قيل أيام تجددت الهجمات الصهيونية ضد المسجد الأقصى الشريف، أولى القبلتين وثالث الحرمين، فقد حاول الصهاينة اقتحام المسجد مؤخرا بزعم الصلاة فيه، لكن المقدسيين تصدوا لهم ومنعوهم، مما أدى لسقوط الكثر من الجرحى بينهم.
ولاتزال السلطات الصهيونية مستمرة في تشجيع المتطرفين للاستمرار في جرائمهم ضد المقدسات الاسلامية بهدف النيل منها، فهي توفر لهم الحماية الأمنية في كافة تحركاتهم، الى جانب استمرار حفر الأنفاق تحت المسجد، بهدف هدمه لاقامة الهيكل المزعوم بدلا منه، وحول هذه الجرائم الصهيونية ودور العرب والمسلمين في التصدي لها، التقت (البيان) الدكتور محمد الشحات الجندي الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف المصرية الذي دعا ضرورة أن تحشد المؤسسات الإسلامية جهودها للدفاع عن المسجد الأقصى، محذرا من أنها إن لم تفعل ذلك بسرعة فربما ينهار الأقصى في أي وقت. ودعا في حواره المؤسسات الإسلامية الى توحيد جهودها لنصرة المسجد الأقصى، محذرا العرب والمسلمين من أنه إذا لم يتحركوا للدفاع عن حقوقهم، فإن أحدا لن يتحرك بالنيابة عنهم للدفاع عن هذه الحقوق. واعترف في الوقت ذاته أن واقع العالمين العربي والإسلامي يجعلهما غير مهيئين للدفاع عن قضاياهم وحقوقهم.
في بداية الحوار قال الدكتور محمد الشحات الجندي: للمسجد الأقصى قدسيته عند المسلمين، فالقرآن الكريم استهل سورة الإسراء بالحديث عن المسجد الأقصى، فالإسراء والمعراج كان حدثا مهما وعظيما في تاريخ وحاضر الإسلام والمسلمين، شمل المسجد الأقصى.
ومن أجل ذلك استهل الله سبحانه وتعالى سورة الإسراء بقوله( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع العليم سورة الإسراء الآية ).
وأن تعنون السورة بهذا الإسم هو دليل على أهمية ومغزى الإسراء، سواء من حيث الحدث ذاته، وهو الإسراء والمعراج أو من حيث من قام بالحدث وهو الرسول عليه الصلاة والسلام.
وكذلك أيضا من حيث مكان الحدث، فكما نعلم أن المكان هو المسجد الأقصى والمناطق المحيطة به وهي القدس.
واحتفت السنة المطهرة أيضا بالمسجد الأقصى باعتباره أولي القبلتين وثالث الحرمين، أي أن كلا من القرآن الكريم أو السنة النبوية أوليا اهتماما كبيرا بالمسجد الأقصى وبالقدس.
وما يدل على مكانة القدس في الإسلام أنه عندما فتحت جاء الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المدينة المنورة إلي القدس ليتسلم مفاتيح القدس، وهو مالم يحدث من قبل في أي فتح إسلامي، على الرغم من كثرة وتعدد الفتوحات التي تمت في عهد عمر بن الخطاب لإدراكه لأهمية القدس في القرآن والسنة المشرفة.
انتهاك المقدسات
كيف تنظرون إلى الاعتداءات الصهيونية التي تتهدد المسجد الأقصى بفعل الحفريات والإعتداءات الإسرائيلية ؟
الدكتور محمد الشحات: ما تمارسه إسرائيل الآن في المسجد الأقصى هو انتهاك للمقدسات التي عظمتها جميع الأديان السماوية والقرآن الكريم والأنبياء جميعا. ويكفي أن نعلم أن القدس الشريف كانت مزارا للأنبياء عندما أسرى بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام، إذ صلى بهم جميعا في المسجد الأقصى.
