لا يعُرف على وجه الدقة متى بدأت الإرهاصات الأولى لسيرة مدينة القدس مع سياسة التهويد الصهيونية الإسرائيلية.. لكن كثافة آيات وتجليات هذه السياسة بعد احتلال المدينة بالكامل في يونيه 1967، أغرت الكثيرين بالاعتقاد أن هذا الحدث يشكل بداية مناسبة لهذه السيرة.

هذا المنطق الذي يقوم على الاستسهال قاد أصحابه إلى إغفال زهاء قرن بكامله تقريباً، حفل قبل 1967 بمظاهر التهويد الزاحف بنعومة وتؤده نحو المدينة. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر كان هناك في أوروبا ـ وبدرجة أدنى من الوضوح في الولايات المتحدة ـ من اكتمل تصورهم حول ضرورة عودة اليهود إلى فلسطين وإعادة بناء «ملكهم الضائع وهيكلهم المفقود» انطلاقاً من بؤرة «أورشليم القدس».. وذلك تمهيداً لعودة السيد المسيح وقيام الألفية السعيدة.

وفي هذا يقول بعض المؤرخين الغربيين أن الدعم الأوروبي لانتزاع فلسطين وفي قلبها القدس، سبق نشوء الحركة الصهيونية اليهودية بستين سنة على الأقل.

التهويد بموافقة دولية

التهويد بهذا المعنى كان لدى القوى المستنفذة ذات السطوة الدولية ولايزال مطلوباً لتحقيق تهويمات رؤيوية موغلة في تلبيس الدين بالأسطورة والحقيقة بالخيال. وكانت بواكير نذر تطبيق هذه الحمولة العقيدية الفكرية، الممهورة بالأطماع الدنيوية السياسية والاقتصادية، السعي إلى زيادة الوجود اليهودي في المدينة.

وكانت الضغوط متعددة المحاور والأدوات علي الدولة العثمانية، صاحبة السيادة، لأجل السماح بفتح الأبواب لاستقبال اليهود كزائرين ومريدين وبكائين في الرحاب المقدسية، أبرز وسائل مقاربة هذه الهدف.

ثم إن هذه الوسيلة أتُبعت بخطوات رديفة أقوى، كافتتاح المدارس وابتعاث الإرساليات والمستكشفين الأثريين، والدفع باتجاه تحويل الزوار (المساكين!) إلى مقيمين دائمين وإلحاقهم بسكان المدينة الأصليين من مسلمين ومسيحيين. وقد ظهرت علامات الصحوة لهذا الغزو البين للتركيبة السكانية المقدسية من خلال الاحتجاجات وعرائض الرفض، التي رفعتها نخبة أهل المدينة وفلسطين من رجال دين وصحافيين ومثقفين ووجهاء وممثلين سياسيين إلى السدة السلطانية في استنبول..

لافتين فيها النظر إلى مخاطر التكاثر اليهودي بالقدس في ضوء البرنامج الصهيوني الذي راح يتلصص في الأفق في أواخر القرن التاسع عشر، وصار حقيقة ماثلة بعيد المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا عام 1897.

وللإنصاف، فإن بعض ساسة السلطنة العثمانية استمعوا لهذه النداءات واستصدروا القوانين المحددة لعدد «الزائرين اليهود» ومدة إقامتهم في القدس مع بداية القرن العشرين.

بيد أن أحوال السلطنة المتداعية من الداخل والمستهدفة من الخارج، حالت دون وضع حد نهائي لمخطط التغلغل اليهودي في فلسطين عموماً في القدس بخاصة. وبوقوع فلسطين برمتها في قبضة الاستعمار البريطاني جراء نتائج الحرب العالمية الأولى، زالت بعض مظاهر الحصانة الممكنة أمام ذلك المخطط، ومضت عملية التهويد بوتيرة أسرع في مناخ موات، أتاحه التحالف العضوي بين المستعمر البريطاني والشريك الصهيوني.

القدس التاريخية

ولمن يتحدثون حاليا عن قدس شرقية وأخرى غربية، نذكر بأن القدس التاريخية، القدس الحقيقية، لم تخضع لهذا المفهوم الا بفعل إجراءات التهويد في عهد سيطرة هذا التحالف التي امتدت لثلاثة عقود أختتمها حرب فلسطين الأولى عام 1948.

فالشاهد أنه مع ازدياد الحقائق اليهودية في محيط المدينة سكانا ومؤسسات مختلفة الوظائف واستبسال الجانب الفلسطيني (والعربي نسبياً) في منع هذه الحقائق من اختراق البؤرة الأم للمدينة (الأقصى ورحابه)، اتجه المخطط الصهيوني إلى التوسع والبناء غربي المدينة وإلحاق هذه التوسعات عمرانياً وسكانياً بلوجستية القدس.

