة اليقظة إلى تشكيل وفود جابت أرجاء 90 دولة منذ بداية عام 2009 إلى لقاءات لا حصر لها مع قادة ومسؤولي معظم دول العالم، ثم خاضت الإمارات أخيرا غمار المنافسة مع دول عريقة في مقدمتها ألمانيا وفرنسا والنمسا، وهي المنافسة التي وصفت عن جدارة بأنها معركة خاضتها الدبلوماسية الإماراتية الفتية نيابة عن 22 دولة عربية و54 دولة إسلامية وأكثر من 140 دولة نامية تنتمي إلى جنوب الكرة الأرضية، ليتوج هذا كله بأن أصبحت أبو ظبي مقرا لـ «ايرينا».

النموذج الثاني للحركة الدبلوماسية، التي تعكس في جوهرها اشتغالا مكثفا على الصورة القومية العربية، يستحق التوقف عنده طويلا، ولكن هذه المرة لمراجعة الدروس المستفادة ولمراكمة الخبرات، التي يمكن أن تكون مفيدة في مواجهات آتية لا محالة.

لقد بادرت الدبلوماسية المصرية بإعداد ملف ترشيح فاروق حسني، وزير الثقافة المصري، لشغل منصب الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة المعروفة اختصارا باسم اليونسكو. ومن المحقق أن جهدا كبيرا قد بذل، وأن جولات مكثفة قد تم القيام بها، لكن حسابات الحقل اختلفت عن حسابات البيدر، فتوجت بالمنصب وزيرة الشؤون الخارجية البلغارية ايرينا بوكوفا.

ما الذي جرى بالضبط؟ لقد قيل الكثير في هذا الصدد، فالوزير المصري تحدث عن « مؤامرات» أميركية- إسرائيلية، وتحدث دبلوماسيون مصريون عن آليات الحركة من جانب الاتحاد الأوروبي، ومعارضون مصريون ذهبوا إلى انه لم يكن ممكنا ان يفوز وزير اقترن اسمه بتمزيق مروع لصميم نسيج الحياة الثقافية المصرية.

أيا كان الأمر، فإن الرسالة تظل واضحة. إن الصورة القومية العربية نسيج ينتظر الاشتغال عليه لإحيائه والتحليق به عاليا. ترى هل يمكن أن تكون هذه هي المهمة التي يمكن أن تبرهن الجامعة العربية على نجاحها فيها حيث أخفقت في مجالات عديدة أخرى ؟ ترى هل يمكن لأمينها العام عمرو موسى أن يتوج حياته المهنية بتنفيذ برنامج العمل الغائب، حتى الآن، لتحقيق تألق الصورة القومية العربية بعد أن كساها صدأ الأيام طويلا؟

من يدري؟ ربما

kamel@albayan.ae