الهجمة الإسرائيلية الصهيونية الجديدة على القدس والمسجد الأقصى والتي تنفذها سلطات الاحتلال ليست مفاجئة، وليست مقطوعة عن جذورها وعن مسلسل التهويد الذي ابتلع المدينة المقدسة وتشريد أبنائها ومواطنيها من العرب المسلمين والمسيحيين على حد سواء.
فالمخططات والمؤامرات الصهيونية لتهويد القدس والأقصى بالذات مستمرة منذ ما يزيد على سبعين عاماً، أي ما قبل قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين. وزاد من حدة الهجمة الإسرائيلية الصهيونية الاستيطانية التهويدية الجديدة والجارية بحق الأقصى والمدينة المقدسة، ما يرافقها من عمليات حفر وتنقيب مستمرة تحت المسجد الأقصى والذي تحول اسمه من المسجد الأقصى إلى المسجد المعلق الذي بات محمولاً على أعمدة تكاد لم تعد تحتمل جدرانه السميكة. ففي الوقت الذي يحتفل فيه العرب «رسميين وغير رسميين» بالقدس عاصمة للثقافة العربية، تتواصل مشاريع التهويد الكولونيالية التوسعية الاجلائية الصهيونية في مختلف مناطق المدينة المقدسة (داخل الأسوار وخارجها). وفي مناطق ريف المدينة التي أمست بدورها جزءاً من القدس الكبرى بعد أن قامت سلطات الاحتلال بتوسيع الحدود الإدارية للمدينة لتصبح مساحتها تقارب ربع مساحة الضفة الغربية، فبات المشهد المقدسي يحتل موقعاً رئيسياً في الأهمية والأبعاد الإستراتيجية والدينية والسياسية الحاسمة في ظل التحولات التي مازالت ترسمها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على ارض المدينة المقدسة.
الحملة على القدس والأقصى
ومع الاستهداف الأساسي للقدس، فان باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 لم تكن أيضاً بعيدة عن الاستهداف التوسعي الاجلائي الصهيوني، وعن اعتداءات مجموعات المستوطنين، فمن اعتداءات على المزارع والمنازل والمساجد والممتلكات العامة والخاصة خصوصاً في القرى، إلى السيطرة على العديد من المنازل في قلب مدينتي القدس والخليل، إلى الاعتداء بالضرب المبرح على المواطنين وحرق بعض المنازل.
فبعد أن تتابعت الاعتداءات الصهيونية وتمادت دولة الاحتلال في القيام بما تسميه بأعمال «الحفريات الهيكلية» في قلب مدينة القدس المحتلة منذ مدة ليست بالقصيرة، أعلن رئيس بلدية القدس الجديد الإسرائيلي الصهيوني نير بركات ومنذ نهاية العام المنصرم، نيته بإقامة عشرة آلاف وحدة سكنية استيطانية في منطقة قلنديا أو عطاروت، وتوسيع مستعمرة عيناتا، وموقع التلة الفرنسية.
وأعلن في الوقت نفسه عن تأييده وإسناده لخطط بناء المزيد من المنازل لليهود القادمين نحو الاستيطان في الأراضي الفلسطينية في القدس الشرقية العربية المحتلة وحولها.
في الوقت الذي كشف فيه دان مرجليت نائب رئيس حركة ميرتس اليسارية الصهيونية وعضو بلدية القدس المعروف بمواقفه المتحفظة من عمليات الاستيطان والتهويد التي تتعرض لها الأراضي الفلسطينية، عن عمليات جارية على قدم وساق حول وعلى محيط الأقصى حيث قال «إن هناك نفقين كبيرين أسفل وفي محيط المسجد الأقصى المبارك احدهما في سلوان والثاني في منطقة الواد في البلدة القديمة على وشك أن يعلن عن فتحهما».
حصار الأرض والناس
ونتيجة لعمليات التهويد المتواصلة، فان رموز التهويد باتت تطوق المسجد الأقصى المبارك من جهاته الأربع بأكثر من مائة كنيس يهودي، خاصة داخل البلدة القديمة بالقدس، وبالقرب من أسوار القدس القديمة، في وقت توجد فيه عدة كنس يهودية في الأنفاق التي حفرت تحت المسجد الأقصى المبارك، وهناك عشرات الكنس، بدأت تمتد وتزداد في غرب المسجد الأقصى المبارك.