وهكذا فإن محاولة إغراق القدس، سكانياً بحقنها بمزيد من اليهود الوافدين من ناحية، وجغرافياً بتمديدها وبناء أحياء (يهودية) جديدة جهة الغرب بالذات من ناحية ثانية، وإضعاف الحقائق العربية الفلسطينية المؤسساتية الاقتصادية والسياسية من ناحية ثالثة، كانت أكثر إجراءات تهويد المدينة تكرارية علي مدار القرن الممتد بين 1850و 1948. مثلاً عام 1850 كان عدد اليهود في القدس نحو 6000 نسمة؛ وقد زاد هؤلاء إلى 18000 عام 1880، ثم إلى 31000 عام 1900.

وبالنظر إلى هذا المستجد وبناء عليه، طالب اليهود في فلسطين بأن يضاف عضو آخر منهم إلى مجلس بلدية المدينة، وتم لهم ذلك بأن صار لهم عضوان بهذا المجلس بعد أن كان لهم عضو واحد من ستة أعضاء عام 1863.

وحين نستعرض أسس محاولة السيطرة علي القدس وتهويدها اللاحقة منذ إعلان الدولة الصهيونية عام 1948 وصولاً إلى يومنا الراهن، وما يشهده من تطورات تطال المسجد الأقصى، لابد أن تسترعي انتباهنا استمرارية اللجوء إلى التكتيكات ذاتها ممثلة في تغيير معالم المدينة سكانياً وجغرافياً ومؤسساتياً وسياسياً.

الفارق بين المراحل يتعلق بقدرة الجانب الصهيوني والفرص التي أتيحت أمامه لتمرير هذه الإجراءات. نفهم ذلك من أن هذا الجانب كان على استعداد للتضحية بقضية إعلان التهويد أو تخبئتها مؤقتاً في سبيل إنجاز أهداف أعمق وأوسع. فهرتزل لم يشر إلى القدس في كتابه الشهير عن الدولة اليهودية. وحاييم وايزمن قال عام 1937 «لا أقبل أن آخذ المدينة القديمة حتى كهدية، فهناك كثير من التعقيدات والصعوبات المرتبطة بذلك..».

ووافق بن جوريون علي مشروعي تقسيم فلسطين لعام 1937 ثم لعام 1947 رغم عدم إلحاق أي منهما للقدس بالقسم المقترح للدولة اليهودية.. وكان الداهية الصهيوني الأخير واضحاً في تعليل هذا الموقف: «كان هذا ثمناً يجب دفعه للحصول على دولة..».

محاولة الابتلاع

بناء على هذه المنهجية، فإن استكمال احتلال القدس عام 1967 يؤرخ لبداية الحقبة الذهبية من سيناريو تهويدها علانية ومحاولة ابتلاعها وهضمها هي والمسجد الأقصى تماماً في جوف المشروع الصهيوني.. أو على حد تعبير مختلف الأطياف الايديولوجية الصهيونية والإسرائيلية: اتخاذها عاصمة «أبدية موحدة» لإسرائيل..

هذا الأمر يكاد يكون بديهياً باعتبار أن الاحتلال أطلق يد الحركة الصهيونية وحررها من كل المحاذير ودواعي الاحتياط لتعبث في أحشاء المقدسات الإسلامية، وتقوم بأكبر عملية هدم وبناء عرفتها مدينة القدس منذ إنشائها قبل زهاء خمسة آلاف عام!.

احتلال المدينة كان من وجهة نظر المشروع الصهيوني إيذانا ببدء الفصل الختامي لتهويدها ووضع حد تاريخي نهائي لدعاوى الآخرين في امتلاكها أو السيادة عليها.

فور وقوع المدينة في قبضتها سابقت إسرائيل الزمن في مضمار التهويد. فبعد سويعات رفع بعض قادتها العسكريين العلم الإسرائيلي علي أركان المسجد الأقصى، واتخذوا قراراً بتجريف حي المغاربة المحاذي لحائط البراق، المدعو لديهم بحائط المبكي.

القرار الأول تم التراجع عنه لتسكين ردود الأفعال المحتملة عربياً وإسلامياً، فيما جري تنفيذ القرار الثاني علي عجل.. وفي طرفة عين صار الحي الشهير مجرد ساحة خالية من أي معلم فلسطيني أو عربي أو إسلامي. وبعد ثلاثة أسابيع بالضبط من احتلالها في 7 يونيه 1967، أعلنت تل أبيب ضم القدس الشرقية (الحقيقية) إلى دولة إسرائيل وإصدار التشريعات اللازمة لتوسيعها بلدياً (لوجستياً) شمالاً وشرقاً وجنوباً (إذ كان غربي المدينة قد توسع بالفعل سابقاً).

كانت تلك الإجراءات سريعة التجهيز والتنفيذ فاتحة سيناريو إجراءات التهويد الأخير والنهائي للقدس، والذي أضحت معالمه الظاهرة والباطنة أكثر أخبار الصراع الصهيوني العربي انتشاراً.

أية قدس؟

لا يسعنا في هذا المقام عرض قائمة إحصائية تفصيلية لما أفضي إليه هذا السيناريو الممتد. لكن المؤكد أن مبادراته ومشروعاته، الاستيطانية بخاصة، داخل المدينة وعلي حوافها وضواحيها، ومنظومة القوانين الموصولة بقضية تكبير الوجود اليهودي ووقف نمو الحقائق العربية فيها ومن حولها، جعلت منها ساحة منازلة كبري، حرمتها الاستقرار وشوهت صورتها.

في كنف سياسة تهويد القدس، الساعية حثيثاً وعلي مدار الساعة إلى تحويلها إلى إرث لليهود «حصريا»، فقدت مدينة السلام بهائها وصارت بقول شهود عدول واحدة من أكثر المدن انقساماً وازدحاماً بالمنازعات والأزمات.

بل وكان من تبعات هذه السياسة أن بات من الصعب تعيين حدود المدينة والمقصود بها جغرافياً وسكانياً. إذ يتساءل البعض عن أية قدس موضوع للصراع أو التفاوض؟!. أهي القدس التي قصدها قرار تقسيم فلسطين بالتدويل وأفرد لها خريطة تفصيلية؟.

أم هي القدس القديمة بمعالمها الدينية التي أضفت عليها سمات التفرد بمكانة روحية رفيعة لدى المسيحيين والمسلمين؟. أم هي المدينة المتداولة في مخيال اليهود الصهاينة، الذين قلبوا أحجارها وأرضها وما تحتهما لأجل توكيد مزاعمهم في السيادة عليها؟.

أم هي القدس في مشروع التهويد الأخير الذي يود أن يبسطها على أكثر من ألف كيلو متر مربع (نحو20 في المئة من الضفة الغربية)؟. أم هي كل هذه المعطيات معاً؟.

أصحاب هذا الاستفهام الساخر والاستنكاري محقين تماماً. فالقدس التي احتلت عام 1967 وأعلنتها حركة التحرر الفلسطينية وارتضتها عاصمة لدولتها المزمعة، تبدو اليوم كجزيرة ناتئة وسط محيط من المستوطنات اليهودية على مشارفها الشرقية والشمالية والجنوبية التي يتكدس فيها زهاء 300 ألف مستوطن.

وكل بضعة أسابيع يطرأ جديد على هذا الصعيد، عبر بناء مزيد من الحقائق اليهودية حول شرقي المدينة.

ومنذ سنوات تجري عمليات اقتحام لقلب المدينة وبؤرتها العربية الإسلامية والمسيحية الصلبة، من خلال إجبار سكانها علي بيع ممتلكاتهم هناك واتخاذها نقاط ارتكاز للتوسع فيما حولها. رئيس الوزراء الأسبق آرييل شارون فعل ذلك بنفسه حين استولى على منزل هناك وصار يقض به مضاجع مجاوريه منذ أكثر من عشرة أعوام!.

نتائج التهويد

ومع ما حققته سياسة تهويد القدس المتدحرجة من خطوات ونتائج، إلا انها بقيت حتى يومنا هذا أسيرة قيود ومحددات لم يتم اختراقها:

أولها، المحدد القانوني، إذ لم تحظ هذه السياسة برضاء القانون الدولي الذي مازال يعتبرها أمراً واقعاً مجافياً لقواعده وأعرافه؛ لا يصح الاعتراف به وإقراره.

ثانيها، المحدد السياسي، باعتبار أن أكثر القوي عطفاً على إسرائيل وتعاطفاً معها لم (وربما لا ) تجرؤ على الاعتراف بنتائج هذه السياسة (وبخاصة طالما أنها مرفوضة فلسطينياً وعربياً وإسلامياً..).

ثالثها، وأهمها، المحدد الواقعي، وموجزه أن القدس التاريخية تبدو مدينة عصية علي التهويد وتغيير الهوية اعتمادا بصفة جوهرية على مقاومة أكثر من 200ألف عربي فلسطيني يعتبرون وجودهم فيها رباطاً يصونون به كرامتهم وعزتهم وفلسطينيتهم وعروبتهم في الحياة الدنيا، ويحسبونه دفاعاً عن قيمهم ودينهم ومقدساتهم يؤجرون عليه يوم الدينونة.

إضاءة

بات من الصعب تعيين حدود المدينة والمقصود بها جغرافياً وسكانياً. إذ يتساءل البعض عن أية قدس موضوع للصراع أو التفاوض؟!. أهي القدس التي قصدها قرار تقسيم فلسطين بالتدويل وأفرد لها خريطة تفصيلية؟. أم هي القدس القديمة بمعالمها الدينية التي أضفت عليها سمات التفرد بمكانة روحية رفيعة لدى المسيحيين والمسلمين؟

د. محمد خالد الأزعر ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة