يأتي قرار الرئيس الأميركي أوباما بالتخلي عن نشر عناصر الدرع الصاروخي الأميركي في أراضي تشيكيا وبولندا تعبيرا واضحا عن «براجماتية» السياسة الأميركية التي لا تتوانى في أية لحظة عن التضحية بحلفائها من أنظمة الحكم في الدول الصغيرة من أجل مصالحها الخاصة، ضاربة عرض الحائط بالتزاماتها وتعهداتها وحتى بسمعة واستقرار هذه الأنظمة التي تقدم تنازلات كبيرة لواشنطن مقابل مصالح شخصية غالبا ما تتعارض مع مصالح شعوبها.

حكومتا تشيكيا وبولندا لم يتوقعا القرار الذي لم تكن له أية مقدمات أو مؤشرات، خاصة وأن إدارة الرئيس السابق بوش قبل رحيلها وقعت في العام الماضي اتفاقيتين مع البلدين على نشر عناصر الدرع الصاروخي على أراضيهما، ودخلتا حكومتا بولندا وتشيكيا في تحد كبير مع شعبيهما اللذين تظاهرا كثيرا رافضين نشر عناصر الدرع على أراضي بلديهما.

كما دخلت الحكومتان في تحد مع جيرانهما الأوروبيين الرافضين لوجود عناصر هذا الدرع على أراضي القارة الأوروبية، وصرح رئيس وزراء تشيكيا السابق ميريك توبولانيك في العام الماضي قائلا بأن بلاده لن تناقش مسألة نشر عناصر الدرع الأميركي مع الأوروبيين، وجاء بعده رئيس الوزراء الحالي يان فيشر ليؤكد ذلك ويرفض المعارضة الشعبية في تشيكيا لهذا الأمر ويتهمهم بالجهل بأمن وطنهم.

وتكرر نفس الموقف في بولندا، ولكن قرار الرئيس أوباما الأخير، والذي أبلغته واشنطن لحكومتي بولندا وتشيكيا بالتليفون ليلا قبل إعلانه بساعات ولم تناقشه معهما، جاء ليثبت أن واشنطن لا تحترم الصغار من حلفائها وتضحي بهم بسهولة، وتضعهم في مأزق كبير أمام شعوبهم وجيرانهم من الدول الأخرى.

هذا أيضا ما سبق أن فعلته واشنطن مؤخرا مع نظامي الحكم في جورجيا وأوكرانيا جارتي روسيا المرفوضين من شعبيهما بتخليها عن دعمهما للانضمام لعضوية حلف شمال الأطلسي بعد أن وعدتهم إدارة بوش الراحلة بهذا في العام الماضي.

واشنطن تأمل من روسيا أن ترد لها الجميل وتتعامل مع إيران مثل تعامل واشنطن مع حلفائها الصغار، ولكن هيهات وشتان ما بين سياسة واشنطن الغارقة في البراجماتية وسياسة موسكو التي تحترم تعهداتها مع الصغار والكبار على حد سواء.

elmoghazy@hotmail.com