وأصبحت جميعها تشكل سلسلة على شكل دائري حول المسجد الأقصى من كل الجهات، وبدأت تزداد وتقترب من المسجد الأقصى المبارك في هذه الأيام، وتشكل أجواء استيطانية يهودية، خانقة حول المسجد، وقد بنيت على عقارات وأوقاف إسلامية ومساجد استولت عليها المؤسسة الإسرائيلية بعد الاحتلال الإسرائيلي العام 1967.
كما كانت المؤسسة الإسرائيلية قد صعدت في الفترة الأخيرة من بناء هذه الكنس في مواقع قريبة من الأقصى، إضافة لوجود مخطط إسرائيلي وشيك التنفيذ لبناء أكبر كنيس يهودي في العالم بتكلفة (40) مليون دولار فوق المدرسة التنكرية الإسلامية التاريخية والتي هي جزء من المسجد الأقصى، وقد تم إقرار مخطط هذا الكنيس في زمن حكومة شارون.
ناهيك عن تزايد الأصوات الإسرائيلية التي تنادي بضرورة التخلص من المقدسيين بعد ازدياد عمليات المقاومة من خلال حوادث الدهس بالجرافات أو الطعن بالسكاكين.
ووصلت المطالب إلى قنوات الحكومة الإسرائيلية عبر أصوات العديد من أعضاء الكنيست الذين تتعالى أصواتهم كل يوم مطالبة بشكل أو بأخر، بتعبير أو بتعبير أخر بضرورة «التخلص من المقدسيين من العرب المسلمين والمسيحيين من خلال تفعيل الأساليب المعهودة التي مازالت سلطات الاحتلال تمارسها بحق المقدسيين كسحب الهويات الخاصة بسكان المدينة من أي مواطن يغيب لفترة معينة خارج حدود المدينة لطلب العلم أو العمل المؤقت خارج فلسطين أو الزيارات الخارجية.. الخ.
قدس جديدة في الطريق
وبالنتيجة، إن الوقائع اليومية تشي بالحقيقة، وتشير إلى السياسات الإسرائيلية المتعلقة بمستقبل القدس في صيغ جديدة عنوانها أن «قدس يهودية، وكبيرة وقوية»، حيث يندمج هذا الاصطلاح اندماجاً منساقاً وراء التصورات السكانية الإسرائيلية التي تعمل لتخطيط حدود القدس من جديد واقتطاع مساحات إضافية من مناطق مدن وريف الضفة الغربية المحيط بالجوار المباشر للمدينة في أراض يعيش فيها اليوم عشرات آلاف الفلسطينيين، كأحياء الشيخ جراح، ووادي الجوز، ورأس العامود، وسلوان، والعيسوية، والصوانة، والبلدة القديمة كلها وما حولها، مع ضم كتلة مستعمرات معاليه ادوميم، وميشور أد وميم، وكذلك منطقة هيشوف أدام شمال شرق نفيه يعقوب ومستوطنة جيلو جنوبي القدس.
وكل منطقة غوش عتصيون وبيتار عيليت، وكذلك المناطق جفعات زئيف، وجفعون الجديدة وجبل أدار وبيت حورون شمال غرب القدس.
ما يجري في القدس، والاحداث الدامية والتي شهدتها ساحات المسجد الأقصى المبارك ومعها الصور الأكثر دموية، لم تصل تفعيلاتها حتى اللحظة إلى الأذن العربية والإسلامية على ما يبدو، حيث تسعى إسرائيل إلى تطبيع سلوكها الفاشي ضد القدس والأقصى تحت حراب البنادق.
وإذا كان العرب يقومون بجزء من واجباتهم الكبيرة تجاه فلسطين وشعبها، فإن حجم المؤامرة والمخططات الصهيونية لا يزال أضخم من هذا الدور الأمر الذي يستدعي الدعوة إلى تحرك اقوى وأكثر فاعلية، دون أن نظل نمارس جلد الذات أو نتحدث عن التقصير الذي لا يستطيع أحد أن ينفيه.
وهو أمر أشار إليه بوضوح وقبل أيام الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في تصريحه لوكالة (يو بي آي بتاريخ 27/9/2009)حين قال بأن «التحرك العربي لصدّ العدوان عن المسجد الأقصى، والقدس المحتلة، والحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل في الضفة الغربية، غير كافٍ»، مطالباً منظمة المؤتمر الإسلامي «بالقيام بواجبها في هذا الصدد».
ورأى موسى أن «عدوان إسرائيل على الأقصى وتدنيس المقدسات هو استفزاز غير مسبوق وخروج عن القوانين الدولية وخروج عن المألوف».
العربية والإسلامية العاجلة
إن نصرة الشعب الفلسطيني ودعمه في صموده وفي مواجهته للمخططات الإسرائيلية يجب ألا تتوقف عند البيانات، ويجب ألا تكون ختامها تصريحات الشجب والتنديد. فالأقصى والقدس اليوم، لا يحتاجان إلى المزيد الإبداع الخطابي، وكل ما يحتاجه الأقصى هو لحظة صدق من هذه الأمة.
وعليه، وعلى ضوء الواقع الحالي في القدس، وتواصل عمليات القضم المتتالي لأراضيها لمصلحة التوسع الاستيطاني التهويدي الجائر، فان مهمات فلسطينية وعربية وإسلامية عاجلة تتطلب التحرك من أجل إنقاذ المدينة المقدسة.
وإدامة صمود المقدسيين عبر مد المؤسسات الوطنية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني بكل أسباب وعوامل الصمود والثبات، وتحويل الدعم اللفظي إلى دعم مادي مباشر، وإعادة إحياء وتفعيل صندوق القدس العربي الذي كانت قمة القاهرة قد أقرته عام 2001. وعليه يقع على عاتق المؤسسات الحقوقية والمنظمات الفاعلة والصليب الأحمر ضرورة التدخل الفوري لوضع حد للمأساة التي تحل بمدينة القدس جراء تواصل الهجمة الإسرائيلية الشرسة مع تواصل عمليات الحفريات والهدم.
كما في ضرورة تدخل منظمة المؤتمر الإسلامي والدول العربية والإسلامية بكل قوة لوقف هذا الجنون الإسرائيلي بحق الأقصى والمقدسات الإسلامية فالأقصى والقدس الآن في خطر حقيقي لان هناك نية مبيتة للنيل منه من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة.
كما يقع على عاتق المؤسسات الحقوقية والمنظمات الفاعلة والصليب الأحمر ضرورة التدخل الفوري لوضع حد للمأساة التي تحل بمدينة القدس جراء تواصل الهجمة الإسرائيلية الشرسة مع تواصل عمليات الحفريات والهدم.
كما في ضرورة تدخل منظمة المؤتمر الإسلامي والدول العربية والإسلامية بكل قوة لوقف هذا الجنون الإسرائيلي بحق الأقصى والمقدسات الإسلامية فالأقصى والقدس الآن في خطر حقيقي لان هناك نية مبيتة للنيل منه من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة.
فضلاً ضرورة تكثيف حملات توعية فلسطينية للمواطنين المقادسة للحيلولة دون انتشار ذلك حيث سيكون له اثر خطير جداً على مستقبل مدينة القدس.
إضاءة
على ضوء الواقع الحالي في القدس، وتواصل عمليات القضم المتتالي لأراضيها لمصلحة التوسع الاستيطاني التهويدي الجائر، فان القدس تصرخ وتستغيث وتنتظر مهام عاجلة، فلسطينية، وعربية، وإسلامية، للتحرك من أجل إنقاذ المدينة المقدسة، حيث يؤلم القلب أن يبقى الفلسطينيون وحدهم يواجهون هذا الخطر الداهم، وان يستمر العرب والمسلمون مكتفين بالتصريحات والكلام الذي لا يحقق شيئا عملياً على الأرض.
علي بدوان ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق