المسجد الأقصى مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومصلى الأنبياء، والشاهد على تكامل الرسالات السماوية، الذي بارك الله حوله، وصدق الله العظيم القائل (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع العليم). «سورة الإسراء ـ الأية -1».

المسجد الأقصى الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى، وقال صلى الله عليه وسلم: الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فيما سواه، والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة فيما سواه، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة فيما سواه.

المسجد الاقصى أرادت مشيئة الله تقديرا وتعظيما لقدره عندما فتحه المسلمون، ألا يتسلمه إلا خليفة المسلمين الفاروق عمر بن الخطاب لارتفاع شأنه عند الله عز وجل، ولتكون رسالة هامة للمسلمين من بعده بالتمسك به والدفاع عنه وتقديم كل ما هو غالٍ ونفيس للحفاظ عليه.

ولذلك شهد التاريخ الإسلامي منذ أن فتح الله على المسلمين المسجد الأقصى حروبا ضارية وجولات عديدة وشد وجذب بين المسلمين والطامعين في المسجد الأقصى مثل الصليبيين الأوربيين واليهود ليحتلوا هذه الأماكن المقدسة.

ويسعون إلى تغيير معالمها وتهويدها من خلال مخططات واضحة، ومحددة المعالم وربما التوقيتات لفرض واقع جديد في إطار استراتيجية متكاملة تتضمن تهويد القدس وتهجير المقدسيين واقامة المستوطنات الإسرائيلية على أنقاض منازل ومزارع وممتلكات الفلسطينيين من سكان القدس، والأخطر هو إقامة الهيكل على أنقاض الاقصى، حول هذا الموضوع التقت (البيان) بعدد من المثقفين والسياسيين.

اعتداءات قديمة.. وردود ضعيفة

ينبه الدكتور رفعت سيد أحمد مدير مركز «يافا» للدراسات السياسية والإستراتيجية إلى أن هذه الاعتداءات ليست جديدة، وإنما قديمة قدم الاحتلال بل إنها سبقت الاحتلال الإسرائيلي، مشيرا إلى أن الفلسطينيين قاموا بثورات عدة منذ العام العشرين في القرن الماضي، ولعل أهمها كان عام 1936.

وجميع هذه الثورات والانتفاضات كانت مرتبطة بالاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى. وقد كان قمة هذه الاعتداءات في عام 1969 عندما تم حرق المسجد عن طريق متطرف يهودي قيل وقتها إنه مختل عقليا.

ولفت رفعت سيد أحمد إلى أن الخطورة في هذه الاعتداءات أنها تتم وفق برنامج نشر منذ أيام قليلة تحدث عن أنه ينبغي الانتهاء من بناء هيكل سليمان المزعوم في 25 مارس 2010، وهي توافق ليلة خميس، حتى يتم إقامة الهيكل المزعوم مكانه، مشيرا إلى أن هذا الهيكل كان موضوعا في جناح إسرائيل بنيويورك، ولابد من هدم المسجد الأقصى كي يتم بناء هذا الهيكل الذي ينطلق من عقيدة توراتية، حيث لا يكتمل إيمان اليهودي إلا ببناء هذا الهيكل المزعوم.

وتابع «في ظني أن ردود الفعل الإسلامي ستكون ضعيفة ومتواضعة إلى أن ينهار المسجد الأقصى ويقام الهيكل، وحتى بعد أن ينهار فلن يختلف الوضع كثيرا، فالحكومات العربية والإسلامية ستعلن رفضها وشجبها وإدانتها لما حدث من انهيار للمسجد الأقصى.

وتحاول استصدار قرار من مجلس الأمن يرفض التغيير الذي تم وتطالب بضمان حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، ويخرج المسلمون في مظاهرات «حنجورية» عارمة تعبر عن غضبها لما حدث.

وتعقد اجتماعات لمجالس وزارية تنبثق عنها لجان فرعية تبحث في كيفية التعامل مع هذه الكارثة المروعة، ثم ما تلبث الأمور مع الوقت أن تهدأ وتعمل الأنظمة العربية على اختلاق مسائل أخرى ينشغل بها الناس، وعندما يأتي الحديث عن المسجد الأقصى نتذكر ما قد كان».

وأكد أن أعمال الحفر تحت الأقصى والانتهاكات التي يتعرض لها المسجد ومحيطه ماهي إلا بالونات اختبار تستهدف أمرين، أولا قياس رد الفعل العربي والإسلامي عندما يتم هدم المسجد، والثاني تفريغ شحنات الغضب لدى العرب والمسلمين، وتأهيلهم نفسيا لقبول الأمر الواقع وتقبل فكرة الهدم للمقدس الإسلامي الكبير.

وقال: نحن أمام مخطط تشارك فيه الحكومة الإسرائيلية والمستوطنون وتساعده الولايات المتحدة الأميركية بالدعم المالي والتمويل اللازم، وهناك جماعات صهيونية أمريكية تدفع بقوة في اتجاه هدم المسجد الأقصى باعتباره معتقدا راسخا لديها يترتب عليه أشياء كثيرة».

وحول موقف النظام الرسمي العربي والإسلامي من الاعتداءات والمخططات التي يتعرض لها المسجد الأقصى شدد على أن النظام الرسمي العربي مشارك في الجريمة إما بالصمت وإما بالتواطؤ أو العجز، ودلل على ذلك بموقف السلطة الفلسطينية التي أعطت تعليمات بالمطالبة بتأجيل مناقشة التقرير الأممي حول أحداث حرب غزة، مؤكدا أن بعض الأنظمة والسلطات العربية والإسلامية متواطئة في أحد الأوجه، وعاجزة في أوجه أخرى.

الدور العربي والإسلامي

وأشار الدكتور محمد عبداللاه أمين العلاقات الخارجية بالحزب الوطني الديموقراطي (الحاكم) إلى أن هذه الاعتداءات ليست بالجديدة، وإنما تأتي في اطار مسلسل مستمر من أعمال الاعتداء على المسجد الأقصى ومحيطه وكان أهم هذا الحلقات حريق المسجد الأقصى وزيارة رئيس الوزراء السابق أرئيل شارون والتي فجرت انتفاضة الأقصى الثانية.

وقال: «إنه لابد وأن تكون هذه القضية دائما على الأجندة العربية والإسلامية وأن يتم إثارتها في المحافل الدولية وخاصة في اليونسكو»، وفي الأمم المتحدة باعتبارها المنوط بها حماية المدنيين وحماية التراث أثناء الحرب والاحتلال، واليونسكو باعتباره المنظمة الثقافية الدولية المنوط بها حماية التراث الانساني العالم.

وأضاف: أن منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية ولجنة القدس عليها أن تعمل لمساندة أهالي القدس للصمود والدفاع عن ممتلكاتهم وحمايتها، نظرا لوجود مخطط إسرائيلي مواز لتهويد مدينة القدس وذلك من خلال التصدي لقضية المستوطنات.

ونفى عبداللاه أن يكون هناك تراخ من النظام الرسمي العربي والإسلامي، قائلا: إن المشكلة تكمن في أننا نعتقد أنه عندما تهدأ الأمور أن المشكلة قد انتهت، وما تقوم به إسرائيل هو مخطط متعدد المراحل تكمل بعضها الأخر، محذرا من أننا قد نفاجأ في النهاية بالواقع المؤلم والحزين والسيناريو الأسوأ من هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم.

وبدوره، يرى المفكر الفلسطيني عبد القادر ياسين أن ما تقوم به إسرائيل من اعتداءات على المسجد الأقصى هو أمر طبيعي في ظل الواقع العربي والإسلامي الحالي، وقال «ما يغري العدو الإسرائيلي على مواصلة اعتداءاتها على البشر والحجر هو هذا الوهن الرسمي العربي، وعدونا يمعن ويرفع من وتيرة اعتداءاته بينما يسود الوطن العربي صمت القبور، فلماذا لا يمعن العدو الإسرائيلي في انتهاكاته ومخططاته لهدم المسجد الأقصى؟!».

وحول سبل التصدي للمخططات الإسرائيلية التي ترمي إلى النيل من المسجد الاقصى واقامة الهيكل المزعوم، قال ياسين «إنني دائما أقول إن تحرير فلسطين ليس بمطالبة المحتل بالحفاظ على أثاث بيتنا، وإنما الحل الوحيد هو إخراجه نهائيا من الأراضي الفلسطينية المحتلة».

وأضاف ياسين: إذا لم ينجح النظام الرسمي العربي في بلورة موقف عربي موحد فقل على المسجد الاقصى والقدس وفلسطين بأكملها يارحمن يارحيم، أما فيما يتعلق بالموقف الشعبي فهو موقف انساني نظري، وذلك لأن الأنظمة الرسمية العربية تقمع أي تحرك شعبي عربي في الاتجاه الصحيح.

الوحدة العربية

وبدوره، قال السفير محمد بسيوني رئيس لجنة الشؤون العربية والعلاقات الخارجية والأمن القومي بمجلس الشورى (الغرفة الثانية للبرلمان المصري): إن العرب والمسلمين أكدوا ويؤكدون إصرارهم على أن تعاد كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأن يتم إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، مع رفضهم في الوقت نفسه لجميع التغيرات التي تحدث على الأرض وتطالب إسرائيل باعتبارها دولة احتلال بالحفاظ على كافة المقدسات الإسلامية والمسيحية والتراث الإنساني الموجود بالأراضي المحتلة.

