ما معنى أن يشكل الرئيس الفلسطيني محمود عباس الأحد الماضي لجنة للتحقيق في ملابسات مطالبة السلطة التي يترأسها بتأجيل التصويت على تبني تقرير غولدستون رئيس لجنة التحقيق الدولية في العدوان على غزة؟ هل يعني أن السلطة مخترقة أو أن فيها من يتمتع بصلاحيات تمكنه من اتخاذ قرار خطير كهذا بمعزل عن دوائر صنع القرار المعتادة ؟
ولماذا تبنت السلطة في البداية المطالبة بالتأجيل وخرج نمر حماد مستشار الرئيس الفلسطيني على إحدى الفضائيات يبرر ويشرح ويتعذر بأن أصدقاء تقليديين للعرب بينهم الصين وروسيا لم يكونوا في صف التقرير وأن هناك حاجة إلى وقت لإقناع هؤلاء الأصد قاء بالتصويت لصالح التقرير معتبرا ذلك خدمة للقضية.
وإذا كانت كل الفصائل بما فيها حركة فتح التي تنتمي إليها السلطة فد نددت بالمطالبة بتأجيل التصويت واعتبرت الخطوة خيانة لدم الشهداء، وتقديم طوق نجاة لمجرمي الحرب الإسرائيليين كي يفلتوا بجرائمهم، وتضييع فرصة نادرة قد لا تسنح مرة ثانية لجر هؤلاء المجرمين إلى العدالة الدولية، فمن إذن ذلك الشبح الذي اتخذ القرار بمعزل عن مؤسسات صنع القرار المعتادة.
وبعيدا عن الصخب الذي يدور فإن الرواية المتداولة التي تم تجميعها من عدة مصادر تشير إلى أن ما حدث لم يخرج عن التالي:
حتى ظهر الخميس (أول أكتوبر) كان كل شيء على ما يرام في مجلس حقوق الإنسان فالدبلوماسية العربية والإسلامية تمكنت من حشد أصوات 33 دولة من إجمالي 47 دولة ممثلة في المجلس، وهو ما يعني تبني المجلس لتقرير غولدستون (خلال التصويت الذي كان مقررا في اليوم التالي) ومن ثم إحالته إلى الأمم المتحدة التي سترفعه بدورها إلى مجلس الأمن، وكان هناك إحساس فلسطيني عام بأن الطرف الفلسطيني على وشك حيازة ورقة ضغط نادرة، خاصة بعد أن حظيت بالإهمال اتصالات إسرائيلية وأميركية برئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض تهدد صراحة بقطع كافة المساعدات الأميركية للسلطة.
وكذلك توقف إسرائيل عن دفع عائدات الضرائب التي تجمعها من الفلسطينيين وتعتمد عليها السلطة في دفع رواتب موظفيها، إلا أن زيارة قام بها القنصل الأميركي العام في القدس جاكوب ويلز لرام الله عكست الصورة، فقد حمل ويلز تهديدا صريحا من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون مفاده أن واشنطن لن تستطيع الاستمرار في الجهود التي تبذلها للمضي في تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وربما لن تلتزم بالمساعدات المالية التي تدفعها للسلطة إذا لم تقم الأخيرة فورا بطلب تأجيل مناقشة التقرير والتصويت عليه، وقبيل مغادرة ويلز لمبنى المقاطعة تلقى إبراهيم خريشة ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في مجلس حقوق الإنسان.
إشارة بتقديم طلب للمجلس بتأجيل التصويت على التقرير، لم يقتنع خريشه وبدا مندهشا من الطلب، ومتخوفا من أن يكون الاتصال الذي تلقاه يحمل خدعة ما أو أن جهة مخابراتية دخلت على الخط، فطلب إرسال أمر مكتوب بهذا الشأن، وفي لحظات كان لديه هذا الأمر كتابيا.
أخيرا فإن صلب هذه الرواية إسرائيلي المنشأ، ولا حيلة لمعرفة الحقيقة إلا اللجوء لإسرائيل ورواياتها، لأنه ليس هناك مصدر معلوماتي ولا مسؤول موثوقا يدلي بمعلومات بلغة عربية، وربما تكون خطأ أو محض خيال.