وهذه الحفريات التي تقوم بها إسرائيل أسفل المسجد وحوله تأتي في إطار السعي لتقويض المسجد لينهار حتي تستأصل شأفة المسلمين في القدس. فهي تسعى كي تقول إن هذا المسجد الذي تتمسكون به انتهى.
وبالتالي لا حاجة لكم في هذه المدينة لتصبح خالصة للصهيونية العالمية، فضلا عن ذلك فإن ما تقوم به إسرائيل بشأن الحفريات هو أيضا مصادرة لحق المسلمين في أداء شعائر دينهم في مكان مقدس يعتزون به، وهو مصادرة لحق أداء الشعائر.
وهذا الإجراء لا نقول أن القرآن الكريم فقط يرفضه، وإنما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أيضا يرفضه، فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان نص على أداء الشعائر الدينية لكل الناس، فإسرائيل تمنع الفلسطينيين والمسلمين من أن يقوموا بأداء شعائرهم الدينية داخل مقدساتهم .
ويحدث كثيرا أن تقوم بإغلاق المسجد الأقصى في وجه المصلين أو منع الفلسطينيين من الوصول إليه بطريقة أو بأخرى، بل الأكثر من ذلك يقوم المتطرفون اليهود بانتهاك حرمة الأقصى تحت مرأى ومسمع الحكومة الإسرائيلية وبحمايتها، كما أن ما تقوم به يمثل انتهاكا صارخا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
ونحن نقول أننا حتى إذا تحدثنا عن المواثيق الدولية، فإن هذا العمل يعتبر مجرما ومحرما طبقا للمواثيق الدولية التي اتفقت عليها جميع الدول والأمم وإسرائيل عضو بالأمم المتحدة، ولكنها مع ذلك لا تكترث مطلقا بهذه المواثيق ولا الإحتجاجات التي يعلنها المسلمون والفلسطينيون عن ضرورة وقف هذه الانتهاكات التي تستهدف المسجد الأقصى.
يزعم الإسرائيليون إجراء هذه الحفريات أسفل المسجد الأقصى لإقامة هيكل سليمان، فما حقيقة هذا الهيكل المزعوم؟
الدكتور محمد الشحات: هذه المزاعم الاسرائيلية حول الهيكل غير صحيحة ليس لها وجود تاريخي معلوم، لأن هيكل سليمان لا يمكن أن يكون في هذا الموضع. وبهذه المناسبة فإن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بصدد أن يصدر خلال شهر أو شهرين كتابا حول القدس الشريف ويفند فيه تماما الإدعاءات الإسرائيلية بوجود الهيكل في هذا المكان.
جهد دعوي
على ذكر الكتاب الذي تعتزمون إصداره حول القدس، ماذا قدم المجلس وماذا يمكن أن يقدم دفاعا عن المسجد الأقصى؟
المجلس له دور كبير في الدفاع عن المسجد الأقصى والقدس. وقد أصدرنا العديد من الكتب التي تتناول ذلك وتفند المزاعم الإسرائيلية، كما نظمنا أو شاركنا في الكثير من الندوات والمؤتمرات التي تدافع عن القدس والأقصى. وشاركنا الأخوة الفلسطينيين في العديد من الأنشطة بمناسبة اختيار القدس عاصمة للثقافة الإسلامية بناء على طلب وزير الأوقاف الفلسطيني.
وكانت هناك محاضرات خلال ملتقى الفكر الإسلامي طوال شهر رمضان تحدثت في هذا الشأن وحق العرب والمسلمين في القدس باعتباره معلما من معالم الإسلام، كما فندت المزاعم الإسرائيلية حول المسجد الأقصى والقدس، هذا فضلا عن الكتاب الذي تحدثنا عنه.
ما هو الدور الذي ينبغي على المؤسسات الإسلامية القيام به دفاعا عن المسجد الأقصى؟
دور المؤسسات الإسلامية مهم للغاية، وهذا الدور ينطلق من ضرورة توحد المؤسسات الإسلامية لجهودها وأن تتعاون فيما بينها لوضع خطة منظمة تهدف إلى إشاعة الاهتمام بقضية القدس باعتبارها ليست قضية فلسطينية وعربية فقط، وإنما هي قضية إسلامية عربية فلسطينية فهي قضية تخص خمس سكان العالم، وهم أعضاء في الأمم المتحدة.
وفي النظام الدولي ينبغي أن يحترم حقهم في القدس الشريف والمسجد الأقصى، وعلى المؤسسات الإسلامية أن تعلن على الضمير العالمي والرأي العام العالمي أن المسلمين مصرين على حقهم في القدس وعلي حماية مقدساتهم فيها، وخاصة المسجد الأقصى، وأن المسلمين والعرب لديهم حقوق في القدس لن يتم التنازل عنها.
بالإضافة لذلك لابد أن يكون موضوع حصول المسلمين على حقهم في المسجد الأقصى فوريا حتى لو تأخرت التسوية الفلسطينية الإسرائيلية باعتباره موضوعا عاجلا ولا يحتمل التأخير وينبغي ألا ننتظر الأحداث، لأنه ربما لا قدر الله أن يقوض المسجد الأقصى في أي وقت.
خاصة وأن إسرائيل دائما تلعب على عامل الوقت، وقد نفاجأ بخطة إسرائيلية تستهدف هدم المسجد الأقصى ولا نعلم بها إلا بعد فوات الأوان. وبالتالي ينبغي على هذه المؤسسات وضع خطة عاجلة للعمل على استعادة حق الفلسطينيين والمسلمين في القدس، وأن يكون لها مدة زمنية محددة.
المسلمون وحوار الحضارات
هناك ما يسمى بحوار الحضارات أو الأديان تشارك فيه المؤسسات الإسلامية مع نظائرها المسيحية واليهودية وغيرها، كيف يمكن استغلال هذا المنبر من جانب المؤسسات الإسلامية للدفاع عن المسجد الأقصى؟
الدكتور محمد الشحات : الحوار الآن هو أداة التفاهم بين العرب والغرب أو أتباع الإسلام وأتباع الأديان الأخرى، فهو حوار بين الثقافات والحضارات والأديان. وينبغي على هذا الحوار أن يضع قضية القدس على رأس الأولويات التي ينبغي التحاور بشأنها.
وينبغي أيضا إبراز أن المسلمين يتحاورون مع الآخر، وأنهم إذا كانوا يقبلون بهذا الحوار، فإنهم لا يقبلون إطلاقا أن يتم التفريط في القدس أو التفريط في إسلامية وعروبة القدس، لأن هذا مما يهدد الحوار ويطيح بحق المسلمين، وينبغي أن يوضع هذا الموضوع كبند أساسي في بنود هذا الحوار، خاصة هذا العام الذي يوافق كون القدس عاصمة للثقافة الإسلامية.
ما هي أوجه القصور التي تعتري الدور الذي تقوم به المؤسسات الإسلامية في الدفاع عن القدس من وجهة نظرك؟
إلى حد كبير أن المؤسسات الإسلامية تتصرف وتتحرك كرد فعل وينبغي أن يكون هناك مبادرة إسلامية شاملة.
ولابد أن تكون القضية الفلسطينية والقدس والمسجد الأقصى على قمة الأولويات، وبالتالي يجب أن تكون قضية موسمية تنشط إذا ما كان هناك حدث أو تهديد أو خطر، وينبغي أن تكون القدس والقضية الفلسطينية موضوعا دائما ومثارا بصفة مستمرة من قبل المؤسسات الإسلامية، باعتبارها قضايا جوهرية تهم كل العالم الإسلامي.
ولابد أيضا من التنسيق فيما بين المؤسسات الإسلامية، لأنه من المهم أن أعلم ما هي جهودك وتعلم ما هي جهودي نحو القدس وما ننوي فعله، نعلم ماذا تفعل منظمة المؤتمر الإسلامي؟ وماذا تنوي أن تفعل الإيسسكو وجامعة الدول العربية وغيرها؟، لابد أن يكون هناك تنسيق بينها وفي أقرب وقت لصالح المسلمين وقضاياهم.
واجب المسلمين نحو الأقصى
ما هو واجب المسلمين حكاما ومحكومين للدفاع عن المسجد الأقصى؟
يجب على المسلمين خاصة في ظل هذه المتاهات التي نعيشها والحملات المسيئة ضد الإسلام وضد رموز الإسلام وضد معتقدات الإسلام أن يوحدوا جهودهم، وأن يكون لهم صوت إسلامي واحد أو على الأقل صوت عربي واحد في البداية وأن يكون هذا الصوت معبرا عن الرأي العربي في القضايا المهمة مثل القدس والقضية الفلسطينية والتهديدات التي تواجه المسجد الأقصى، وتجاه ما يحدث في دارفور وفي العراق وأفغانستان وغيرها من القضايا التي لا ينبغي أن نتحدث فيها بصورة فردية .
يجب أن تكون لنا جميعا رؤية موحدة حول قضايانا لأن الغرب والعالم لن يعيرنا أي اهتمام طالما ظللنا على حالتنا الآنية من فرقة وخلاف وتمزق وتعدد واختلاف الرؤى والمواقف والآراء، وبالتالي فلن تجد قضايانا على الرغم من عدالة موقفنا أذنا صاغية، لأن العالم لن يدافع عن حقوقنا ما لم نكن نحن قادرون على الدفاع عنها.
هل تعتقد أن واقع العالم العربي والإسلامي له تأثير سلبي على القضايا الإسلامية، وفي مقدمتها قضية المسجد الأقصى وما يتعرض له من انتهاكات؟
بلا شك أن واقع العالمين العربي والإسلامي غير مهيأ للقيام بهذا الدور للدفاع عن قضاياه المصيرية، ولكن من الواضح أن هناك رغبة ورغبة ملحة من جانب الجماهير العربية والإسلامية ينبغي أن نستثمرها،لأنها تستشعر التعاطف، مع بعضها البعض وتعلم أن قوتها في وحدتها، وتعلم أننا أصبحنا الآن مغيبين عن العالم وحتى عن قضايانا التي تخصنا.
وما العمل إذن من وجهة نظركم ؟
المهم أن نبدأ خطوة إلى الأمام، وأن نبدأ في توعية الجماهير العربية والإسلامية لأن هناك في الدول العربية والإسلامية نسبة كبيرة من الشباب وهو يشكلون ربما 35 في المئة من حجم السكان في العالم العربي، وهناك قضايا لا يعلمون عنها شيئا ومن بينها قضية القدس، لأن هناك غزو ثقافي وفكري من جانب الشبكة الدولية للمعلومات( الإنترنت) وعلى المؤسسات العربية والإسلامية أن يستثيروا ثلث سكانه وهم الشباب نحو أهمية هذه القضايا وأهميتها في هويتهم الإسلامية ليلتفتوا لهذه القضايا ويحملوا الهم الإسلامي في هذا الطريق.
إضاءة
ما تمارسه إسرائيل الآن في المسجد الأقصى انتهاك للمقدسات التي عظمتها جميع الأديان السماوية والقرآن الكريم والأنبياء جميعا.
ويكفي أن نعلم أن القدس الشريف كانت مزارا للأنبياء عندما أسري بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام، إذ صلى بهم جميعا في المسجد الأقصى، وهذه الحفريات التي تقوم بها إسرائيل أسفل المسجد وحوله تأتي في إطار السعي لتقويض المسجد لينهار حتي تستأصل شأفة المسلمين في القدس.