وفيما يتعلق بالموقف الرسمي العربي، أشار بسيوني إلي الجهود التي تبذلها جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ولجنة القدس المنبثقة عنها برئاسة المغرب، مشيرا إلى أن هذه الجهات تتخذ موقفا حاسما تجاه هذه القضية لما تمثله من مساس بالمقدسات الإسلامية والمخططات الإسرائيلية لهدم المسجد الأقصى والحفريات القائمة في محيطه وباعتباره خطا أحمر.

وأضاف: نحن نتمنى أن يوحد العرب كلمتهم وأن يكون لجامعة الدول العربية قوة، وأن تتكامل جهودها، وأن تكون هناك إرادة سياسية، مؤكدا أن قضية المسجد الأقصى تهم العرب والمسلمين جميعا ولا تعني الفلسطينيين وحدهم.

وتابع «نحن نعمل ونتحرك جماعيا ودوليا وأكدنا رفضنا لهذه الاعتداءات وهذه الحفريات التي تقوم بها إسرائيل بحثا عن هذا الهيكل الوهمي».

ومن ناحيته، أكد الدكتور جهاد عودة أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة حلوان وعضو أمانة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي الحاكم على أن هناك مخططات إسرائيلية لإقامة هيكل سليمان، مستبعدا أن يكون هدم الأقصى هدف إسرائيلي تسعى إليه، وإلا كانت هدمته منذ فترة طويلة خاصة.

وهي تدرك أن ردة الفعل العربية والإسلامية لن تكون بشكل الذي يمكن الاحتياط له، وإن كان لم يستبعد في الوقت نفسه أن يترتب على الحفريات التي تقوم بها إسرائيل انهيار المسجد الأقصى.

وقال: إن طريقة البناء في الماضي كانت تعتمد على اقامة هياكل بنائية فوق بعضها البعض، ونتيجة لذلك فإن هدم أحد هذه الهياكل قد يترتب عليه انهيار هياكل أخرى، لافتا إلى أن إسرائيل في سبيل اقامتها لهيكلها الوهمي المزعوم قد يترتب عليه انهيار المسجد الأقصى.

وحول الموقف العربي والإسلامي الرسمي من المخططات الإسرائيلية، أشار عودة إلى أن ما يتعرض له المسجد الأقصى قضية إسلامية مدانة، والدول العربية والإسلامية تفعل ما تستطيع عمله، وعلى الشعب الفلسطيني نفسه أن يفعل شيئا للدفاع عنه، وعليهم السعي بجدية للرأب الصدع وإنهاء الانشقاقات والخلافات، وأن يتم توحيد الصف الفلسطيني وتوجيه جل جهدهم للدفاع عن المقدسات الإسلامية والوطنية بدلا من التناحر والتشرذم والانشقاقات وحقن الدماء.

تهويد القدس

وأكد السفير محمد صبيح الأمين العام المساعد بجامعة الدول العربية لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة على خطورة الوضع في المسجد الأقصى، مشيرا إلى التحذيرات المتعددة التي أطلقتها جامعة الدول العربية والتي تؤكد أن الخطر يقترب بشدة من المسجد الأقصى.

وأن الحفريات الإسرائيلية تهدده بعنف وأن المخطط الإسرائيلي لإقامة ما يسمى بهيكل سليمان المزعوم لا يسعى فقط لإقامة هذا الهيكل الذي تدعمه بعض الأطراف الصهيونية العالمية وخاصة في الولايات المتحدة وإنما يسعى إلى تقويض المسجد الأقصى وهدمه باعتباره رمزا مقدسا إسلاميا هاما يتمسك به المسلمون ويعضون عليه بالنواجذ لما لذلك من تأثير سلبي على القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب والمسلمين.

وأضاف: ان المخطط الإسرائيلي لهدم المسجد الأقصى واضح للجميع وهو يأتي ضمن مخطط إسرائيلي متكامل يتضمن هدم المسجد الأقصى وتهويد القدس والاستيلاء على منازل المقدسيين وطردهم من القدس وإقامة المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية والضفة الغربية لتمزيق أوصال القدس والضفة الغربية وفرض واقع جديد من شأنه استحالة إقامة الدولة الفلسطينية القادرة على الحياة.

إضاءة

يطالب السفير محمد صبيح الأمين العام المساعد بجامعة الدول العربية لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة الدول العربية والإسلامية بضرورة اتخاذ مواقف فاعلة وجادة لإجبار إسرائيل وأعوانها على وقف مخططاتها التي تستهدف هدم المسجد الأقصى وتهويد القدس ووأد حلم الدولة الفلسطينية، ويدعو إلى توحيد كلمة العرب والمسلمين حول القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب والمسلمين الأولى.