عقد السبعينات كان ذروة عهد ما أصبح يصفه المختصون بأنه عقد «الانفلات الاقتصادي».. وجاء هذا الانفلات في ظل شعارات كانت براقة.. وشديدة الجاذبية في تلك الأيام.. وكان سيد هذه الشعارات هو: التحرير الاقتصادي.
ولم يكن هنا من يعارض، أو يجرؤ على أن يعارض، أي مقولة تتكلم عن التحرر أو الانعتاق، بمعنى التخلص من العقبات أو العراقيل التي تعوق مسيرة الاقتصاد أو تقف بطريق حرية الحركة ومن ثم حرية الابتكار أو الإبداع. هذه المقولات بلغت أقصى ذروة لها في أهم بلدين يطبقان في الغرب شعارات ومخططات النظام الرأسمالي وهما: انجلترا والولايات المتحدة.. وتم ذلك في عهد مارجريت تاتشر ورونالد ريجان على وجه الخصوص. وفيما جاءت بعد حكم المحافظين في انجلترا مرحلة حزب العمّال بقيادة توني بلير، فقد جاء بعد حقبة ريجان مرحلة بوش الأب ثم حقبة كلينتون التي حاولت أن تنهج سبيلا وسطا بين الانفلات والانضباط إلى أن هيمن المحافظون الجدد على مقاليد الأمور في أميركا خلال السنوات الثماني الأولى من الألفية الثالثة.
ومن ثم راجت حكاية التحرر الاقتصادي، بمعنى إلغاء القيود واللوائح وهي في جوهرها الضوابط وأحيانا الكوابح القانونية والتنظيمية التي تعمل مع ترشيد حركة تطور الاقتصاد القومي.. لدرجة أن رفع أهل هذه الحقبة شعارا يقول:
- نحن نطبق الاقتصاديات الريجانية (نسبة بالطبع إلى رئاسة رمز المحافظين رونالد ريجان).
نادي الأغنياء العالمي
في هذا الإطار من انفلات حركة الاقتصاد وخاصة في مضمار أنشطة الإقراض والتمويل ـ ميدان «الصناعة» البنكية أو المالية كما يعرفها الاختصاصيون ـ جاءت ترجمة هذه الحالة بكل ما انطوت عليه خلال السنوات القليلة الماضية من مغريات الربح السريع والكسب السهل الميسور وتراكم الثروات إلى حد الاستقطاب في أيدي فئات بعينها من المحظوظين أحيانا أو المهرة.. الشّطار في أحيان أخرى..
وربما عمد القوم إلى ترجمة هذا الاستقطاب في صياغة شهدها تنظيمية المسرح الاقتصادي الدولي على شكل قيام ما أصبح يسمى باسم «مجموعة الثماني»..
والمعنى أنه بقدر ما تحولت مقاليد الاقتصادات الوطنية في أكثر من بلد بالعالم لتوضع في أيدي فئات أو طبقات بعينها تنعم بنوع من احتكار الثروة ومن ثم احتكار النفوذ والتأثير.. فقد ترجمت هذه الظاهرة نفسها على شكل احتكار النفوذ والتأثير إلى حد الهيلمان على الصعيد الدولي في يد أعضاء «مجموعة الثماني» المذكورة أعلاه التي شكلت ما يمكن أن نطلق عليه الوصف التالي:
وكان لابد وأن تقتصر عضوية هذا النادي على أكبر سبعة اقتصادات تناهت إلى عالمنا مع مطالع القرن الحادي والعشرين، وقوامها ـ كما أصبح معروفا ـ اقتصادات كل من انجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وكندا واليابان والولايات المتحدة مضافا إليها بالطبع الاتحاد الأوروبي وهو الكيان الذي أضافه عقد التسعينات إلى مواقع التأثير العالمي في مجالي السياسة والاقتصاد على السواء.
وفيما كانت الدول السبع المذكورة أعلاه يمثلها وزراؤها المسؤولون عن أمور المال أو الاقتصاد، كان الاتحاد الأوروبي يتم تمثيله بواسطة رئاسته التي يتم تناوبها بين دوله العديدة إضافة إلى رئاسة البنك المركزي الأوروبي.
في انتظار اللاعبين الجدد
مع هذا كله.. وربما لأن القوم في الغرب بالذات، أو في الجزء المتقدم من عالمنا على وجه العموم.. لا يكتفون بالنظر فقط عند مواقع أقدامهم، وإنما يعمدون إلى استشراف تطورات المستقبل.. فقد أدركوا، وبحق، أن هذا الاحتكار.. الثُماني كما قد نسميه ـ لمقاليد الاقتصاد العالمي، أمر لن يكتب له الاستمرار.
خاصة وأن هناك لاعبين جددا.. أثبتت التطورات المحدثة أن من حقهم الانضمام إلى حلبة الاقتصاد الكوكبي، سواء بحكم الدينامية الفائقة والمشهودة التي اتسم بها نشاطهم الاقتصادي (الصين والهند نموذجا) أو بحكم النشاط الحيوي الطموح (تركيا وجنوب أفريقيا نموذجا) أو بحكم ثراء الموارد والاحتياطيات الطبيعية والمالية البالغة السخاء، سواء كانت الموارد معدنية (السعودية) أو كانت زراعية ومائية (البرازيل).
في هذا الإطار بدأت تتجلى مع غروب القرن الماضي وفجر القرن الحالي ظاهرة حملت بدورها التسمية التالية: وكان بديهيا أن تكون هذه الظاهرة محل متابعة وثيقة ورصد منهجي من جانب مجموعة الثماني، التي دعت منذ 10 سنوات إلى عقد اجتماع مشهود تم بالتحديد يومي 15 و16 ديسمبر عام 1999 في العاصمة الألمانية برلين، وشهد عملية توسيع مجموعة الثماني ليضاف إليها 12 عضوا جديدا، ومن ثم يتم إعلان الكيان الجديد الذي تناهت إليه حاليا أهم مقاليد الاقتصاد العالمي تحت الاسم الذي اشتهر فيما بعد وهو:
مجموعة العشرين
وفي هذا الاجتماع أعلن الفرقاء أنهم يعملون بصورة منهجية على ضم الاقتصادات المهمة التي تأخذ بأسباب التصنيع من جهة ولكنها تتابع مسيرة التقدم والتطوير من جهة أخرى.
ورغم أنهم ظلوا يعدّون اجتماعات العشرين منبرا يتيح في الأساس سبل الحوار البنّاء بين الاقتصادات الصناعية (السوبر ـ متقدمة) وبين الاقتصادات الناشئة (وخاصة في القارات النامية الثلاث: أفريقيا + آسيا + أميركا اللاتينية) إلا أن سُنن التطور أوصْلتهم إلى أن من بين هذه الاقتصادات الناشئة أو البازغة (مثل جنوب أفريقيا أو المكسيك أو أندويسيا) ما استطاع أن يتجاوز مرحلة النشوء إلى مرحلة مشهودة من النضوج والارتقاء. فمن ذا الذي يتصور مثلا أن اقتصاد الصين أو الهند أو حتى البرازيل يمكن أن تصدق عليه فقط صفة النشوء أو البزوغ؟
من هنا وجدنا من يطلق على مثل هذه الاقتصادات الدينامية، بكل تأثيراتها العميقة في البنية العالمية أو الكوكبية، صفة جديدة هي: باعتبار أن صفة الصعود باتت تتوزع حاليا إلى حيوية اقتصاد الصين في الانتاج السلعي إلى.
حيث باتت مصنوعاتها تملأ، بل تغمر أسواق الغرب ذاته وبخاصة الولايات المتحدة، كما تصدق على قدرات اقتصاد الهند وخاصة في مجال التطور والابتكار العلمي ولاسيما في مضمار الحواسيب الالكترونية.. فيما يمكن أن تصدق الصفة على اقتصاد البرازيل القادر على الصمود من حيث منافسة الموارد وعمليات الإنتاج وتوطيد العلاقات مع أسواق بلدان صديقة على مستوى العالم الثالث بالذات.
أهمية الاجتماع الأخير
ورغم أن مجموعة العشرين داومت على اجتماعاتها طيلة السنوات الثماني السابقة وتراوحت رئاستها بين كندا في عام 1999 إلى البرازيل في عام 2008، إلا أنها حازت مزيدا من أضواء الاهتمام، لا من جانب المراقبين ومحللي الشأن الاقتصادي وحسب.. ولكن أيضا من جانب جماهير الرأي العام أيضا..
لماذا؟
أولا لأن اجتماعها الأخير جاء في بتسبورغ بولاية بنسلفانيا الأميركية، وهي مدينة ذات مكانة خاصة عند جموع الأميركيين حيث تمثل المقر الرئيسي لمؤسسة كارنيجي العلمية ـ الإنسانية الشهيرة.
وثانيا لأنه اجتماع شارك فيه الرئيس المستجد أوباما ـ الذي جاء مع وزير ماليته وسط غمار الأزمة المالية ـ الاقتصادية التي ما برحت تأخذ بخناق العالم.. فضلا عن أن الأزمة نبعت أصلا على الأرض الأميركية.
ثالثا.. ان اجتماع العشرين في بتسبورغ هو الثالث من نوعه منذ نشوب الأزمة الاقتصادية، وجاء وسط توقعات، بل هي مطالبات، على نحو ما فعلت افتتاحية «نيويورك تايمز» بتصحيح الاختلالات التي أفضت إلى وقوع الأزمة العالمية، سواء بأن تعمد أميركا ـ كما أكدت التايمز ـ إلى خفض العجز الفادح في ميزانيتها والى تعزيز سبل الادخار على أساس دعم سلوكيات القصد والاعتدال وتوقي الإسراف إلى حد الإهدار اللامعقول في اقتصادياتها.. وأن تفعل الصين كما طالبت التايمز عكس هذا السلوك الأميركي، بمعنى أن تستهلك أكثر وتنفق أكثر على مستوى سوقها الداخلية مما يكفل بالذات خفض قيمة العملة الصينية.
الأقلية المستهترة
وفي كل حال، فقد اتفقت جمهرة المحللين على أن اجتماعات العشرين في بتسبرغ التي عقدت في الأسبوع الأخير من سبتمبر الماضي كانت على حق حين انتهت في بيانها الختامي (بتاريخ 24/9) إلى التأكيد على أهمية الأخذ بالضوابط التنظيمية التي كان تجاهُلها أو الانفلات منها بدعوى التحرر الاقتصادي في مقدمة أسباب الأزمة الاقتصادية.
خاصة وأن من الأسباب المذكورة ذلك السلوك اللامسؤول الذي ظلت تنتهجه عناصر من كبار المديرين ورؤساء مجالس الإدارات في قطاعات الاقتصاد والبنوك بالذات سواء بمنح عملائهم قروضا طائلة بغير ضمانات أو بمنح أنفسهم(!) مرتبات ومزايا ومكافآت فاقت كل حدود التصور المعقول. من هنا جاءت كلمات الرئيس أوباما تعليقا على بيان العشرين الختامي حيث قال:
- لقد اتفقنا على قواعد مالية جديدة تضمن أن القلة المستهترة لا يمكنها بعد الآن أن تعرّض النظام المالي العالمي للخطر.
من ناحية أخرى فقد جاءت صياغة البيان الختامي كي تكرّس ؟ ما سبق وألمحنا إليه ـ حقيقة الصعود الدينامي لعدد من الاقتصادات التي كانت توصف فقط بأنها ناشئة:
لقد وصف البيان هذه الدول بأنها دول صاعدة وأسواق ديناميكية (بمعنى شديدة الفعالية وجمّة النشاط).
نبادر كي نضيف أن هذا التوصيف الإيجابي الجديد لم يكن مجرد مجاملة أو تعبير عن إعجاب مكنون:
لقد جاء تعبيرا عن أهمية قرار مجموعة العشرين بنقل 5 في المائة على الأقل من حقوق التصويت في صندوق النقد الدولي من الدول القوية التمثيل إلى الدول الأقل تمثيلا، بل جاء بالذات تصحيحا لأوضاع كانت مختلّة وغير منطقية في الماضي، مثلا:
اقتصاد فرنسا لا يوازي نصف اقتصاد الصين ولكن فرنسا تتمتع بنسبة 9,4 من الأصوات في الصندوق الدولي فيما يقتصر نصيب الصين على 7,3 من الأصوات.
لهذا قوبلت تعديلات حقوق التصويت بقدر لا يخفى من الارتياح.. إذ كان من شأنها أن تضفي مزيدا من العدل أو فلنقل التوازن على نمط السلوك التصويتي على صعيد صندوق النقد الدولي وهو أمر كفيل، بأن يهيئ مزيدا من ثقة دول نامية أو فلنقل طموحة وصاعدة ومؤثرة في إمكانية أن يساعد الصندوق الدولي على ترشيد حركة الاقتصاد العالمي بعيدا عن الهيمنة التي كانت تحتكر دول الغرب مقاليدها.
صحيح أن مجرد توسيع حقوق التصويت في صندوق النقد لن يحقق وحده الكثير، وأن الأهم توسيع دائرة الحوار بين أطراف الاقتصاد العالمي.. على نحو ما يؤكد البروفيسور الآسيوي الأصل «أمارتياسن» الحائز على جائزة نوبل، لكن مجموعة العشرين اتخذت في كل حال خطوة على الطريق الصحيح نحو تغيير قواعد اللعبة التي ظلت لصالح دول الغرب على مستوى المنظومة المالية الدولية.
ولأن التأثير متبادل ـ جدليا - بين الاقتصاد والسياسة، فمن المتصور أن تتلوها خطوات أخرى.. من شأنها تحقيق المزيد من عدالة التصويت وترشيد نمط العضوية في مجلس الأمن الدولي الذي ظلت فيه العضوية الدائمة وحقوق النقض (الفيتو) احتكارا تمتع به الكبار على مدى سنوات تصل بعد أشهر قليلة إلى 65 عاما.
إضاءة
قوبلت تعديلات حقوق التصويت بقدر لايخفى من الارتياح.. إذ كان من شأنها أن تضفي مزيدا من العدل أو فلنقل التوازن على نمط السلوك التصويتي على صعيد صندوق النقد الدولي وهو أمر كفيل، بأن يهيئ مزيدا من ثقة دول نامية أو فلنقل طموحة وصاعدة ومؤثرة في إمكانية أن يساعد الصندوق الدولي على ترشيد حركة الاقتصاد العالمي بعيدا عن الهيمنة التي كانت تحتكر دول الغرب مقاليدها.
بقلم: محمد الخولي